وأنا مرعوب

في اللحظة التي يحمل فيها الواحد منا طفله للمرة الأولى، يتغير شيء ما فيه، أو بالأحرى تتغير أشياء كثيرة، نظرته للعالم، علاقته بالوطن، أحلامه المستقبلية، كلها أشياء تتغير، فضلًا عن مساحة الخوف التي تتمدد في روحه.

 حين كان كل منا مسئولًا فقط عن نفسه، كنا أكثر شجاعة.. حين كان كل منا مسئولًا فقط عن نفسه، كنا أكثر تهورًا.. يمكنك استخدام الصياغة الأكثر تعبيرًا عنك، أنا شخصيًا لا أعرف أيهما تعبر عني أكثر، لكني أعرف أني حين كنت مسئولًا عن نفسي فقط، كنت أقدم على أفعال كثيرة دون تفكير في العواقب، وهو ما تغير قليلًا حين تزوجت، وتغير كثيرًا حين أصبحتُ أبًا.

كم مرة قمت من نومي وذهبت إلى سريرها، وهي قطعة لحم حمراء، ووضعت أصبعي أمام أنفها الدقيق لأتأكد أنها تتنفس، كم مرة قمت من نومي خوفًا من أن أنام فوقها حين كانت تنام بجواري أنا وأمها في الفراش، كم مرة حملتها وجريت بها في رعب تجاه المستشفى القريب من منزلنا، كم مرة احتضنتها وهدأت روعها وهي تبكي خوفًا من كلب في الشارع، كم مرة كان القلق يعتصرني وأنا أضع قطعة من الثلج على رأسها بعد اصطدامها في شيء ما، كم مرة قمت من مكاني مذعورًا بعد أن غابت عن عيوني لدقائق ونحن في النادي، كم مرة اغتممت وأنا أفكر في كل الأشخاص والأشياء السيئين الذين ستقابلهم وهي تكبر، كم مرة ابتسمت لها، رغم الكثير من المشكلات التي أواجهها، حتى لا أنغص عليها سعادتها الطفولية البريئة؟.. كم مرة؟!.. كل هذه المرات لا تساوي شيئًا أمام أب أو أم يأتيهما خبر وفاة ابنهما.

الخوف لن يتوقف.. ستكبر ابنتي، حين ستكون سنها 9 سنوات ستكون في عمر أحمد، مات أحمد صعقًا بالكهرباء أمام مدرسته التجريبية للغات في كرداسة، أغلقت المدرسة أبوابها حين مات دون أن تنقله للمستشفى، نقله طلبة الثانوي.

ستكبر ابنتي، حين ستكون سنها 11 سنة ستكون في عمر إسلام، مات إسلام بعدما ضربه المدرس في مدرسة شهداء بورسعيد في السيدة زينب.

ستكبر ابنتي، في كل مرة ستذهب مع مدرستها في رحلة، ستكون معرضة لمصير الأطفال السبعة الذين ماتوا بعدما صدم قطار الأتوبيس الذي يقلّهم.

ستكبر ابنتي، حين تدخل الجامعة، ستكون معرضة لمصير يارا طارق، طالبة السنة الأولى في كلية الهندسة بالجامعة الألمانية، والتي ماتت بعدما صدمها أتوبيس الجامعة داخل أسوار جامعتها، وهو نفسه مصير جهاد عماد الدين، طالبة السنة الأولى في كلية رياض أطفال بجامعة المنصورة، والتي ماتت بعدما دهستها سيارة أستاذة في الكلية وهي داخل أسوار جامعتها أيضًا.. الموت واحد في جامعة المنصورة وفي الـGUC.

* * *

حين استقل سيد ميكروباص “الساعة- المنشية” لم يكن يعرف أنها ستكون المرة الأخيرة التي يجلس فيها بجوار الشباك.. حين مات سيد جراء انفجار قنبلة أصبح رقمًا نتداوله في بساطة، لكن ابنه الرضيع سيكبر يومًا وقد اكتسب الكثير من الحقد الذي سيواجه به العالم، سيواجه به من قتلوا أباه، ومن قصّروا في حماية أبيه فقتلوه.

لن يعرف الطفل الصغير أن أباه ـ مثلنا جميعًا ـ كان يشتاق للعودة إلى المنزل كي يحتضنه ويرفعه في الهواء وهو يرى ويسمع ضحكته البريئة، لن يعرف الطفل الصغير أن أباه ـ مثلنا جميعًا ـ كان يكد في عمله كي يضمن له مستقبلًا أفضل، لن يعرف الطفل الصغير أن أباه ـ مثلنا جميعًا ـ كان يخشى الموت، لا خوفًا على نفسه، ولكن خوفًا من أن يواجه ابنه قبح العالم وقسوته بمفرده، دون أن يكون معه ليحاول حمايته.

مات سيد.. وأصبح الطفل معرضًا للمصير الذي يهدد كل أبنائنا، مع فارق وحيد.. لم يعد أبوه موجودًا ليحمل همّه أو يخشى عليه.

* * *

“النهاردة الضُهر.. راكب القطر مع مراتي وبنتي.. التكييف ف العربية اللى إحنا فيها بايظ، أعصابي فضلت مشدودة ومتضايق ومتكهرب وأنا باتكلّم مع الكمسارية، تفكيري مُنصبّ على خوفي من تعرض “بنتي” لاحتمال عدوى ما، أو مجرد الفرهدة من الحر الخانق، تخيلي لمرضها المحتمل أو تألمها الوقتي كان فاشخني بدرجة تمنعني من التركيز فى أي شيء آخر.. واحد قاعد ع الكرسي اللي قدامي شم ريحة فرامل القطر فقال بصوت عالٍ: “فى ريحة شياط”.. طمنته وأنا باضحك إن دي ريحة الفرامل اللي اتعودنا عليها.. وقلتله: “ما تقلقش.. الغلابة بس اللي قٌطُراتهم بتولع”.. وابتسمنا جميعًا بسخرية..
لما التكييف اشتغل بعد شوية وارتحت لما اتطمنت على بنتي لقيت حد جوايا بيهمس “ده الضنا غالي فعلاً”..

ممكن أفكرك إن النهارده في أكتر من 50 “غالي” مش هيناموا ف سرايرهم الفقيرة.. وإن في آباء وأمهات كانوا بيخافوا عليهم من الهوا الطاير.. وقلوبهم ربنا وحده اللي داري بيها.

ماتسألنيش عن حاجة.. أنا مش باتكلم ف سياسة ولا أي حاجة تانية.. أنا أب مش عارف يتلّم على تفكير محدد وهو بيحُط نفسه مكان ناس شالت “غاليينها” النهاردة في أكفان بعد ما لبستهم مرايل المدرسة بدقايق.

ربنا يرحم اللى ارتاحوا.. ويريح اللي اندبحوا.. ويسترها على عيال الناس.. وخصوصاً عيال الفقرا.. وعلينا”.

هذا الكلام موجود على الفيسبوك بتاريخ 17 نوفمبر 2012، كتبته يوم حادث أتوبيس المعهد الديني الذي صدمه القطار في أسيوط.

* * *

في هذه الأوقات، يبدو الكلام في السياسة مبتذلًا، لا يهمني كثيرًا أن يعترف مسئول في الدولة بمسئوليته أو لا، لن يعيد هذا ابني، ولا يهمني كثيرًا أن يعاقَب شخص ما أو لا، لن يعيد هذا ابني.

ربما ـ بدافع الأبوة التي تجعل كل أطفال الدنيا أبنائي وأبناء كل الآباء ـ سأهتم أن يختفي السبب الذي ضاع ابني بسببه، وأن ينتهي الإهمال الذي قتله.. لكن في دولة اللا حساب، اللا أمن، اللا إنسانية، أعرف ـ كما يعرف باقي الآباءـ أن الخطر محدق، وأن أسباب الوفاة أكثر من أن أحاول إبعادها عن من أحب.

المدرسون يَقتُلون، والأطباء يَقتُلون، والضباط يَقتُلون، والسائقون يَقتُلون، والقضاة يَقتُلون، والوزراء يَقتُلون، والمحافظون يَقتُلون، والساسة يَقتُلون، والبلطجية يَقتُلون، والإرهابيون يَقتُلون.. ونحن نعيش بين كل هؤلاء.

في هذا البلد، وفي كل يوم، تزداد فرص تحوّل الواحد منا لقاتل.. لو راح ابني ضحية شخص ما أعتقد أني سأقتل هذا الشخص، بتلك البساطة وبهذا الوضوح..
يمكنك أن تحدثني عن القضاء والقدر، وعن الصبر والاحتساب، وعن القانون والعدل.. لكن كل هذا لا أعتقد أنه سيكون ذا جدوى.

* * *

هذا الأسبوع رسم الفنان وليد طاهر كاريكاتيرًا مُلخِصًا في جريدة “الشروق”، نشره الصديق أحمد خير الدين عبر حسابه على الفيسبوك، يقول الابن لأبيه: “بابا.. أنا خايف”.. فيرد الأب، المبتسم: “وأنا مرعوب يا حبيبي”.

حسنًا.. أنا مرعوب.

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن