عن اتحاد كتاب مصر

اقترب التجديد النصفي لانتخابات مجلس إدارة اتحاد الكتاب، وتجددت الدعوات للانضمام لهذا الكيان وتفعيله بما يتناسب مع الروح الثورية لثورة 25 يناير، لكن فى سياق المثل القائل: “ما بني على باطل”، نتذكر بداية حكاية اتحاد كتاب مصر من مصدرين رئيسيين: الأول كتاب “مثقفون وعسكر” لصلاح عيسى، والثاني كتاب “بين كَتبة وكُتاب” لريشار جاكمون، الذي ترجمه بشير السباعي.

ونبدأ بالجانب التاريخي المؤسس لاتحاد الكتاب؛ وهو جانب يعيننا كثيرًا على فهم وضعه الآن. ولنبدأ من ضجة أثيرت حول الاتحاد الوليد؛ حيث قامت جمعية كُتاب الغد، (وهي جمعية كان من بين أبرز مؤسسيها الناقد اليساري إبراهيم فتحي، توقف نشاطها بعد اعتقال أغلب أعضائها فى يناير 1975)، بإصدار بيان يعقب على صدور قانون بإنشاء الاتحاد عنوانه “نقابة تسمى اتحاد الكتاب؟ أم إدارة بيروقراطية تابعة لوزارة الثقافة؟” متهمة إياه في بيان مطول بأنه قانون بيروقراطي لم يعن قط بحقوق الكُتّاب، ولا حرياتهم؛ حيث لم يشمل في مواده الأربع والسبعين سوى فقرة واحدة تخص الحقوق، إذ اشتمل على: “15 مادة عن شروط العضوية (المواد من 14 إلى 17)، و25 مادة عن كيفية إدارته (المواد من 18 إلى 42)، و11 مادة عن كيفية الحصول على الموارد المالية وكيفية استثمارها (المواد من 43 إلى 53)، 13مادة خاصة بتأديب أعضائه (المواد من 55 إلى67)، وثلاث مواد خاصة بحل الاتحاد (المواد من 68 إلى70)، مادة واحدة عن أهدافه (المادة 3)، وست مواد لأحكام خاصة بتطبيق القانون. مع ملاحظة عدم وجود مادة واحدة خاصة بأى حق من حقوق أعضائه”. وكان الاستثناء هو الفقرة (ز) من المادة 3 التي تحدد: “رعاية حقوق أعضاء الاتحاد والعمل على ترقية شئونهم الأدبية والمادية وضمان حرية التعبير الملتزم بالوطنية المصرية والقومية العربية والقيم الدينية والإنسانية”، وهي مادة التزمت حدًا غائمًا على الحق في التعبير، والقانون بوصفه هذا ما زال ساريًا، برغم تعديله بموجب القانون رقم 19 لسنة 1978 الّذى شمل عددًا قليلًا من المواد المختصة بالإجراءات التنظيمية وحدها.

البداية لم تكن من لحظة صدور القانون، بل كانت في مؤتمر عقد في الزقازيق للأدباء الشبان في ديسمبر عام 1969؛ حيث صاغ أكثر من مائة أديب قدموا من مختلف أرجاء البلاد المطلب الذي ظل على امتداد خمس سنوات، منذ ذلك التاريخ، أهم شعارات الحركة الثقافية المصرية: “اتحاد كتاب”.

بالطبع لم يلق هذا المطلب قبولًا من النظام الناصري، وجابه يوسف السباعي ـ أمين المجلس الأعلى للثقافة وقتها ـ المطلب بإشاعة ادعاء بأن الكتاب يملكون بالفعل منظمتهم، وهي “جمعية الأدباء”، التي تكونت من وفد الكتاب العائدين من المشاركة في مؤتمر باندونج السياسي (وهذا وحده له قصة جديرة بأن تحكى). وسرعان ما جرى دفن توصيات مؤتمر الزقازيق، إلا أنه مع نهاية 1971، وفى برنامج العمل الوطني الذي قدمه السادات جاء فيه بالنص: “لعله يكون من المناسب أن يتبنى الاتحاد الاشتراكي فكرة إنشاء اتحاد عام يضم كتاب السياسة والقانون واتحاد للفنانين بتخصصاتهم المختلفة”. يقول صلاح عيسى فى كتابه “مثقفون وعسكر” تحت عنوان: “السلاح اليميني الفاجر والأسلحة اليسارية الفاسدة”: “فإن إقرار المطلب في برنامج العمل الوطني وإحالته إلى “الاتحاد الاشتراكي” ليتبناه لم يكن يعني سوى أن يصبح اتحاد الكتاب تنويعة على نفس لحن المنظمات الجماهيرية الخاضعة للوصاية والفاقدة لأي نوع من الاستقلال”.

وبالفعل تمت صياغة القانون بالكامل في أروقة وزارة الثقافة، ووافق مجلس الشعب عليه، وصدّق عليه رئيس الجمهورية، دونما أي علم عن ذلك كلة من جماهير المثقفين، الذين فوجئوا بإعلان تنشره الصحف يفتح باب القيد في جداول الانتخاب للاتحاد، الأمر الذي أثار بيان جمعية كتاب الغد السابق ذكره ودفعه للقول في خاتمته: “في إطار المحاولات المستمرة للتغييب الكامل للكتاب والمثقفين عن الساحة الثقافية، فإن هذه الإدارة لن تكون اتحادًا للكتاب، وإنما هي رداء رث على مقاس صانعيه”.

ومن هنا بدأت معركة أخرى لفريق آخر من المثقفين (اليساريين) في مواجهة السلطة (اليمينية)، فقد تقدم 389 كاتبًا للجنة القيد، لم يقبل منهم سوى 310 فقط، واستنادًا إلى بعض المخالفات الإدارية رفع عدد من المرفوضين قضية في يناير 1976 تولاها المحامي “أحمد نبيل الهلالي” (وكان أصغر المحامين في هيئة دفاع تلك القضية عصام الإسلامبولي، محامي الاتحاد الحالي). وقد انتهت القضية والانتخابات بكل معوقاتها بفوز فريق السلطة وحزب الوزارة بالانتخابات، وتمت لهم السيطرة على الاتحاد. وتفاصيل هذه المعركة يذكرها صلاح عيسى في كتابه.

جرى تطور جديد جدد هذه المواجهة، إثر اغتيال يوسف السباعي في فبراير 1978؛ حيث انهارت شبكة المؤسسات شبه الرسمية التي كان يسيطر عليها. وفي الخارج، على أثر توقيع معاهدة “كامب ديفيد”، طردت مصر من الاتحاد العام للكتاب العرب، الذي ظل السباعي حتى مصرعه يشغل منصب أمينه العام. تولى بعده ثروت أباظة لينحاز بصورة منتظمة إلى صف الرقباء في القضايا التي تحد من حرية الكاتب في التعبير.

الاعتداء على نجيب محفوظ في 14 أكتوبر 1994، حرك موجة جديدة من المواجهات، فعلى أثر الحادث الصادم، احتشد عدد من رموز النخبة الثقافية والفنية في مصر تخطى المئتين في مسرح “البالون” يوم 20 أكتوبر، وقرروا إنشاء رابطة للمثقفين المصريين بديلة عن الاتحاد، وانتخبوا على رأسها سعد الدين وهبة، وهو نفسه الذي كان يشغل منصب نائب لأباظة رئيس الاتحاد، ليتجلى خطر صعود منظمة منافسة واسعة العضوية، بعيدًا عن سيطرة السلطة. وقد جرت بعدها محاولات مضنية من قبل السلطة لاحتواء ما رأته خطرًا، وكان واضحًا سعي سعد لاغتنام الفرصة لاسترداد نقابة الكتاب والتمهيد لإقصاء أباظة لينتخب رئيسًا في أبريل 97. ومن سوء الطالع أن سعدًا قد سقط فريسة لمرض خبيث ليقضي نحبه في نوفمبر 1997، قبل أن يتم عامه الأول على رأس الاتحاد، ومن ثم اعتلى فاروق خورشيد، نائب الرئيس، رئاسة الاتحاد رئيسًا مؤقتًا، ولأن خورشيد لم يستطع ملء كرسي سعد الدين وهبة، فقد تم إقصاؤه سريعًا في انتخابات مارس 99، لصالح الرجل الأقرب إلى وزير الثقافة، ليرجع الاتحاد إلى الحظيرة برئاسة فاروق شوشة. وفي المقابل دُفنت مساعي الاستقلال التي أبداها وهبة وخورشيد: فخلال صيف 2000 يطرد الاتحاد من صفوفه صلاح الدين محسن، الذى سوف يُحكم عليه في يناير 2001 بالسجن لمدة ثلاث سنوات لازدرائه الإسلام في كتاباته، وفي يناير 2001 ينحاز فاروق شوشة، باسم اتحاد الكتاب إلى صف وزير الثقافة في النزاع بينه وبين النخبة الأدبية، وذلك على أثر حظر ثلاث روايات نشرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وكان من شأن هذه الانتهازية أن تقضي عليه؛ ليجد نفسه مرة أخرى في صفوف الأقلية مخليًا موقعه في انتخابات مارس 2001 إلى سلفه فاروق خورشيد.

منذ ما قبل هذه الانقلابات، وجدنا أن كُتاب الطليعة المكرسة ممن راهنوا منذ 97 على إصلاح الاتحاد من الداخل وقد غلبهم اليأس وانسحبوا؛ بهاء طاهر وجمال الغيطاني وإبراهيم عبدالمجيد الذين استقالوا من مجلس الإدارة في فبراير 2000.

بحلول 2005 وفي خضم الصراع السياسي وتصاعد المعارضة ضد فاروق حسني ونظام مبارك، يتولى رئاسة الاتحاد محمد سلماوي، الذي لم يزل يشغل المنصب على مدى أكثر من تسع سنوات. يفخر سلماوي بأن ميزانية الاتحاد التي لم تتخط الثلاثة ملايين في وقت توليه المنصب، قد ارتفعت إلى 33 مليونًا هذا العام. جدير بالذكر أن الاتحاد تلقى وديعة 20 مليون جنيه من حاكم الشارقة، بلغ ريعها مليون و200 ألف، الريع الذي تم تخصيصه لمشروع علاج الأعضاء. الأمر الذي يفسر لماذا يهتم أعضاء الاتحاد بصندوق المعاشات والإعانات على هذا النحو. ويوضح لماذا يدور الصراع حول اللجنة  التي تدير المشروع وتحظى باهتمام شديد وتستأثر بجزء لا يستهان به من وقت الجمعية العمومية واهتمامات الاتحاد؟!

يفخر سلماوي أيضًا برفع حد المعاش من 77 جنيهًا (وهو المبلغ الذي كان يتلقاه نجيب محفوظ على حد تصريح سلماوي)، ليصل إلى 210 جنيهات حاليًا. لعله من المفيد بأن نشير إلى أن عدد الأعضاء المسجلين لحضور الجمعية العمومية حولى 2350 عضوًا يحضر منهم 1400 عضو الجمعية العمومية. ويملك الاتحاد سبعة فروع ومقرًا آخر في القاهرة- بجانب المقر الرئيسي بالزمالك، الذي تم تجديده فى الدورة السابقة لمجلس إدارة الاتحاد- في قلعة صلاح الدين اقترب الانتهاء من تجهيزه.

يصر اتحاد كتاب مصر على أنه نقابة، مثلما يعتقد الكثير أن مكتبة الإسكندرية مؤسسة ثقافية غير حكومية، ويفخر رئيسها أن وزارة الشؤون الاجتماعية لا تستطيع أن تدخل من بابه الأمامي، بينما يدخل الجهاز المركزي للمحاسبات من الباب الخلفي، ليقدم ملاحظاته حول الأداء المالي الذي ليس محلًا للتقدير ويخرج من الباب الخلفي أيضًا. ولكنه في الحقيقة لم يزل ينطبق عليه الوصف القديم للناقد إبراهيم فتحي بأنه “إدارة بيروقراطية تابعة لوزارة الثقافة”. الأمر الذي لا يبذل سلماوي أي جهد في إثباته، وأظهر تبعيته الفاضحة للسلطة وليس لوزارة الثقافة فحسب، حينما ذهب لتأييد المرشح الرئاسي وقتها، ولم تجد تلك الأصوات الخافتة من الأعضاء نفعًا ولم يسمع تنصلها من تمثيله للاتحاد في هذه المناسبة.

لقد تناسى الجميع أن هدف إنشاء الاتحاد هو إيجاد مؤسسة ثقافية تحمي الأديب والكاتب، وتقف إلى جواره في القضايا التي تتعلق بحرية الرأي والتعبير، وتدافع عن حقوقه المادية والمعنوية أمام الجهات المعنية في الداخل والخارج كافة، وتقوم بالفصل في الخصومات بين الأدباء ليسود التفاهم والانسجام بدلاً من هذا الصراع الذي يضر بمصالح جميع الأطراف. هذا الدور هو دور غائب تمامًا عن الاتحاد ومجلسه، فلا نكاد نسمعه يدافع بصورة حقيقية، وفي أحيان قليلة نراه يلوذ بإصدار بيانات إدانة وتضامن هشة، لا تسمن ولا تغني من جوع.

من المفارقات التي توضح هزال دفاع الاتحاد عمن أنشئ من أجلهم، أنه قد انتفض بشكل ربما غير مبرر ليصدر بيانًا في قضية سجن النظام القطري لشاعر هاجم الحكم في قطر، بينما فى قضيّتي كرم صابر وعمر حاذق وأحمد دومة ـ أعضاء الاتحاد، اكتفى ببيان مائع متخم بتعبيرات إنشائية، بينما لم يحدد مطلبًا واضحًا لحماية هؤلاء الكتاب في التعبير.

أبدى لي أحد الأصدقاء من المحامين دهشته البالغة من موقف الاتحاد من قانون التظاهر غير الدستوري؛ حيث إنها قضية تتعلق مباشرة بحرية التعبير التي يفترض أنها مركزية بالنسبة للمثقفين، وأن الاتحاد الصامت عن القضية، لا يملك ترف تجاهلها بحال، في وقت يقف فيه في المقدمة من المواجهة حول القانون الجائر عدد من الأدباء والمثقفين. مصدر دهشته كذلك أن الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية كافة تخدم القضية، وأن محمد سلماوي نفسه الذي شغل منصب المتحدث باسم “لجنة الخمسين” التي سطرت الدستور، وعدنا بإسقاط هذا القانون بعد التصويت على الدستور، ثم غاب في صمته المطبق، كانت القضية على حد القول الشعبي “بيضة مقشرة”، لكن ولأسباب ليست مجهولة، لم يتولاها الاتحاد ونكص عنها؟ ولو حتى من باب الشو الإعلامي الذي يجيدونه!

الصراع الدائر الآن لا يدور حول الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار كما صوّره صلاح عيسى فى مقالته التي ذكرتها من كتابه المهم “مثقفون وعسكر”. إن العلاقة بين المثقف والسلطة تبرز ثانية بكل ما تنطوي عليه من تعقيدات ـ وانحطاط أحيانًاـ خارج حظيرة فاروق حسني. الزمن الراهن به من الزخم الثوري ما يوجب الإفلات من هذا الأسر القديم للكُتاب في رواق مبرري الاستبداد ومداهني السلطة الاستبدادية. لا بد من منح المؤسسة المعبرة عن كُتاب مصر وجهًا يشبه وجه مصر الثورة وليس وجه السلطة القديمة العفن. لابد لقضايا الحريات أن تخرج من انتظار منحة الحاكم، ولابد من طي صفحة تلك الممارسات حين كان الكتاب والمثقفون ينتظرون حكمة مبارك لحظة يمنح قرارات عفو استعراضية عن الصحفيين والكتاب المهددين بالسجون في اللحظات الأخيرة، لينتهي الأمر بتقبيل الأيادي الكريمة على صفحات الجرائد.

أنهت الثورة هذا بلا رجعة، وخرج جيل جديد من الكتاب يرى في حرية التعبير والإبداع قضية مركزية، لا مفاوضة عليها، ويعتبرها حقًّا يناضل لاكتسابه فهي سلاحه أمام السلطة. لن يكتفي التاريخ بأن يقول لنا إن السلطة المستبدة تعي بوضوح أن المثقف عندما يمتلك حريته سيكون أخطر عليها من المواطن الكادح مهضوم الحق. بل سيضيف أن سلماوي ظل يقوم بدور مندوب السلطة في المجال الثقافي وبوقها لتبرير كبت الحرية وقمع المثقف.

اعلان
 
 
طه عبد المنعم