قرار ٤٤٤

بدا للمتابع أن النضال النوبي المتراكم قد أتى أكُله وأثمرت مجهودات العديدين إلى الاعتراف الدستوري بحقوق النوبـيين بعد قرن ونيف من سنوات النضال ضد التهميش والاستبعاد الذي مر به النوبيون جراء التهجيرات المتتالية التي أفقدتهم أراضيهم وممتلكاتهم، والأدهى من ذلك أنها هددت ثقافتهم ولغتهم.

فقد اعترف الدستور المصري بحزمة من حقوق النوبيين، مثل حق التنمية للنوبة ضمن المناطق النائية التي قرروا أن تتم التنمية باستشارة سكانها في عملية اتخاذ القرار، ونص الدستور على احترام التعددية الثقافية التي تسمح للنوبيين بالاعتراف بثقافتهم الخاصة والحفاظ عليها، وجُرِم التمييز على أساس اللون والعرق.

ويعد الحق في العودة أهم ما حظى به النوبيين، وقد كان، وما زال، حق العودة إلى ضفاف بحيرة السد المطلب الأساسي للنوبيين لعقود عدة، وقد تم إقراره في دستور 2013/2014. ويقضي الحق بالسماح بعودة النوبيين إلى مواطنهم الأصلية في غضون عشر سنوات، تقام خلالها البنى التحتية اللازمة.

بصدور هذه الحقوق بدا للكثيرين، وأنا منهم، أن هناك نقلة نوعية في آداء الحكومة المصرية تجاه مواطنيها من أهل النوبة، وأن سنوات المعاناة والإفقار والاستبعاد آن لها أن تنتهي، وبدا لنا أن إقرار الحقوق في الدستور يرسخ لملامح التنوع في الجمهورية الثالثة بعد ثورة 25 يناير وموجتها اللاحقة في 30 يونيو، وبدت إشارة واضحة لوجود إرادة سياسية لإعادة ما تم استلابه من النوبيين.

ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فمع بداية تنفيذ استحقاقات الدستور وتشكيل لجنة إعداد مشروع إعمار وتنمية النوبة حتي فوجئنا باصدار القرار الجمهوري رقم 444 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 نوفمبر 2014، القاضي باعتبار أراضي 16 قرية نوبية أراضٍ حدودية عسكرية، وهذه القري تقع من امتداد قرية العلاقي شمالًا إلى أدندان جنوبًا. ويعتبر القرار الأرض، بطول 110 كيلو متر شرق بحيرة السد و25 غرب بحيرة السد، أرضًا عسكرية حدودية. وبهذا يقوض هذا القرار حق عودة النوبيين إلى موطنهم الأصلي، ويسلب 16 قرية من أصل 44 قرية إلى جانب قرى الشلال.

يشكك هذا القرار وبقوة في وجود إرادة سياسية تهدف إلى إنهاء الملف النوبي المعلق منذ عقود، ويحد القرار من صلاحيات لجنة إعمار وتنمية النوبة التي من المنوط بها رسم خطة للعودة، ولأنه ينتقص الأراضي التاريخية للنوبيين، يعتبر القرار منافٍ لمبدأ دستوري وهو حق العودة،  وعلى الرغم من فداحة أثر القرار إلا أنه ليس بجديد على الجماعة النوبية، فقد حدث أمر مشابه لنوبيي قناة السويس حين سحبت منهم أراضيهم التي حصلوا عليها تعويضًا عن أراضيهم الأصلية لأغراض عسكرية، ولم يُعَوضوا عن ما سُلب منهم إلى الآن.

يطرح القرار عدة مشاكل، منها جدلية الملف النوبي الأساسية، وهى التضحية من أجل الوطن بالأرض والممتلكات. إلى متي سيتم إجبار النوبيين على التخلي عن أراضيهم من أجل المصلحة العامة؟، من المفروض ألا تستمر هذه المأساة التي قضت أربع مرات أن يفقد النوبيون ما لهم من حطام الدنيا للمنفعة العامة. وللأسف ما يزيد من صعوبة الأمر أن النوبيين لم يعاملوا معاملة نظرائهم من المصريين. بالنسبة لمساحة الأرض التي اعتبرت أرض عسكرية، اعتبرت 5 كيلومتر مساحة حدودية في سيناء، ومن المفروض أن يُعَوَض أهل سيناء في رفح على أرضهم التي انتزعت منهم لتعتبر أرض حدودية. إلى جانب أن القرار منع النوبيين من حرية التنقل، وهو حق دستوري في الأراضي الحدودية 110 كيلومتر شرق البحيرة و25 غرب البحيرة، على عكس حرية التنقل الممنوحة لأبناء مثلث حلايب. لا يمكن للنوبي أن يتنقل في منطقة الحدود إلا إذا أثبت أنه كان موجودًا على الأرض حتى عام 1982. وقد أدى القرار إلى غضب في جموع النوبيين الذين فاجأهم القرار الذي انتقص من مكتسباتهم الدستورية، وقد اتخذوا الطريق القانوني ولجأوا إلى القضاء ساعين لإيقاف أثر هذا القرار.

يؤكد القرار أن الحكومة، وعلى رأسها رأس السلطة التنفيذية رئيس الجمهورية، تتعامل مع الملف النوبي على أنه ملف أمني ولا تكترث لأبعاد الأمن الإنساني الذي يشمل أبعادًا أكثر رحابة من الخطط الأمنية من منظور عسكري. لا يمكننا أن نعلق على هذا القرار الذي سلب حقوقًا دستورية وأفرغها من محتواها، إلا أنه يؤكد على اضطراب الإرادة السياسية في تعاملها مع الملف النوبي، فتارة تنصاع لنضال سنوات وتقر بعض الحقوق في أعلى وثيقة تشريعية في الدولة وهي الدستور، ومن جانب آخر تصدر قرار جمهوري في غياب البرلمان يتنافي مع حق دستوري.

نهايةً، عندما يقف المواطن وحقوقه في كفة وإرادة الدولة في كفة وننتصر كل مرة لإرادة الدولة، فطبيعي أن نشعر بانتقاص مواطنتنا وأننا مجرد كتلة بشرية انتُزعت من وطنها ولم، ولن، يسمح لها بالعودة، تارة لمشاريع تنموية وتارة أخرى لأغراض عسكرية . نرجو أن ننهي تاريخًا من القهر والاستبعاد وفاصلًا من تاريخ من تغُول الدولة على مواطنيها. فعندما شارك النوبيون في الثورة مثلهم مثل أي فصيل مصري، كانت لهم مطالبهم التي اتفقوا فيها مع أي مصري، ومطالب خاصة ترتبط بخصوصية تاريخية وثقافية. لهذا أؤكد أننا في أمس الحاجة إلى تأكيد شرعية التغيير ونفي ميراث الظلم والإجحاف.

اعلان
 
 
فاطمة إمام سكوري