أربعة مآخذ على فيلم إبراهيم البطوط.. “القط”
 
 

أماني علي شوقي

من عمق حارات مدينتنا العريقة يخرج القط، رجل الأفعال الذي يكافح الشر بالشر.

يسعى بطلنا (عمرو واكد في دور يلائمه في بساطته وعمق تأثيره) برفقة شقيقه غجري (عمرو فاروق في إطلالة سخيفة تحاكي صورة الأمير العربي ذي العيون المكحلة والخصلات المتجعدة) إلى الإيقاع بشبكة تتاجر في الأعضاء البشرية يتزعّمها المعلّم فتحي (صلاح الحنفي) المختل نفسيًا والمهووس بالممارسات الجنسية. يحرّك خيوط ذلك كله شخص غامض (فاروق الفيشاوي) لا يخفى عن مسمعه أو عن مرآه أمر قط.

قام إبراهيم البطوط بتأليف وإخراج فيلم “القط” (٢٠١٥)، وقد جاء الفيلم مفكّك الأوصال على الرغم من قصتّه التي تعد من أقدم حكايات عالمنا، والتي تدور حول موضوع الله والإنسان والخير والشر. إن الرجل الغامض ما هو إلا مُحرْك عرائس على ما يبدو، يمسك بين أنامله بجميع خيوط اللعبة، ويرمي بالشقيقين إلى عالم الشر والجريمة السفلي، ومن ثم يشاهد كفاحهما من أجل الخروج من هذا العالم في هدوء وسكينة.

في العام ١٩٩٩ قام داوود عبد السيد بتأليف وإخراج رائعته أرض الخوف، والذي يحكي فيه قصة صراع الإنسانية من أجل معرفة الخير من الشر. وعلى ما يبدو فإن البطوط يسعى من خلال فيلمه إلى أن يقدّم لنا ملحمة مشابهة، وإن سقط للأسف ضحية سيناريو هزيل وإخراج عاجز عن حبك عناصر القصة. وقد كانت النتيجة فيلمًا مثيرًا من الناحية البصرية – إذ يتفوق مدير التصوير طارق حفني على نفسه – يبشّر بالكثير في بداية الفيلم، ولكنه سرعان ما يصل إلى درجات من السخف والإبهام والإزعاج.

روان الشيمي

احتللنا مقاعدنا في سينما مترو بوسط البلد في أول أيام العرض التجاري لفيلم “القط”، وقد كادت القاعة الصغيرة أن تمتلئ. وبمجرد انتهاء الفيلم وظهور شريط العناوين صدر عن الجمهور زمجرة متذمرة، تصاحبها عبارات من نوعية “إيه ده؟” و”أنا مش فاهم حاجة!”.

يلعب عمرو واكد في فيلم “القط” دور فتوة الحتّة الذي يسعى للقضاء على عصابة تقوم باختطاف أطفال الشوارع من أجل سرقة أعضائهم واستعبادهم من خلال زواج القصّر، وذلك بمصاحبة رفيقه وشقيقه “غجري”. يحرّك القط سعيه إلى الانتقام لاختطاف ابنته، وكذلك رغبته في قطع دابر هذه الشرور من مجتمعنا، بعدما فشلت الحكومة في احتوائها.

يلعب فاروق الفيشاوي دور شخصية غامضة تدفع بالقط إلى ملاحقة زعيم العصابة. يكتنف الغموض هذه الشخصية، نراه في أحد المشاهد يلوح بين المعابد ودور العبادة، وفي مشهد آخر يعترف للقط باتجاره هو نفسه في الأعضاء البشرية. في رأيي أن هذه الشخصية هي أضعف ما في الفيلم، إذ كان من الممكن لها أن تطرح عمقًا فكريًا ولكنها في المقابل صارت لقمة غير سائغة تعذّر هضمها في سياق القصة.

يتمتع الفيلم بلحظات سينمائية عظيمة. إن خيار المخرج في أن يضع فيلم الإثارة والعصابات هذا على خلفية الغياب الأمني الذي أعقب الثورة لهو نهج مثير في طرح فيلم عن الثورة من دون أن يعالج الثورة نفسها. كذلك فإن اختيار البطوط لطارق حفني مديراً للتصوير (فرش وغطا، وديكور) كان خيارًا ذكيًا، إذ أن لحفني لغته السينمائية التي تجمع ما بين الشاعرية والإبهار.

إن مجهودات حفني لهى الشيء الوحيد الذي يجمع أوصال هذا الفيلم المرتبك. فقد كان من الممكن للقط أن يصبح فيلم إثارة متماسك لا يخلو من عمق فلسفي، ولكنه يفشل بكل أسف في أن يربط ما بين موضوعه وأحداثه، الأمر الذي يترك للمتفرج مهمة الربط ما بين مشاهد عدة لا صلة تجمع فيما بينها وبين السرد العام.

جينفر إفانز

إن الدقائق العشرين الأولى متماسكة بالفعل، قلت لنفسي: هذا تتابع متوتر قوي التأثير يكاد يخلو من الكلمات حول الاتجار بالأعضاء البشرية. شريران يجوبان شوارع القاهرة ليلًا ويختطفان الأطفال من الشارع. وفي “مستشفى” مرتجل يستحم الأطفال معا ويتم إخبارهم بألا يخافوا. ثمة لقطة مقرّبة ليد الجراح تلتقط مبضعًا سقط من يده المرتجفة على أرض يكسوها التراب والدماء، ثم كُلية تخرج من جسد صغير مغطّى قبل أن توضع في برّاد. يتخلل تلك المشاهد الواقعية الصادمة، والتي تمثّل الاتجّار في الأعضاء البشرية، مشاهد أخرى تتبع فيها الكاميرا عمرو واكد بين الحواري والممرات، وصولًا إلى حجرة يجلس فيها كي يصنع عبوة ناسفة.

تماشياً مع مدخل البطوط الصحافي الوجيه، نرى لقطة للوحة إعلانية تروّج لإسكان فاخر تلوح فوق حي سكني متهالك، ولقطة مقرّبة لقدمي رجل مسنّ تلفها الضمادات. تمتزج تلك التفاصيل بشكل كبير مع الأحداث. لقد تمالك البطوط زمام اللعبة منذ فيلمه “الشتا اللي فات” (٢٠١٢) والذي كان هزيلاً من ناحية الحرفة والحبكة.

بعد هذه البداية المشجّعة، سرعان ما ينجرف البطوط في ما انطوت عليه من مسرحة: نبتعد عن تجارة الأعضاء وينصب اهتمامنا على رغبة القط (أداء واكد مقنع بقدر ما هو جدير بالمشاهدة) في الثأر من زعيم العصابة فتحي، ذي الوجه اللزج المتجهم. يتزايد الشعور بالاقتناع حينما تتحوّل دفة الفيلم على نحو غامر إلى مشاهد التفجيرات والنساء شبه العاريات، وإن كنا قد اعتدنا أن نجد في أفلام الإثارة والجريمة متنفّسًا لنزوات الرجال الخيالية. وتبخرّت كل آمالي حينما انحرفت الأحداث إلى الصوفية العشوائية، ومن هذه اللحظة لم يعد ثمة معنى يذكر.

حينما بدأت امرأة لم نرها في الفيلم مسبقًا في التمايل بين شوارع وسط البلد وهي ترتدي فستانًا قصيرًا من أجل أن تخبر شخصية إلهية جديدة بما يجري، علمت حينها أنه ليس ثمة سبيل لأن أفهم مقصد الفيلم من أحداثه. وحينما وصلنا إلى تتابع الأحرف الهيروغليفية والمعبد اليهودي والكنيسة والنادي الليلي، كنت قد فقدت الأمل تمامًا وفي انتظار النهاية.

أنديل

أذكر أول مرة شاهدت فيها فيلمًا للبطوط. كان ذلك فيلمه الثاني “عين شمس” (٢٠٠٨) وكان فيلمًا ذا مغزى كبير بالنسبة لصناعة الفيلم المستقلة، إذ بلغت كُلفته ثلاثين ألف جنيهًا مصريًا. يومها منحه الكثير من شباب صانعي الأفلام المتحمسين صفة الأب الروحي للسينما البديلة. لقد كرهت الفيلم كثيرًا ولم أحتمل مشاهدته حتى النهاية، إذ لم أقتنع بالممثلين ولم يرق لي أسلوبهم في الحديث. ولما لم أكن أنا نفسي صانع أفلام فلم أتعاطف مع المغزى السياسي لهذا الفيلم في سياق الكفاح ضد صناعة السينما المتأصلة تجاريًا.

بعدما شاهدت فيلم “القط”، نهضت إحدى صديقاتي من مقعدها في دار العرض وأسرعت كي تصل إلىّ قبل أي شخص آخر، وهمست في أذني: “لا بد من أن تمزق هذا الفيلم إربًا في مقال ينشر على موقع مدى مصر”.

لقد كانت مشاعر السخط تساور الجميع. لم يكن الأمر مجرد مجموعة من الناس شاهدت فيلمًا لم يرق لها. كان ثمة شعور بالمرارة وبالإحباط وبالخيانة. لقد شعرت أن توقعاتنا فاقت الإطار السينمائي. ربما كان نجاح أفلام البطوط بالنسبة للكثير من الناس نجاحًا “لسينمتنا”، فها هو مخرج سينمائي “يشبهنا” وقد نجح أخيرًا في عمل فيلم من أجلنا. لم يكن بإمكاني أن أجد تفسيرًا آخرًا لهذا الشعور.

ما بين لقائي الأول مع أفلام البطوط ولقائي الأخير أدهشتني درجة تطور مستوى أعماله. يعتبر “القط” أفضل أفلامه من الناحية التنفيذية. لا يخلو الفيلم من المشاكل البنيوية ولكن ليس منها ما هو مريع. إنه يعدنا بفيلم من نوع معين ولا يخلف وعده، على الأقل في الثلث الأول من الفيلم. في صميم هذا الفيلم ثمة تصوير بديع واهتمام إنساني، ولكن ومع وصول الفيلم إلي حبكته تبدأ الأمور في التحول إلى الأسوأ.

إن ما يسعى “القط” إلى سبر أغواره من أبعاد رمزية، وما يستعين به بغية إضفاء معنى أكثر عمقًا على صراع الشخوص، كلها تفضي إلى تتابع الأحداث بشكل مرتبك أفسد من رزانة الموضوع. إن صراع البطل الملحمي والذي كرّس حياته للقضاء على عصابة الاتجّار بالأعضاء البشرية – وهو موضوع مثير للغاية في حد ذاته – ليصير موضوعًا سطحيًا وغير مقنع ومدعيّا بل ومضحكًا في بعض الأحيان، حينما يلعب فاروق الفيشاوي دور شخصية إلهية يرتدي حذاءً لامعًا ويمثل بأسلوب مخمور يعود إلى حقبة الثمانينيات من القرن الماضي.

إن الأفلام خدّاعة، إذ يجلس المرء في دار العرض وهو على أتم العلم بأن ما يشاهده ما هو إلا أكاذيب، وأن ما تمرّ به الشخوص من آلام ما هي إلا محض تمثيل، وأن القصة قد وُضعت بغية استثارة اهتمامه والتلاعب بمشاعره. وإنه لمن العسير على أي صانع أفلام وعلى الصعيد الشخصي أن ينخرط في كل هذا القدر من الخداع بينما يصنع فيلمًا يدور حول شأن يؤمن به بحق.

يفشل فيلم “القط” لأنه تمادى في طموحه. لطالما كان التفاؤل والأحلام الكبيرة هما أهم ما أسهم في صوغ رؤية البطوط السينمائية. ولا أحسبه بصدد التخلي عما أعانه على الوصول من فيلم ميزانيته لم تتجاوز الثلاثين ألف جنيهًا إلى مشروع ضخم كهذا. إنني سعيد بنجاحه في عمل فيلم “القط” كما أراد له أن يكون، ويثيرني فيه أنه لا يستحي من أن يكون مسلّيًا. إن الوصفة مع البطوط لا زالت قيد التطوير، شأنه شأن الكثير من صانعي الأفلام “خاصتنا”. ولا شك في أن التجربة القادمة سوف تكون جديرة بالمشاهدة.

يعرض فيلم”القط” حاليًا في دور العرض التجارية.

اعلان
 
جينفر إيفانز 
أماني علي شوقي 
روان الشيمي