هل تدفع مهنية الإعلام ثمن «الحرب على الإرهاب»؟

بين أمنية أحمد موسى التي صرح بها في حلقة برنامجه قبل ٣ أيام «أنا نفسي الطيارات المصرية وهي راجعة من ليبيا تروح تدك أم حماس» وعنوان ملف خاص نشرته جريدة الوطن في عدد أمس الأربعاء وصف البرادعي وأبو الفتوح و«الاشتراكيين الثوريين» بأنهم «داعشيون من الباطن» امتدت التغطية الإعلامية لوقائع إعدام ٢١ قبطيا في ليبيا على يد الدولة الإسلامية وما تلاه من تحركات عسكرية وسياسية.

وسادت نبرة تصعيدية خلال أيام الأسبوع الماضي تجاه أطراف عديدة، فبينما طالب أحمد موسى في برنامجه «على مسؤوليتي» بقصف حركة حماس في قطاع غزة، اتهم الممثل محمد صبحي، في مداخلة هاتفية في برنامج القاهرة اليوم الذي يقدمه عمرو أديب، الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وقطر وتركيا بالوقوف وراء المشهد الحالي في المنطقة وتمويل الدولة الإسلامية والتنظيمات المتشددة. وبنفس اللهجة الحاسمة، أكد المعلق الرياضي أحمد شوبير في برنامجه أن فيديو إعدام الرهائن الأقباط في ليبيا من إنتاج شبكة قنوات الجزيرة، وهو الأمر نفسه الذي أشار إليه أديب في برنامجه معتمدا على التشابه بين لوجو قناة الحياة، الذي ظهر في فيديو الإعدام، ولوجو الجزيرة. واستغرق أديب في رصد ما اعتبره أدلة على ضلوع الولايات المتحدة في المشهد، بداية من ارتداء الرهائن زي موحد يشبه زي سجناء جوانتنامو، وصولا إلى ارتداء أحد الأفراد من تنظيم الدولة الإسلامية ساعة يد باهظة الثمن.

امتدت التحليلات الإعلامية ولم تقف عند حد اتهام قطر وتركيا وأمريكا وإسرائيل بالوقوف خلف المشهد الحالي، بل ضمت أطرافا داخلية مثلما جاء في ملف الوطن المنشور في عدد أمس الأربعاء، حيث وصفت الجريدة محمد البرادعي، نائب رئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور، بأنه «عاد من غيبوبة العالم الافتراضي ليواجه تنظيم داعش الدموي بالعقلانية» وذلك تعليقا على تغريدة البرادعي على حسابه بموقع تويتر والتي جاء فيها «تعجز الكلمات عن وصف مأساة المنطقة. تصدي أمني علي المدي القصير. معالجة عقلانية وقيمية تنتشلنا من القاع هي الحل الوحيد. رحم الله كل روح بريئة». كما وصفت الجريدة عبد المنعم أبو الفتوح، رئيس حزب مصر القوية والمرشح الرئاسي السابق، بأنه «وجه الإخوان القبيح» الذي «يخلع قناع الخداع ويطالب بالشفافية في ضرب داعش»، رغم أن أبو الفتوح لم يصدر عنه أي تعليق عقب الغارة الجوية التي شنتها القوات الجوية المصرية على معاقل داعش في مدينة درنة الليبية مكتفيا ببيان الإدانة الذي نشره عقب الإعلان عن قتل المصريين في ليبيا. غير أن «الوطن» أشارت إلى تصريحات أحمد إمام، المتحدث الرسمي باسم «مصر القوية»، التي جاء فيها «نحن مع القصاص للمصريين ممن قتلوهم، لكن لدينا بعض التساؤلات حول مصير المصريين الموجودين في ليبيا، ورد الفعل تجاههم، وهل كانت الفترة منذ إذاعة الفيديو وبدء الضربات كافية لاتخاذ مثل هذه القرارات. نحتاج إلى الشفافية من جانب القيادة العسكرية والسياسية القائمة». كما انتقدت الجريدة البيانات الصادرة عن حركة الاشتراكيين الثوريين التي أدانت الهجمات العسكرية المصرية على ليبيا، ووصفتها بأنها ستزيد الوضع سوءا وخطورة وأنها تأتي كخطوة من النظام للتودد لدول الخليج، وحملت «الاشتراكيين الثوريين» النظام مسؤولية اضطرار المصريين إلى السفر لليبيا بسبب مشكلات الفقر والبطالة.

يُعلق ياسر عبد العزيز، الكاتب الصحفي والمُدرب الإعلامي، على الأداء العام للإعلام المصري خلال الأسبوع الأخير قائلا: «مصر تتعرض لحادث إرهابي خطير تعجز أي منظومة إعلامية مهما كانت متنزنة ومنضبطة أن تتعاطي معه بشكل منضبط ومهني»، ويضيف «التحديات التي يتعرض لها الأمن القومي تنعكس بالضرورة على حرية التعبير وعلى مهنية الأداء الإعلامي، وهذه علاقة عكسية يمكن رؤيتها وإثباتها في مواقع عديدة من العالم وليس هنا فقط».

ويقارب عبد العزيز بين الأداء الإعلامي المحلي في مصر وأداء الإعلام الأمريكي بعد أحداث ١١ سبتمبر والإعلام الفرنسي عقب الهجوم علي مجلة تشارلي إيبدو قائلا: «إذا ما قمت بمراجعة التغطية الإعلامية خلال هاتين الواقعتين لتخيلت أنك في إحدى دول العالم الثالث التي تفتقر إلى أي من المعايير المهنية في العمل الصحفي».

يستدرك عبد العزيز قائلا: «لكن لا يمكن إنكار أن هناك تراجعا في المستوى المهني العام للإعلام المصري، وهو تراجع يتماشي مع التراجع العام في العمل الوطني العام، وسببه بالطبع هو العقود الأربعة الأخيرة التي عشناها». غير أنه يضيف «لكن لا يجب أن ننجرف إلى جلد الذات، فما نتعرض له قادر على إرباك أي منظومة إعلامية»، ويضيف أنه على الغرب أن يضرب لنا أولا مثالا في التغطية المتوازنة والقدرة على ضبط الأداء الإعلامي تحت خطر الإرهاب لكي نتبعه نحن ونتعلم منه.

وتصف رشا عبد الله، أستاذة الإعلام بالجامعة الأمريكية، المشهد الإعلامي مؤخرا بأنه يشهد حالة من «التناغم الإعلامي مع السلطة»، وتشير «الإعلام يسير على نغمة موحدة في معظمه، فنرى تكرار لنفس الكلمات والألفاظ والأوصاف وفي بعض الأوقات التفصيلات الدقيقة أيضا.

وتضيف «من الممكن فهم الدعاوى للتوحد خلف القوات المسلحة بما أنها في حالة حرب الآن، لكن لا يجب أن يعني ذلك أن يتوقف الناس عن التفكير بعقلية نقدية فيما يدور حولهم».

وتطرح عبد الله أن المشكلة الحقيقية في المشهد الإعلامي الحالي، أنه تعبوي أكثر منه نقدي، فهو يدعو المصريين إلى التخلي عن التفكير في الموقف أو طرح أي تساؤلات حول طريقة إدارة المواجهة الحالية، على حد قولها.

وتضيف «مثلا، لا توجد أي معلومات واضحة عن قيام القوات الجوية المصرية بإصابة مدنيين خلال ضرباتها من عدمه، ولا توجد لدينا أي طريقة للتأكد من ذلك، وأي تساؤلات حول ذلك الموضوع تواجه باتهامات العمالة والخيانة ويتم إسكاتها، بما يضع خطا أحمر على أي محاولة للتعامل النقدي مع ما يحدث من جانب، فضلا عن التعتيم وغياب المعلومات».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد صرح أكثر من مرة خلال لقاءاته الإعلامية وخطاباته عن أهمية الدور الإعلامي الوطني، وهي ما تراه عبد الله مفهوما غير واردا ضمن مهام الإعلام قائلة: «لا يوجد في الإعلام ما يسمى بالدور الوطني، الإعلام يُفترض أن يقدم خدمة عامة للقارئ أو المشاهد، غير أنه أثناء الممارسة غالبا ما ينجرف الإعلام إلى الممارسات التي نراها الآن حاضرة في مصر، ويمكننا اتخاذ الإعلام الأمريكي مثالا خلال تغطيته أحداث ١١ سبتمبر التي غلب عليها الصوت الواحد».

تستدرك عبد الله «لكن ما يجعل الأمور مختلفة في البلدان التي لديها مؤسسات إعلامية حقيقية، هو أنه حتى في حالة إنجراف الإعلام وراء صوت واحد فإن ذلك يواجه بالنقد، مما يؤدي لتصحيح المسار لاحقا».

وطرحت عبد الله تغطية التليفزيون الكندي العام لحادث مقتل شرطيين في كندا، أكتوبر الماضي، برصاص مسلحين كمثال عكسي لإعلام الصوت الواحد، فقالت «عقب الحادث خرج مذيع التليفزيون الكندي وقال أنهم يتابعون الموقف ويحاولون التحقق من المعلومات التي يبثونها إلا أنهم يعتذرون بشكل مسبق إذا ورد أي خطأ في تغطيتهم، ويطالبون المشاهدين التعامل بحذر مع الموقف الحالي والمعلومات التي يتم تناقلها، مشيرين أن بعض التضارب قد يحدث وأن معلومات خاطئة قد تصلهم على لسان مسؤولين حكوميين». وترى عبد الله أن ذلك عكس ما يحدث في مصر بشكل كامل.

يتفق عبد العزيز مع بعض ما قالته عبد الله، فيشير إلى ما وصفه بالإفراط في تجييش المشاعر والشحن العاطفي بواسطة الإعلام، مضيفا أن هذا السلوك كان من الممكن أن يُقوض الروح المعنوية العامة بسبب حدة السلوك الإعلامي في تغطية كل واقعة، سواء إعدام الرهائن المصريين أو الضربات الجوية لمعاقل الدولة الإسلامية في ليبيا.

ويرى عبد العزيز أنه «على الإعلام التخفيف من الشحنات العاطفية وتجييش المشاعر والتعبئة والإفراط في إعطاء انطباع محدد يلون المزاج العام بألوان أكثر قتامة مما ينبغي، ويجب التركيز على التفاصيل والمعلومات بما يؤدي إلى التنوير وتقييم أكثر دقة وسلامة للموقف».

اعلان

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن