شرم الشيخ: إلى أين تتجه مدينة المؤتمرات؟
 
 

قبل أيام قليلة من افتتاح مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري في شرم الشيخ، قدم محافظ جنوب سيناء خالد فودة 1000 بدلة ورابطة عنق إلى سائقي عربات الأجرة والميني باص في حفل بهيج.

كانت هذه خطوة من خطوات التأنق الأخيرة التي تمر بها المدينة الساحلية على مدار الشهرين الماضيين، ومن بينها إعادة تخطيط ورصف الطرق الرئيسية، وزراعة الأشجار في الشوارع، ورسم الجداريات، وتغطية جوانب شارع السلام الرئيسي بالزهور ووضع شاشات عرض كبيرة في أرجاء المدينة.

يتابع المحافظ استعدادات أخرى، وهي إنشاء مسرح مفتوح لاستضافة العروض الموسيقية لضيوف المؤتمر، وإنشاء نافورة موسيقية ونصب تذكاري للسلام طوله 34.5 متر في ميدان السلام حديث البناء.

وتأتي موجة التحديث التي سبقت المؤتمر، بعد توقف طويل عن استضافة المؤتمرات في شرم الشيخ، فقبل الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك في 2011، غالبًا ما كانت المدينة هي الوجهة المفضلة لمؤتمرات القمة الإقليمية والدولية المقامة في مصر.

وكانت المدينة إثبات على تطور سيناء في عهد مبارك، كما كان التحكم فيها من الناحية اللوجستية ممكنًا أكثر من العاصمة المزدحمة: القاهرة.

لقد رأى البعض أن تلك الوجهة البعيدة تعكس التناقض الهائل بين النمو الذي كان يسجله الاقتصاد المصري من جهة، وعدم المساواة والبطالة والمصاعب الاقتصادية التي يجب على المواطنين تحملها من جهة أخرى.

شرم الشيخ كانت أيضًا منزلًا ثانيًا لأسرة مبارك، حيث امتلكوا ممتلكات مثيرة للجدل أدت بهم في النهاية إلى دخول السجن في تهم فساد.

وفي خلال السنوات الأربعة الماضية، كان معنى الاضطراب السياسي والركود الاقتصادي والمخاوف الأمنية التي تعاني منها البلاد، أن شرم الشيخ خارج خريطة مؤتمرات القمة، وهو ما اقترن بتراجع في السياحة، وانخفاض معدلات إشغال الفنادق بشكل حاد. 

ومع ذلك، تستضيف الحكومة هذا الشهر اجتماعين رئيسين في المدينة المطلة على البحر الأحمر.

لقد تم توجيه دعوة إلى أكثر من 60 دولة للمشاركة في المؤتمر الاقتصادي هذا الأسبوع، وفقًا للمتحدث باسم وزارة الخارجية بدر عبدالعاطي. وبعد أسبوعين، ستستضيف شرم الشيخ قمة جامعة الدول العربية لأول مرة منذ 2003.

يقدر اتحاد الغرف السياحية أن معدلات إشغال الفنادق في شرم الشيخ ستزيد عن المستوى الحالي الذي يشكل 35% لتصل إلى 80% في نهاية مارس.

وفي تصريح لبوابة الأهرام، قال عصام خضر مدير إدارة العمليات والكوارث والأزمات في محافظة جنوب سيناء، إن 11.743 سائحًا وصلوا على متن 54 رحلة جوية إلى مطار المدينة الدولي يوم الإثنين، قبل أربعة أيام من افتتاح المؤتمر.

إن الأرقام واعدة، ولكن مالكي الأعمال التجارية في شرم الشيخ يتساءلون إذا كانت هذه الزيادة مستدامة.

مهند خضر هو نائب رئيس مجلس إدارة فندق مملوك لعائلته في شرم الشيخ، والذي أفتتح لأول مرة في 1999. ومع مجاورته لمركز المؤتمرات حيث يعقد المؤتمر الاقتصادي، أجيز فندق خضر من قبل الأمن المصري كأحد الفنادق التي يمكنها استقبال حضور المؤتمر.

يقول خضر إن المؤتمرات والقمم في شرم دائمًا ما كانت جيدة للأعمال التجارية، ولكن مثل هذ الارتفاع قصير المدى في معدلات الإشغال لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كافٍ في فترة تشهد استمرار مكافحة الأعمال التجارية في المدينة لتخطي الخسائر التي تسبب فيها تراجع السياحة.

ووصف خضر ما تعرضت له أعماله التجارية في السنوات القليلة الماضية قائلًا “لقد كانت ضربة تلو الآخرى”.

لم تكن قلة السياح هي المشكلة الوحيدة، وإنما أضاف عدم وجود قيام الحكومة بتحديد الحد الأدنى لأسعار غرف الفنادق، إلى جانب اللوائح المتغيرة باستمرار، أوجاعًا إلى الأعمال التجارية غير العملاقة في المدينة.

وبينما يمثل فندقه هذا العام في أكبر مؤتمر لتجارة السياحة في العالم ITB Berlin، يقول خضر إنه يتلقى رسائل مشوشة من شركات تبحث في الاستثمار في القطاع السياحي في مصر، والسبب الأكثر ذكرًا هو المخاوف الأمنية.

وقبل أيام قليلة من افتتاح ITB، أصدر السفير الألماني لدى القاهرة بيانًا قال فيه إنه تم رفع تحذير السفر إلى جنوب سيناء، ولكن بعد أيام قليلة، وقع هجوم انتحاري على قسم للشرطة في العريش في شمال سيناء أدى إلى مقتل شخصين وإصابة 24.

وعلى الرغم من الاختلاف الجذري بين شمال وجنوب سيناء، إلا أن خضر يقول إن الأمر بالنسبة للمستثمر والسائح أشبه بـ “شرم هي سيناء”، ويضيف: “لقد كان الوضع الأمني في شرم أكثر استقرارًا على مدار السنوات الأربعة الماضية، بل وأكثر استقرارًا من القاهرة، كان الأمر لاي تعدى مرد حادث سيارة هنا أو هناك فقط”.

هذا بعيد كل البعد عن الوضع الأمني المؤلم في القاهرة، حيث أصبح إبطال مفعول القنابل أو عدم اللحاق بها في الوقت المناسب أمرًا طبيعيًا في نشرة الأخبار. وفي شمال سيناء، تستمر العمليات العسكرية ضد المسلحين، وفي المقابل تواجه المؤسسات الأمنية هجمات مكثفة.

ومع ذلك، كانت التدبيرات الأمنية قبل المؤتمر في شرم الشيخ قوية مثل مهمة التحديث. وأشار مواطنون إلى وجود عدد واسع من نقاط التفتيش والقيود على تدفق العمال لأعمال البناء غير الحكومية في المدينة على مدار الشهرين الماضيين.

خضر من جانبه أثنى على التدابير الأمنية، ولكنه قال إنه حان الوقت أن تسوّق الحكومة لشرم الشيخ بشكل صحيح.

طارق سليم، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في القاهرة، يقول إن هذا بالضبط ما تقوم به الحكومة من خلال إعادة المؤتمرات إلى المدينة.

يضيف سليم: “تبعث مصر رسالة مفادها أنه على الرغم من وجود الجماعات المتطرفة التي تخلق الاضطراب، لدينا الآن حكومة مستقرة بشكل أو بآخر”.

ويعتقد سليم إنه من خلال إقامة مؤتمر يهدف لجذب استثمارات بقيمة 35 مليار دولار، فإن مصر تأخذ خطوة هامة على صعيد العلاقات العامة، وتترجم أخيرًا ميزتها الجيوسياسية إلى مكاسب اقتصادية واستثمارية.

ولكن في قلب أمراض مصر الاقتصادية  تكمن المشاكل الهيكلية والقضايا العميقة التي لا يمكن أن يضمن المؤتمر أي علاج فوري لها.

ومع ذلك، يقول الموقع الإلكتروني للمؤتمر، إن مصريًا من كل 7 مصريين يعملون في قطاع السياحة، بالإضافة إلى أصحاب الأعمال التجارية مثل خضر، يأملون في وجود نتائج أكثر جوهرية من الشوارع المرصوفة حديثًا.

يؤمن خضر أن المسار الحالي واعد، وأن المؤتمر قد يعيد شرم الشيخ إلى خريطة الأماكن التي تستضيف الفعاليات والمؤتمرات والسياحة في العموم. مع ذلك، فإن فندقه أو القطاع بأكمله غير مؤهل لتحمل ضربة أخرى قد تسببها أقل إشارة لعدم الاستقرار.

اعلان
 
 
دينا صلاح الدين