في “العور”.. أحزانٌ لا يصاحبها غضب
 
 

المنيا – اتشحت قرية العور في المنيا بالسواد طوال اليومين الماضيين بعد بث الفيديوالمنسوبللدولة الإسلامية في العراق، والذي يظهر ١٣ من مواطنيها ضمن ٢١ مصريًا تم إعدامهم ذبحًا على شاطئالبحرالمتوسط في ليبيا.

داخل القرية، لم تتوقف النساء اللاتي ارتدين السواد عن الانتقال بين منازل الضحايا لتقديم العزاء للأهالي كما انشغل عشرات من القساوسة، منذ نشر فيديو القتل، بزيارة بيوت الضحايا وتقديم العظات والصلوات في كنيسة العذراء وسط القرية.

الحزن الذي خيم على القرية لم يقابله القدر المتوقع من الغضب، فرد الفعل السريع من الدولة ومن السلطات الدينية على جريمة الذبح، ترك الأهالي في حالة من الرضا المغلف بالدموع.

كانت الكنيسة الأرثوذكسية قد نَعَت الضحايا، في البيان الصادر عنها عقب نشر فيديو الذبح الأحد الماضي، كما عبّرت عن ثقتها في قدرة الدولة على إدارة الأزمة واهتمام المسؤولين الذي وصفته بالواضح منذ البداية. غير أن أهالي الضحايا كانوا قد عبروا، من قبل، عن استيائهم من رد الفعل الحكومي البطىء تجاه اختطاف الضحايا منذ قرابة شهرين. ونظمت أسر الضحايا مؤتمرًا صحفيًا في القاهرة الشهر الماضي، اشتكوا فيه من أن المسؤولين في وزارة الخارجية لم يتخذوا أي إجراءات فعالة، وتركوهم دون أي معلومات عن أقاربهم المختطفين وقتها.

وبدأت الأزمة يوم ٢٩ ديسمبر الماضي، عندما تعرض ٧ أقباط للاختطاف من قبل ميليشيات إسلامية أثناء عودتهم من مدينة سرت الليبية متجهين إلى مصر، وبعد ٥ أيام تعرض ١٣ قبطيا أخرين للاختطاف من منازلهم في مدينة سرت.

وقبل ساعات من بث الفيديو يوم الأحد الماضي، التقى مسؤولون عددًا من أهالي الضحايا في القاهرة وأخبروهم بإصدار معاش استثنائي لكل أسرة يُقدر بـ٢٤٠٠ جنيه.

وجاءت أخبار الإعدام بتدريج موجع، حيث نشرت الدولة الإسلامية صورًا للضحايا وقد تم اقتيادهم في صف على شاطئ البحر وهم في ثياب الإعدام التي استخدمتها الدولة الإسلامية من قبل في سوريا، وبعد ثلاثة أيام نشرت فيديو الذبح.

وفي اليوم نفسه ألقى الرئيس عبد الفتاح السيسي كلمة قال فيها أن مصر تحتفظ بحق الرد، وفي صباح اليوم التالي تم الإعلان عن قيام القوات المسلحة المصرية بشن غارة جوية استهدفت معاقل “الدولة الإسلامية” في ليبيا، وهى الغارة التي قيل أنها حققت أهدافها بنجاح.

أعقب ذلك زيارة رئيس الوزراء إبراهيم محلب لقرية العورة لتقديم التعازي، وهى الزيارة التي وافق فيها على طلب بناء كنيسة في القرية. وقال محلب على هامش الزيارة أن أسر الضحايا يشعرون أنهم لم يموتوا عبثًا.

خلال وجودنا هناك، تحدث شخص واحد فقط من أقارب الضحايا لـ«مدى مصر» عن رد الفعل البطىء من الدولة في التعامل مع المشكلة من بدايتها، وجاء حديثه هامسًا، وأكد بعده أن أهالي القرية داعمون للحكومة.

عمرو عزت، مسؤول ملف الحريات الدينية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يري أن الكنيسة والعائلات القبطية النافذة تقف بمحاذاة النظام الحالي في موقفها السياسي، ولم تبتعد ولو بقدر طفيف عن الموقف الرسمي. ويضيف أن هذا انعكس على رد فعل المجتمع القبطي الأوسع. وأرجع ذلك الارتباط القوي بموقف الدولة إلى الخطاب العام الذي يركز على ضرورة الاتحاد في مواجهة تطرف الإسلاميين، مما يجعل الأسر القبطية مترددة في التعبير عن آراء ناقدة للدولة.

عماد ماهر، أحد أهالي الضحايا، فقد ابن عمه وابن شقيقه ونسيباه، ففي القرى الصغيرة ومع انتشار زواج الأقارب يرتبط معظم السكان مع بعضهم بصلات عائلية. ورغم حزنه، كرر ماهر امتنان الكنيسة تجاه الدولة، فقال: “السيسي انتقم لهم، وفعل ما هو أكثر من اللازم. في اللحظة التي علمنا فيها بالأخبار، انتقم لأولادنا فورا”.

ورغم أن ماهر يرى أن توفير فرص عمل لشباب القرية يحميهم من مخاطر السفر إلى ليبيا، إلا أنه يرى أن الوقت غير مناسب للوم الدولة. فيضيف: “لا نريد أن نطلب أي شيء من الدولة الآن، فهي لديها ما يكفي من الحزن والمهام الثقيلة”.

وتعيش قرية العور الصغيرة على الزراعة، حيث يتقاضى المزارع ١٥ جنيها عن يوم العمل، وفقًا لما قاله أهالي القرية، كما تمر بعض الأيام دون عمل. هذا ما يمثل الدافع الأساسي للأهالي للسفر بحثا عن عمل.

يلوم أبانوب عبد المسيح الحكومة لمنحها شقيقه هاني، الذي يبلغ من العمر ٣٠ عاما وكان ضمن الضحايا، تأشيرة سفر للذهاب إلى ليبيا منذ ٨ أشهر رغم علمها بالمخاطر.

يفسر عبد المسيح سفر شقيقه إلى ليبيا بأنه يعول ٤ أبناء، ويضيف: “كان عليه أن يلقي نفسه للموت ليمنع ما هو أسوأ”، مشيرًا إلى ندرة فرص العمل في القرية وصعوبة إعالة أسرته قبل سفره.

ولعب خطاب الكنيسة دورًا في تهدئة القرية المكروبة، فقال البابا تواضروس أثناء قداس تأبين الضحايا في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، أن رد الفعل العسكري السريع هدّأ آلام المصريين ودعم موقف الجيش كحامي للأمة.

بعيون دامعة، قال عبد المسيح متبنيا الخطاب السائد بين أهالي القرية: “إنها المرة الأولى التي يهاجم فيها السيسي دولة أجنبية، هذا سبب يجلعنا فخورين، نحن وكل المصريين”.

يحمل عبد المسيح فيديو مقتل شقيقه على هاتفه المحمول كدليل على كبرياء أخيه وقوته حتى آخر لحظة.

من جانبه يرى عزت أن الكنيسة لها نفوذ قوي لدي المسيحيين، خاصة في صعيد مصر والمناطق الريفية، ما يفسر التطابق بين الخطاب الرسمي للكنيسة ورأي الناس في القرى.

ويضيف أنه في المواقف ذات الطابع الطائفي، تمثل الكنيسة والأمن والعائلات الكبيرة، القوى النافذة التي تتعاون لاحتواء الغضب واحتمالات وقوع أي اضطرابات، خاصة أن مظاهرات الأقباط في الصعيد غالبًا ما تُواجه بعنف طائفي من العائلات المسلمة أيضًا، والتي تراها كتهديد.

واتخذت الكنيسة الأرثوذكسية خلال الفترة التي أعقبت الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين مواقف داعمة للسلطة الحالية، فخلال لقاء صحفي مع إحدى الصحف الأسبانية منذ عدة أشهر رد على سؤال بخصوص مذبحة ماسبيرو قائل البابا تواضروس أنه ليس من الحكمة إعادة فتح ذلك الملف الآن.

يقول إسحاق إبراهيم، الباحث في الحقوق والحريات الدينية، أن تاريخ الكنيسة ممتلئ بقصص القديسين الذين استشهدوا لأجل الدين، وهذه الفكرة تتردد دائما في العظات الدينية. وهي الفكرة ذاتها التي ركز عليها القساوسة خلال عظاتهم المستمرة في القرية. كما جاء على لسان أحدهم: “هذه المأساة ليست مأساة. في هذه التعزية فرح وفي هذا الضيق سلام”.

كما أثنى القسيس على قوة الضحايا، وربط بينهم وتاريخ الكنيسة من القسيسين الشهداء، وأضاف: “قوتهم تتعدي قوة قاتليهم، لم تهتز لهم شعرة. والسيد رئيس الجمهورية له كل الشكر، وهو يعلم كيف يعيد للمصريين كرامتهم”. وألقى القسيس كلمته داخل الكنيسة التي امتلأت بسكان القرية وأهالي الضحايا والعشرات من القساوسة الذس وقفوا على أبواب الكنيسة لتلقي العزاء.

وقالت عائلات الضحايا أنها وجدت عزاء في أن أحبائها قد قضوا نحبهم كشهداء لدينهم وبلدهم.

أراعوز نصيف، عمة يوسف شكري، أحد الضحايا، الذي يبلغ من العمر ٢٤ عاما، تحدثت مع «مدى مصر» من داخل المنزل الذي كان شكري يعيش فيه مع شقيقين وشقيقتين ووالدتهم قبل سفره لليبيا منذ ٨ أشهر. ويتكون المنزل من حجرتين بالطوب الأحمر دون أثاث. وسافر شكري إلى ليبيا ليتمكن من بناء منزل لنفسه ليتزوج فيه.

قالت نصيف أن الأزمة التي تمر بها البلد تحتل أولوية على الحزن الشخصي، وأضافت “نحن لسنا غاضبين على من قُتلوا، نحن غيورون على البلد، مصر مستهدفة، وهي لن تصبح أبدا مثل ليبيا وسوريا”.

اعلان
 
 
هبة عفيفي