لماذا يذبحوننا على أنغام صليل الصوارم؟ – الحلقة الثانية

تجربتي الأولى في الذبح كانت في صيف 1996 على بعد خطوات من مسجد “الهادي” في العصافرة القبلية شرق الإسكندرية. كنت قد ناهزت البلوغ، أو كنت قد بلغت فعلاً، وكان عامي الثاني من العمل في الإجازة الصيفية لاكتساب شيء من المال ليعين أمّي على مصروفاتي الدراسية التي كانت تتحملها وحدها.لم يقبل صاحب محل الطيور والدواجن الذي كنت أعمل فيه أن أذبح بنفسي في صيفي الأول (1995). كنت لا أزال صغيرًا وكانت تجربتي الأولى وسط دماء مئات الكائنات التي تذبح يوميًا ليأكلها البشر، لكني أمسكت السكين وذبحت بالفعل في الصيف التالي.

الذبحة الأولى ليست كأي ذبحة، بل هي الذبحة التي تفصلك عن هيبة الدم ورهبة إسالة دماء كائن حي بسكين حاد لا تقبل أن يجرح إصبعك، فإذا بك تقطع وريده وشريانه وتراه يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو بين يديك. أتذكر هذا جيدًا كلما رأيت تسجيلًا مصوّرًا لشبيحة بشار في سوريا أو للدواعش في أي من بلادنا العربية المنكوبة وهم يذبحون الأسرى من البشر، كما ذَبحتُ أنا الطيور الداجنة مستخرجًا إياها من حبسها في القفص. أتساءل عن الذي دفعهم للجرأة على ذلك كما تجرأت أنا على ذبح الدجاج والأرانب والبط والحمام!

قرأتُ ذات مرة عن أسير أمريكي خرج من محبسه بعد فترة طويلة ليفاجئ أصدقاءه بمهارته في لعب الجولف وكأنه كان يتدرب في السجن. أخبرهم أنه فعلًا كان يتدرب، لكن في خياله وبخياله! لكني تساءلت عمّا إذا كان الخيال وحده يصلح لتدريب من لم يمارس الجولف في حياته ولم يتمرس جسده في حركاته الرياضية الميكانيكية، وكان مثالي الشخصي في هذا هو الحركة الميكانيكية التي اكتسبتها من تنظيف عشرات الآلاف من الطيور المذبوحة في مخزن محل طيور “الفقي”، قبل أن يغيّر نشاطه وأغيّر من أعمالي الصيفية في السنوات التالية.

يمكنني الآن التمرن بخيالي على تنظيف دجاجة مذبوحة من ريشها، سواءً بيدي أو باستخدام الماكينة التي أعرف عيوبها وكيفية معالجة بعض الأعطال الطفيفة فيها. أدرك تمامًا كيف أقطع الرِجْليْن، وأتخلص من المنقار، ثم أقلب الدجاجة سريعًا لأشق بطنها وأستخرج أمعاءها، وأفصل الكبد والقنصة عن سائر الأمعاء، ثم أتخلص من المرارة من دون فقعها وإفساد طعم ما تناله عصارتها إذا تناثرت على الكبد أو الأجزاء المأكولة من الدجاجة. أعرف كيف أفتح القنصة وأنظفها، وكيف أزيل بطانتها الصفراء غير الصالحة للأكل. أعرف أيضًا كيف أمسك بالدجاجة حية من جناحيْها بيدي اليسرى، وكيف أثني رقبتها للخلف، وكيف أذبحها بيدي اليمنى من دون قطع رقبتها. يمكنني التدرب في خيالي على إمساك أرنب من أذنيه بيدي اليسرى، وتكتيفه بين رِجْليّ بحيث لا يظهر من جسده سوى رقبته، التي يسير عليها السكين بيدي اليمنى، ثم يسيل دمه قبل أن يهيج جهازه العصبي للمرة الأخيرة. أعرف ذلك كله وأكثر، ويمكنني التدرب عليه بخيالي بعد أن اعتاد عليه بصري وجربته بيدي، لكني لم أتخيل نفسي في أعتى لحظاتي الإيديولوجية السابقة، وقت أن كنت محمّلًا بخطاب الجهاد والفداء والدم والرقاب والجماجم، بل لم يكن في مقدوري أن أتخيل نفسي أذبح إنسانًا باسم الله وفي سبيل الله، ولو كان ذلك الإنسان هو أبو لهب الملعون في القرآن!

ما الذي أكسب الدواعش، أو غيرهم كشبيحة بشار مثلاً، قدرة ميكانيكية على الذبح تجعلهم منفصلين وجدانيًا وذهنيًا تمامًا عن ألم المذبوح وصراخه وكأنه خروف أو عجل يذبحونه باسم الله للأكل الشهيّ؟!

ليس التساؤل هنا حول احتمال تحوّل الإخواني أو غيره من الإسلاميين السياسيين والدعويين إلى إيديولوجيا القاعدة أو داعش، فهذا وارد بحق الأفراد وإن امتنع بحق التيار لأسباب هيكلية وبنيوية يطول شرحها ويضيق المقام بها. تساؤلي الواضح والدقيق عن الجرأة على البشاعة، ولماذا يقرنها بعضهم ببعض الحالات الاستثنائية والمقولات الشاذة في التراث العربي الإسلامي. هل كان قطع رقاب ثوار الجزائر على يد المحتل الفرنسي مستندًا إلى فتوى من ابن تيمية؟! وهل كانت وحشية الأوروبي الأبيض الذي كان يخرج في رحلات صيدٍ للأفارقة السود، باعتبارهم كائنات بدائيةلم ترتقِ على سلّم التطور، نابعًا من تراث إسلامي من العصور الغابرة؟ بل هل يمكن أن نحمّل دارون المسؤولية عن هذه الجرائم بسبب أن هتلر– على سبيل المثال– أقحم نظرية التطور في هرائه النازي؟!

يجيب هاني عوّاد، باحث الدكتوراه في علم الاجتماع بجامعة أكسفورد، على جانب من تساؤلي قائلاً:

“آخر ما يحتاج إليه المتطرّف في مسار تطرّفه هو أفكار متطرّفة. وما يقال اليوم عن أثر الوهّابيّة أو نصوص ابن تيمية على القاعدة وداعش هو في أغلبه محضُ جهل أو إيديولوجيا. نحن نعرف تاريخيًا أن القتل على خلفية دينية أو عرقية أو مذهبية لم يكن مرتبطًا في يوم من الأيام بنصٍّ أو تفسيرٍ دينيّ معيّن. شعب الهوتو في رواندا قتل وذبح ما يقارب المليون من شعب التوتسي خلال ثلاث أشهر، وهو يغني تراتيل مسيحية تنشد المحبّة والسلام. ومايتتسيني، النسخة النيجيرية من شكري مصطفى مؤسس جماعة التكفير والهجرة في مصر، استخدم الآية القرآنية “إلا من تاب وعمل عملا صالحا” ليحرّم التوباكو وقتل هو وأتباعه الآلاف في بداية الثمانينيات.

الأمر نفسه ينطبق على الوهّابية بنسختها السعودية، والتي على العكس مما يشاع عنها فُهمت حتى غزو العراق على أنّها تحييدٌ للدين وخضوعُ لوليّ الأمر مهما كان فاسقًا. ولعلّ أغلبنا نسي أن منطقيًا رصينًا مثل محمد عابد الجابري اعتبرها في يومٍ من الأيام نسخةً صالحةً لبناء ديمقراطية عربية، وذلك بسبب مرونتها وميلها للخضوع إلى أي نظام سياسيّ حاكم أيًا كانت توجّهاته.

باختصار، لا تصنع النصوص المتطرّفة تطرّفًا. ما يصنعه هو الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تهدد كينونة الناس فتدفعهم إلى التعصّب ضدّ الآخر المختلف ثقافيًا أو عرقيًا أو دينيًا. ولو لم يكن ابن تيمية موجودًا، لقتلت داعش وأخواتها الناس ربما باسم ابن رشد”.

لا تكفي إجابة عوّاد، فلربما كان تماسك حجته غطاءً لتحيّزاته المعرفية والثقافية التي تشكلت في وعيه كعربي مسلم نشأ في قلب المنطقة التي ترعرعت فيها السلفية الجهادية وإصدارها البشع المنشق عنها، داعش. وبينما أنا أفكر في هذا التساؤل إذ بي أفاجأ بتعليق من خبير أمريكي في الدراسات الأمنية وشؤون الإرهاب، في اجتماع بأحد مراكز البحث المرموقة في العاصمة الأمريكية، فطلبت منه اللقاء بعدها لأسأله عن تفسيره لدموية داعش وبشاعته..

كان الاجتماع يدور حول خطط إحدى المؤسسات العربية في مواجهة الإرهاب؛ حيث أكد ممثل هذه المؤسسة أهمية الدور التثقيفي والتعليمي والتوعوي من بين عدة مسارات تحاول مؤسسته العمل فيها. استمع الحاضرون جيدًا، ثم انهالوا على المتحدث بالأسئلة النقدية، وحين تحدث جاك جولدستون بدأ تعليقه بتلك العبارة التي حُفرت في ذاكرتي:

إنك لن تجد أكثر راديكالية وعنفًا من أولئك القادة الذين نالوا حظًا وافرًا من التعليم!“.

عزّز جولدستون تفسيره بذكر بعض الأمثلة من قادة التنظيمات الأكثر عنفًا في العالم العربي والإسلامي، فهم ليسوا جهلة أو معدمين بل أطباء ومهندسون وعلماء في مجالات متنوعة.

طلبت مقابلته وبحثت عن تاريخه الأكاديمي والبحثي قبل المقابلة، فكم من اسم لامع في مراكز البحث والفكر في العواصم العالمية وجد طريقه المرموق لأسباب غير علمية وغير موضوعية! عرفت أنه قد حصل على الدكتوراه من جامعة “هارفارد” وأنه ذو تاريخ مهني حافل يجمع بين التدريس الجامعي والمشروعات البحثية التي غطّت مناطق واسعة من العالم والعديد من القضايا الاجتماعية والسياسية والأمنية. ذهبت للقائه متطلعًا للاستزادة، وسألته عن تحليله لأسباب الانضمام لداعش وغيرها من تنظيمات تنتهج العنف والدموية، كما سألته عن تفسيره للوحشية المتطرفة التي يتسم بها سلوكهم، فأجابني بما أنقله لك في الحلقة الثالثة والأخيرة.

اعلان
 
 
إسماعيل الإسكندراني