لماذا يذبحوننا على أنغام صليل الصوارم؟ – الحلقة الأولى

تخبرني أمي أنهم حين افتقدوني وظنوا أني قد تهت أو اختُطفت فاستعانوا بالجيران للبحث عني، وجدوني قادمًا مبتسمًا لا يشغل بالي شيء، وأنا ابن أربع سنوات، لا أكاد أظهر من الأرض.

“كنت فين يا إسماعيل؟!”.. “كنت بأصلي في المسجد”.. “الجامع قفل من بدري!”.. “صليت في مسجد النقيب”.

كنت منذ نعومة أظافري أستخدم لفظ “المسجد” الذي يستخدمه المتدينون، ولا أستخدم كلمة “الجامع” التي يرددها العوام!

تركت مسجد “التوحيد” في شارع “موريتانيا” القريب من بيتنا وذهبت إلى مسجد “النقيب” في شارع “مردوخ”، كما يعرفه أهل المندرة في شرق الإسكندرية على اسم خواجة يهودي كان يقطنه قديمًا قبل أن يُسجّل الشارع إداريًا باسم الكاتب الراحل محمد حسين هيكل. عرفت أن الصلاة في المسجد الأبعد لها ثواب أكبر، فخطوة ترفع درجة وخطوة تمحو سيئة، وكان في المسجد رجل عجوز يكافئني على كل صلاة بقطعة من الحلوى، فتحمّست للصلاة في المسجد الأبعد الذي يؤخر الإقامة عن وقت الأذان لفترة أطول.

ذات مرة عدت من مسجد النقيب غاضبًا، وأنا ابن خمس سنوات، فسألتني جارتنا التي ترعرعت في بيتها مناديًا إياها “ماما حاجة” عن سبب غضبي. أجبتُ بحسم: “بيصلّوا غلط!”. حاول ابنها الإخواني المخضرم، الأستاذ مدحت، أن يستفسر عن الخطأ الذي ارتكبوه في الصلاة، فقلت له إنهم سجدوا مباشرة دون ركوع ثم عادوا ليقفوا دون جلوس أو سجدة ثانية. حاول أن يعلمني معنى سجود التلاوة، لكني على ما يبدو لم أقتنع بكلامه وظللت غاضبًا لفترة، من دون انقطاع عن مسجد النقيب.

في مسجد النقيب نشأت شبلًا إخوانيًا، يحفظ القرآن والأناشيد الإسلامية/ الإخوانية، ويشارك في الأنشطة التربوية والترفيهية المسجدية كالرحلات والرياضة الشاطئية ودورات كرة القدم. ألفت أذني أناشيد تحمل المعاني الجهادية كالتي ينشدها الدواعش الآن، لكنها كانت محلّقة كأطياف الخيال في سماء المجهول، فكانت تدور عن جهادٍ مؤجل في أماكن بعيدة ليس إليه ولا إليها سبيل سوى الاستعداد بالتربية الروحية والإيمانية، أو هكذا أخبروني حينما كبرت قليلاً.

في مسجد النقيب كان الإخوان المسلمون بالتعاون مع لجنة الإغاثة الإنسانية في اتحاد الأطباء العرب، يعرضون أفلامًا تسجيلية للمذابح التي يتعرض لها المسلمون في البلقان على يد الصرب، فكانوا يأتون بجهازيْ التليفزيون والفيديو بعد صلاة الجمعة ويشغلون هذه العروض من أجل التوعية والتعبئة. ومن مسجد النقيب عرفت العمل الحركي الإسلامي وأنا ابن عشر سنين، فقد أعطانا المشرف بطاقات لجمع التبرعات لصالح البوسنة والهرسك من دوائرنا العائلية. زارنا قريب ميسور الحال فأعطيته البطاقة وطلبت منه التبرع، فكان ما أعطانيه كافيًا لتفوقي على بقية أقراني بفارق كبير في حجم المال المجموع، وكانت تلك هي بداية رحلتي الطويلة مع الإخوان المسلمين وغيرهم من إسلاميين دعويين وحركيين.

بعد أكثر من خمس عشرة سنة، تجاوزت الأفكار الإسلاموية كليةً بالتدريج، بدءًا من التحول إلى ما أسميها الإسلاموية الجديدة (neo-Islamism)، وهي نسخة محدثة من “الإسلام السياسي المقاصدي الحضاري”، حتى تجاوُز الإسلام السياسي برمّته (post-Islamism). لكني لا أزال حتى الآن أفاجأ بنفسي أدندن أناشيدنا القديمة (لم نكن نسميها أغاني لأن الأغاني حرام!). لا يمكنني القول إنها “أناشيدهم”، فهي جزء من وعيي وذاكرتي حتى إن حاولت تهذيب نفسي عقلانيًا فيما بعد.

“يا أيها الإنسان هل تبكي لما أبكاني؟.. اليأس يعبث بالأمل ويهز كل كياني”.. “يا أمتي”.. “رددي يا جبال”.. “غرباء”.. “بلادي بلادي اسلمي وانعمي”.. كلها أناشيد حمّالة أوجه، لا يستحضر أحدنا منها إلا ارتباطات ذهنية خاصة به، فهذا سمعته كخلفية صوتية لتسجيل مصور، وذاك كنت أردده أو أنشده في “كورال” المسجد (بالطبع لم نكن نستخدم كلمة “كورال” بل “فريق إنشاد”!)، وذلك حفظته من شريط الكاسيت. لم يتضح في إدراكي معانٍ محددة لنشيد بعينه سوى في أناشيد المقاومة الفلسطينية الإسلامية، حمساوية التأليف والإنشاد غالبًا، بالأخص ذات اللهجة العامية الفلسطينية..

“يامّا صحاني صوت الحرية
والمصحف ناداني والأم الأبية
يامّا لا تجولي (تقولي) بكير (مبكرًا)
ع الجهاد ما أني صغير (لست صغيرًا)
اتذكري أسامة واتذكري علي
واتذكري النشامة في العهد الأولِ
وبصبرك كوني جوية (قوية)”.

كان لمحورية المسجد الأقصى وغاية تحرير القدس في الخطاب الإخواني خصوصًا، والإسلاموي عمومًا، دور كبير في تكييف أي نشيد يحمل مضمونًا جهاديًا / قتاليًا..

“سنخوض معاركنا معهم.. وسنمضي جموعًا نردعهم.. ونعيد الحق المغتصب.. وبكل القوة ندفعهم
بسلاح الحق البتار.. سنحرر أرض الأحرار.. ونعيد الطهر إلى القدس.. من بعد الذل وذا العار
وسنمضي ندك معاقلهم.. بدويٍّ دامٍ يقلقهم.. وسنمحو العار بأيدينا.. وبكل القوة ندفعهم
لن نرضى بجزء محتلٍ.. لن نترك شبرًا للذل.. ستمور الأرض وتحرقهم.. في الأرض براكين تغلي”.

حتى أشد الأناشيد دموية، بغض النظر عن أصالتها أو اقتباسها من أناشيد عروبية سابقة عليها،لم تكن تحمل معاني ذبح الغير بقدر ما تحمل معاني التضحية من أجل الإسلام ولو برقابنا..

“لبيك إسلام البطولة كلنا نفدي الحمى.. لبيك واجعل من جماجمنا لعزك سلّمًا”.

وهو معنى الفداء الدموي الذي تؤكده النسخة الإسلامية من “بلادي بلادي”

“بلادي بلادي اسلمي وانعمي
سأرويكِ حين الظما من دمي
ورب العقيدة لن تهزمي
ومن أكمل الدين للمسلمين”.

وفي أيام ضيق المجال السياسي، لم يكن بين الإسلاميين من تنافس خارج السباق على الاستيلاء الإداري والدعوي على المساجد سوى السفسطة الفقهية الفارغة في فروع الفروع. وكان جزء أساسي من هذا الجدل هو الخلاف حول حرمة الموسيقا، واستثناء الدف من الآلات الموسيقية المحرمة. فصار لدينا إصداران من الأناشيد، “بدف” و”من دون دف”، وشاعت لدينا نقاشات من قبيل: “جرب تسمع “فمن للأمة الغرقى إذا كنا الغريقينا” بدف هتلاقيها أحلى بكتير”!

أما فائض الطاقة الجسمانية في ريعان الشباب فكان تفريغه سائرًا في طريقين متوازيين؛ الطريق الأول هو استنفاد الجهد في الأعمال الدعوية والخيرية، والثاني هو بعض المواجهات البدنية الموسمية التي يخوضها طلاب الجامعة مع قوات الأمن، حتى تشكلت في جامعة الإسكندرية وبعض الجامعات الأخرى ما سمّيت بـ “فرق الردع”.

أذكر أني في أحد التحضيرات لصلاة العيد في الخلاء، ذات شتاءٍ مطير، كنت أحمل الفرش المشمع تمهيدًا لفرشه بعد صلاة الفجر كأرضية بين الأسفلت وبين الفرش الظاهر وقايةً للمصلين من الرطوبة أو البلل. كان الفرش كبيرًا جدًا لدرجة عدم استطاعتي الإلمام بأطرافه المثنية رغم هشاشة وزنه، فأصابني من الطين والأوساخ ما كنا قد اعتدنا عليه في التحضير لصلوات العيد، حتى كان من يأتي صباحًا بجلباب ناصع البياض يتوارى خجلًا من إخوانه الذين قضوا ليلتهم بملابس رياضية وأكثر عملية، فنالهم من الإرهاق والاتساخ ما نالهم محتسبين عند الله أجرهم.

لا يمكنني أن أنسى تلك اللحظة التي تحملت فيها البرد والإنفلونزا ملقيًا بالفرش المشمع فوق ظهري المنكفئ متمتمًا بكلمات أحتسب فيها أجر مائة شهيد. وهو الأجر الذي كان الإخوان يعدوننا به مستشهدين بحديث ضعيف منسوب إلى النبي، صل الله عليه وسلم، يقول فيه: “من أحيا سنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد”.

استبطنّا “فساد الأمة” كمسلّمة بدهية، واختزلنا إحياء السنة في أضيق معانيها بإحياء سنة إقامة صلاة العيد في الخلاء، التي كان الإخوان فعلًا هم من أحيوا هذه السنة في السبعينيات من القرن الماضي، كما أحيوا سنة الاعتكاف في المساجد في العشر الأواخر من رمضان.

هكذا كانت الأحلام الإيديولوجية الكبرى، التي يعبر عنها شعار الإخوان:

“الله غايتنا.. ورسولنا زعيمنا.. وقرآننا دستورنا.. وجهادنا سبيلنا.. والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”.

وهكذا كانت وعود تحرير الأراضي المحتلة وإقامة دولة الخلافة وتحكيم الشريعة والاستشهاد في سبيل الله، تُترجم عمليًا إلى طاقة هائلة مستنفدة في أعمال سلمية، سواءً أكانت دعوية أم خيرية أم تربوية. تحول جانب كبير من الرصيد الاجتماعي ـ الديني لهذه النشاطات إلى وقود سياسي/ حزبي في الانتخابات والاقتراعات قبل الثورة وبعدها، إلا أن أحدًا لم يخطر بباله حمل السلاح على الدولة أو المجتمع، فلم يكن للجهاد في الخطاب الإيديولوجي الإخواني أي معنىً محلي داخل مصر، فليس الإخوان كالجماعة الإسلامية أو تنظيم الجهاد، اللذيْن كانا في طور المراجعات الفكرية أصلًا، وبالطبع ليسوا كجماعة التكفير والهجرة، بل هم من قادوا المواجهة الفكرية ضدها.

أتحدث عن التسعينيات ومطلع الألفية، أي بعد مرور عقدين على الجهاد العالمي الأول في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي، برعاية الولايات المتحدة الأمريكية والنظامين السعودي والمصري. بالطبع لم أعش هذه الفترة، لكن الإخوان أخبرونا عن معسكرات التدريب التي كانوا يقيمونها تحت سمع وبصر أجهزة الدولة. أحد هذه المعسكرات كان بقيادة الحاج عباس السيسي، القيادي الإخواني الأسطوري في علاقاته الاجتماعية الواسعة وحب الناس له وتغيير الصورة النمطية السيئة عن مدينة رشيد. أخبرنا الإخوان أن الحاج عباس قد فضّ المعسكر لتذمر المشاركين فيه من تأخر وصول الطعام، فوبّخهم على نعومتهم وسوء فهمهم للجهاد وعدم استعدادهم الحقيقي له.

يخبرني صديقي القاهري الذي انضم للإخوان في مصر خلال التسعينيات، أن العديد من الحوارات جمعته مع إخوانه في إدارة العمل الطلابي بجامعة القاهرة بالمرشد العام الأسبق، مصطفى مشهور. سأله أحدهم عن حمل السلاح ضد النظام بصفته عضوًا سابقًا في التنظيم السري القديم للإخوان. قال الرجل الحديدي إن أحد اغتيالات التنظيم السري كان بقتل الهدف برصاصة في المصعد الكهربي في مدخل عمارته بلا احتمالات للخطأ أو إصابة مدنيين غير مستهدفين، مستنكرًا الغشامة في عمليات تنظيميْ الجماعة الإسلامية والجهاد وبدائيتها وعدم جدواها. أراد مشهور أن يطمئن الشباب، تأكيدًا على “ركن الثقة”، بأن الإخوان إذا أرادوا العمل المسلح فلن يكون عشوائيًا وارتجاليًا بل سيكون على أعلى درجات التدريب والاحترافية، ثم قلب الطاولة سريعًا ليسألهم عن انتظامهم في صلاة الفجر، مكررًا الخطاب الإخواني التقليدي– بالنسبة لجيلي– الذي يشدد على أن المجاهد الحق هو من يجاهد البطانية في برد الشتاء ليؤدي الصلاة على أوقاتها.

ليس غريبًا عليّ، وأنا ذو تجربة طويلة مع الإخوان خصوصًا ومع غيرهم من إسلاميين دعويين وحركيين عمومًا، ألا أجد أحدًا ممن نشأ هذه النشأة أو قريبًا منها قد انضم لداعش أو مارس هواية الذبح أمام الكاميرات العالية الجودة. صحيح أن السلوك الجمعي للإخوان امتاز في السنوات العشر الأخيرة بمزيج من الكذب والانتهازية والأنانية والغباء والغرور وضيق الأفق، إلا أن أية محاولة جادة لفهم الظاهرة الداعشية اجتماعيًا وثقافيًا لا يمكنها أن تقبل بهراء وصم الإسلاميين كلهم بوصمة اجتماعية وثقافية/ إيديولوجية واحدة. فإضافةً إلى كونه جزءًا من خطاب كراهية اجتماعية مجرم؛ فإنه في الحقيقة تضليل معرفي لا يختلف كثيرًا عن ضلالات الكتابات الغربية عن اقتران الإرهاب بالإسلام السني. الفارق الوحيد هو أن التضليل في هذه الحالة يمارسه مسلمون مصريون من أهل السنة، الذين لا يستطيعون وصم أنفسهم، فيكتفون بوضع الإسلاميين كافّة في كفة واحدة تمهيدًا لحرقهم معنويًا وماديًا.

أما التساؤل حول.. لماذا يذبحوننا على أنغام صليل الصوارم؟، فهو ما أستكمل محاولة الإجابة عنه في الحلقة المقبلة.

اعلان
 
 
إسماعيل الإسكندراني