«الحلم النووي».. أين تكمن الخطورة؟
 
 

الشهر الماضي، بعدما أعلنت روسيا عزمها مساعدة مصر في بناء محطة كهرباء نووية، انتشر وسم “فكر_في_اسم_المفاعل_النووي” على تويتر، وأصبح أحد أكثر الوسوم استخداما وقتها.

قفزت صورة هومر سمبسون، الشخصية الكارتونية لعامل بمحطة طاقة نووية في حلقات مسلسل سمسبون الأمريكي الكوميدي الشهير، إلى الذاكرة بقوة، ومعها كل صور فوضى المرور والشوارع المزدحمة والقمامة المتراكمة والأطفال الذين يفتشون فيها.

يقول حمدي حافظ، الناشط الشاب من منطقة الضبعة، التي يُعتزم إنشاء المحطة النووية بها: “لا يمكننا أن نبني شبكة صرف، لا نلتزم بإشارات المرور، فكيف ستتمكن مصر من بناء محطة نووية دون أن تحدث كارثة في البلد والمنطقة وحوض البحر المتوسط!”.

حافظ لديه أسباب محددة للشك في قدرة الحكومة المصرية على بناء محطة نووية، لكنه ليس الوحيدة. فخلف الأبواب المغلقة، اعترف مسؤول حكومي أن البلاد ليست مستعدة بأي حال من الأحوال لإطلاق برنامج نووي. ورد ذلك بإحدى الوثائق الأمريكية السرية المُسربة على موقع ويكيليكس، حيث أخبر ياسين إبراهيم، رئيس هيئة المحطات النووية، مسؤول أمريكي سنة ٢٠٠٩ أن مصر تعاني من نقص الكوادر البشرية المدربة بشكل كافي على كل المستويات وبكل القطاعات المتعلقة بالبرنامج النووي.

ويضيف إبراهيم أن نظام التعليم العالي غير قادر على سد تلك الفجوة في المستقبل القريب.

ولدى البرنامج النووي المصري القائم ماضي إشكالي، فالحكومة تدير مفاعلين نوويين بحثيين في أنشاص، شمال شرق القاهرة. أحدثهما بُني بالتعاون مع الحكومة الأرجنتينية سنة ١٩٩٧ ويعمل بطاقة ٢٢ ميجاوات، والآخر بناه الاتحاد السوفيتي سنة ١٩٦١ ويعمل بطاقة ٢ ميجاوات.

سنة ٢٠١٠، استقال صلاح المرشدي مدير مفاعل أنشاص الأول وعادل عليان مدير الصيانة، وفي استقالة الأول، التي نشرتها صحيفة المصري اليوم وقتها، أشارا إلى “الأوضاع المتدهورة” التي عليها المفاعل الأول ووجود “منظومة فساد” في المفاعل الأرجنتيني الثاني. وفي العام التالي لاستقالتهما، شهد مفاعل أنشاص الأول حادثتي تسريب لمياه المفاعل داخل غرفة الطلمبات تم احتوائهما غير أن الآراء تضاربت حول إذا كان التسريب مُشع أم لا. وفقا للمصري اليوم، أكد الرئيس المستقيل لقسم المفاعلات النووية بهيئة الطاقة الذرية أن التسريب كان مُشعا، وأنه تم تفادي كارثة بيئية بصعوبة، بينما أكد مسؤولون آخرون أن التسريب لم يكن مشعا، دون أن ينفوا حدوث التسريب من الأصل.

سنة ٢٠١٢، تعرض موقع محطة الطاقة النووية المُعتزم إنشاؤها في الضبعة لسرقة مصادر مُشعة من خزانة بالموقع أثناء مظاهرة احتجاجا على إنشاء المحطة النووية بهذا الموقع، غير أن حسن يونس وزير الكهرباء وقتها أكد أن المواد المسروقة منخفضة الإشعاع ولا تُشكل خطورة على البيئة. وبعدها فترة وجيزة نشب حريق خارج مفاعل أنشاص وتم احتواءه قبل أن يمتد إلى المفاعل نفسه. وخلفتا الحادثتان وراءهما تساؤلات عن إجراءات الأمان والصيانة بالمفاعلات النووية. خاصة مع ادعاء عدد من المسؤولين الحكوميين أن محطات الكهرباء التقليدية كانت هدفا لعدد من عمليات التخريب بواسطة إرهابيين وأنصار الرئيس المعزول محمد مرسي، كما أرجعوا انقطاعات الكهرباء المتكررة إلى تكرار هذه الهجمات.

ورغم كل ما سبق، فإن أنصار “الحلم النووي المصري” يُنحّون هذه المخاوف جانبا، فيقول منير مجاهد، نائب رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق والمستشار الفني الآن للهيئة: “أنا واثق أن مصر لديها القدرة والإرادة لتوفير فنيين مُدربين مع بدء تشغيل المحطة”.

لدى مجاهد ثقة في مستوى أمان محطات الطاقة النووية المستقبلية في مصر، كما استبعد المخاوف من أن يؤدي إنشاء محطة نووية على ساحل البحر المتوسط إلى إحباط محاولات تنمية المنطقة سياحيا.

وكان هشام زعزوع، وزير السياحة السابق، قد وضع الضبعة، بين مدينتي العلمين ومرسى مطروح، ضمن قائمة المناطق التي تشكل أولوية لتطويرها سياحيا. يقول مجاهد في هذا الشأن: “لا أظن أن السائحين الذين نستهدفهم سيخيفهم وجود محطة نووية”، ويضيف أن الكثير من الأمريكيين والأوروبيين يعيشون بالقرب من مفاعلات نووية في بلادهم. ويرى أن الموقع قد يصبح جاذبا للسياح بسبب وجود المفاعل، “سيذهب الناس لمركز المعلومات، يشترون نماذجا للمفاعل، ثم يعودون للسباحة في البحر غير بعيد عن المحطة”.

ويضيف مجاهد: ” الطاقة النووية أرخص وأنظف وأكثر أمانا من الفحم”.

تقديرات مختلفة لتكلفة المشروع النووي

يرى مجاهد أن بناء محطة طاقة نووية لإنتاج كهرباء بقدرة ١٠٠٠ ميجاوات ستتكلف نحو ٥ مليارات دولار، بينما سيتكلف إنشاء محطة غاز طبيعي نتتج نفس القدرة الكهربية خُمس التكلفة المطلوبة للمحطة النووية، إلا أنها ستتطلب إمدادا مستمرا بالغاز الطبيعي. ويجادل مجاهد وآخرون ممن يدعمون مشروع المحطة النووية أن تكلفة استهلاك الغاز الطبيعي مع الوقت ستعادل التكاليف المبدئية للمحطة النووية، وهو النقاش المستمر بين الاقتصاديين. وبالإضافة للعنصر الاقتصادي، فإنه مع اتجاه الحكومة المصرية لإنشاء محطات توليد كهرباء تعمل بالفحم، تكتسب الميزة المنسوبة إلى المحطات النووية بأنها “أنظف” وزنا إضافيا.

يقول مجاهد: “إن كيوجراما واحدا من (اليورانيوم ٢٣٥) يولد حرارة تساوي حرق ٢٤٠٠ طن من الفحم”، ويضيف أننا سنحتاج نحو ٣٠ طنا من الوقود للمحطة النووية كل ثلاثة سنوات.

في نوفمبر ٢٠١٣، استخدمت مجموعة من علماء المناخ حُجة مشابهة، عندما قالوا أنه مع تزايد انبعاثات الكربون سيصبح الاستمرار في معارضة الطاقة النووية أمرا مهددا لقدرة البشرية على تجاوز أخطار التغير المناخي.

بينما أكد علماء آخرون أن الانخفاض الكبير في تكلفة مصادر الطاقة البديلة كالرياح والطاقة الشمسية وزيادة كفاءتها يجعل من اللجوء للطاقة النووية قرارا خاطئا اقتصاديا، خاصة مع التكلفة الأولية المرتفعة لإنشاء المحطات النووية والسنوات المطلوبة قبل تشغيلها.

وتُعد مصر، بسطوعها الشمسي على مدار العام وسرعة الرياح العالية بطول ساحل البحر الأحمر، واحدة من أكثر الدول الواعدة في العالم في استخدام الطاقة البديلة لتوليد الكهرباء، رغم أن هذا القطاع لايزال متخلفا.

وتشكل كُلفة التخلص من الوقود المستنفد والذي من الممكن أن يستمر خطره الإشعاعي لآلاف السنين، تكلفة إضافية بجانب العبء الاقتصادي والبيئي. وهي المشكلة التي لم يتمكن أي أحد في العالم من حلها حتى الآن، وليس واضحا كيف ستتعامل مصر مع الوقود المستنفد. ويقترح مجاهد في هذا الصدد أن يتم تخزين النفايات لمدة ١٠٠ عام، وهو الإجراء الصناعي المتبع، أو أن توافق روسيا على نقل النفايات إليها مثلما تفعل مع إيران، وبالتالي يتم تأجيل المشكلة إلى مكان وزمان آخرين.

ورغم المشكلات المتوقعة، إلا أن الحكومة المصرية تظهر عزما على الاستمرار في مشروعها، وتبدو الأسباب معنوية بنفس درجة أهمية الأسباب البراجماتية. يرى مجاهد أنه “من المهم أن نُظهر أن المصريين لديهم القدرة على الإنجاز”. وردد مقولة تُنسب إلى جمال عبد الناصر في الخمسينات تقول “لقد غبنا عن العصر البخاري وعصر الكهرباء، لكننا نعتزم ألا نسمح لأنفسنا تحت أي ظروف أن نتخلف عن عصر الذرة”.

من المؤكد أن مصر قد تخلفت كثيرا مع مفاعلها النووي في أنشاص، إلا أن الحلم كان يتجدد مع كل رئيس جمهورية، السادات ومبارك ومنصور والآن السيسي. يرى مجاهد أن برنامج الطاقة النووية يمكنه أن يلعب نفس الدور الذي لعبه السد العالي، مقارنا بين مشروع بناء محطة الطاقة النووية في الضبعة والسد العالي، الذي بُني بمساعدة السوفيت خلال الستينات، فكلاهما وفرا الكهرباء للبلد، وأصبحا دليلا على الاستقلال والتقدم والقوة.

إشكاليات موقع بناء المحطة النووية

تشترك خطة بناء مفاعل الضبعة مع سد أسوان في أمر آخر وهو تهجير مجموعة مهمشة من السكان في سبيل بناء مشروع يهدف لدفع الدولة بأكملها إلى الأمام.

هُجر عشرات الآلاف من أبناء النوبة من أراضيهم للبدء في بناء السد. وفي الضبعة، يتطلب الأمر إعادة توطين آلاف البدو الذين اعتادوا استغلال تلك الأراضي في الرعي وزراعة الزيتون وغيرها من المشروعات الزراعية الصغيرة، بالإضافة إلى استغلال الساحل في صيد الأسماك.

تعتمد المحطات النووية على المياه في تبريد المفاعلات وتوليد البخار لتحريك التوربينات. ولذلك في عام ١٩٨٠ عندما اختيرت تلك البقعة كموقع محتمل لبناء مفاعل نووي، خصصت الحكومة ١٧ كيلومتراً من ساحل البحر لخدمة المشروع.

وفي عام ٢٠٠٣، أخليت المنطقة بالقوة على حد قول حافظ، أحد سكانها. في ذلك الوقت، عرضت الدولة على السكان خمسة جنيهات مصرية مقابل كل شجرة وعشرين ألف جنيه مصري مقابل كل منزل، وهي أسعار أقل بكثير من القيمة السوقية.

وأضاف حافظ “تُركنا مشردين بلا منازل ولا وظائف نتيجة لتلك الأفعال”.

وأثناء الأوضاع المتقلبة التي تبعت ثورة ٢٥ يناير في ٢٠١١، عاد السكان إلى موقع البناء بتصريح من القوات المسلحة لاستغلال المنطقة في الزراعة والصيد، على حد قول النشطاء.

ووصفت الناشطة والباحثة هالة مخلوف حال المنطقة وقتها بـ”الأرض القفر”، والوضع بـ”الكارثي”، في إطار عملها كعضو في لجنة تقصي الحقائق المبعوثة إلى أراضي الضبعة.

وأضافت: “أُهملت المنطقة تماماً، وماتت آلاف الأشجار بسبب سوء الرعاية، في حين اقتصرت عملية البناء على سور طويل وبعض المباني الإدارية”.

وفي يناير ٢٠١٢، تصاعد الموقف، وبعد اشتباكات مع الشرطة، طُرد مواطني الضبعة مرة أخرى. ومنذ ذلك الحين، دخل السكان في سلسلة من المفاوضات مع السلطات من أجل الحصول على تعويضات مادية وبدء إعادة توطينهم.

وفي رأي مخلوف، أحد أسباب قبول السكان للشروط التي طرحها الجيش منذ ٢٠١٣ تعود إلى الخوف من التعرض لحملة مشابهة لما حدث أثناء فض اعتصام ميدان رابعة العدوية بالقاهرة، وما حدث مع قبائل سيناء “الذين يتم التعامل معهم بشكل عدواني” في إطار الحملة الأمنية الجارية بشبه جزيرة سيناء.

وقال حافظ إن سكان الضبعة في محادثات مع المخابرات الحربية حالياً. ويطالب السكان بحقوق الصيد والزراعة في المنطقة العازلة المحيطة بالمنشأة، كما يطالبون بإعادة توطينهم في منازل مشابهة لما اعتادوا العيش فيه.

وعرض الجيش على السكان حقوق استغلال حوالي ٢٠٠٠ فدان ومليار جنيه مصري لإنشاء مشروع إسكاني لتوطينهم، كما وافق على ضمان فرص عمل لهم في المحطة النووية.

ومن المقرر أن يبدأ إنشاء البنية التحتية الأساسية للمفاعل في الشهر المقبل، ولكن حتى اللحظة لم يحصل السكان على أيًّ من التعويضات التي وُعدوا بها بحسب قول حافظ.

وأكد حافظ أن أفراد مجموعته هم مواطنون مخلصون على استعداد للتضحية من أجل الوطن، ولكنهم يصرون على التزام الدولة بتنفيذ أي مشروعات تنموية في إطار آمن وعادل، وأضاف “نرغب في الاطمئنان على سلامتنا ودخلنا والبيئة من حولنا ومستقبل أطفالنا”.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن