قراءة فيما لم تمحُه الذاكرة المزيفة بعد من سِيَر الشهداء (الحلقة الأولى)

جريمة تبرئة مبارك والعادلي من دماء الشهداء بدأت من المستشفيات ومكاتب الصحة!​

……………………………………………………..

في صباح يوم الثامن والعشرين من يناير عام 2011، الذي لم يكن بعد قد حمل اسم (جمعة الغضب)، قرر ابن حي الفجالة محمود خالد خلف البالغ من العمر 23 عامًا، أن يتوجه مع صديقيه أيمن ومعتز، إلى ميدان التحرير للمشاركة لأول مرة في حياته، في المظاهرات التي تطالب بإسقاط نظام حسني مبارك الذي كبس على أنفاس مصر ثلاثين عاما، ويومها حين حاولت جدته السيدة زينب محمد محمود إثناءه عن قرار النزول، ذكّرها بأحوالهم المعيشية العصيبة التي أجبرته على ترك كلية التجارة قسم محاسبة، للعمل من أجل الإنفاق على أمه وأخواته البنات، كان محمود يرى أن الاشتراك في ترديد الهتافات المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، سيكون أقل واجب يمكن أن يفعله للتعبير عن سخطه على هذا النظام الفاسد، الذي يعتبره مسئولًا عن ضياع أحلامه وأحلام أسرته في حياة كريمة عادلة.

في ساعة متأخرة من مساء ذلك اليوم وجدت أسرة محمود، ابنها يرقد غارقًا في دمائه في قسم الحالات الحرجة بمستشفى الهلال، وبرغم الحزن والأسى، ظنوا أنه أسعد حظًا من صديقيه أيمن ومعتز الذين كانا يرقدان شهيدين في مشرحة المستشفى نفسه، كان محمود قد أصيب برصاصة في وجهه، أدت إلى تفجر إحدى عينيه وتهتك الأخرى، وحين سقط على الأرض نازفا في دمائه، دهسته سيارة أمن مركزي، ليصاب بكسور حادة في الحوض والعمود الفقري وشلل في القدمين، ويدخل في غيبوبة كاملة، لتبدأ معاناة طويلة خاضتها أسرته من أجل علاجه، بدأت بمحاولة نقله من الهلال إلى معهد ناصر في رحلة أليمة، تقول منة الله ابنة خاله: أن الأسرة عرفت فيها معنى إذلال المريض، وكيف تؤدي الخدمة السيئة إلى تدهور حالته وزيادة أمراضه، فقد خرج محمود من معهد ناصر وهو يعاني من قرحة فراش وارتشاح رئوي دموي وحشرات في رأسه وجسمه، برغم أن الأسرة كانت تشتري على حسابها كل شيء من الحقن المنشطة للمخ وحتى البامبرز والمطهرات والشامبو والقطن.

بعد نشر حالة محمود في بعض صفحات الفيس بوك، تدخلت سيدة الأعمال هبة السويدي لنقل محمود إلى الرعاية المركزة بقصر العيني الفرنساوي، متحملة جميع التكاليف الخاصة بعلاجه، لكن حالة محمود كانت قد تدهورت عند وضع الغيبوبة الكاملة، ليتم عمل شق حنجري له حتى يتمكن من التنفس، ومع ذلك ظلت حالته تتدهور وبدأ جسمه يتقوقع، حتى وصل إلى وضع الجنين قبل أن يتوفاه الله، لتتواصل بعدها مأساة أسرته، حيث فوجئوا بمساومات تتم من الأجهزة المسئولة، لاعتبار وفاة محمود مجرد حادث سيارة عادي، مقابل إعطاء أسرته تصريحًا بالدفن، وحين رفضت الأسرة تم الضغط عليهم بكارت تشريح الجثة، الذي ينفر منه الأهالي رغبة في إكرام موتاهم، ولم ينقذ الموقف إلا تجمهر أهله وأقاربه أمام المستشفى بصحبة عدد من شباب الثورة المتضامنين معهم، ليثبت أيمن عماد المحامي وابن خالة الشهيد في محضر بقسم السيدة زينب، أن هناك بلاغًا تم تقديمه إلى النيابة ضد وزير الداخلية في مطلع فبراير 2011، يثبت حالة محمود بالتفصيل، لينتهي الموقف بقرار من وكيل النيابة بإخراج الجثة من المستشفى لدفنها بعد 12 ساعة من المساومات.

وبرغم تلك المعاناة السخيفة، فقد كان الشهيد محمود خالد من الشهداء القلائل الذين نجح الضغط الشعبي في إثبات ملابسات تعرضهم للقتل بأوراق رسمية لا تزيف حقيقة ما جرى لهم، فقد فارق محمود الحياة في أيام كانت الثورة لا تزال قادرة على انتزاع بعض حقوق الشهداء بالضغوط الشعبية، وهو ما لم يحدث لشهداء كثيرين لم يتم إثبات ملابسات قتلهم بشكل سليم، فقد سارع أهلهم إلى دفنهم بعد قتلهم في الأيام الأولى للثورة، حين كان لا يزال حسني مبارك في الحكم، وكان طبيعيا في ظل فجيعة الفراق أن تقوم العائلات بدفن شهدائها، دون تدقيق في التقارير الطبية التي منحت لهم من المستشفيات لكي يتمكنوا من دفنهم، ودون حرص على إثبات ملابسات القتل لدى النيابة وجهات التحقيق، لأن البلاد كانت تعمها حالة من الفوضى بسبب انسحاب أجهزة الدولة وتوقفها عن أداء عملها، وحتى حين عادت أجهزة العدالة المفترضة إلى مواقع عملها بتراخٍ واضح للكافة، لم تحرص تلك الأجهزة على أداء واجبها في تحري العدالة بتدقيق ملابسات القتل، لأسباب صارت الآن معلومة للجميع، لكنها لم تكن كذلك وقتها، فقد كان يعم أهالي الشهداء اعتقاد جماعي راسخ بأن ملابسات قتل أبنائهم كانت واضحة وضوح الشمس لملايين المصريين، وأن أجهزة العدالة التي كانوا يظنونها شامخة، لن تحتاج إلى كثير من الاجتهاد لإدانة حسني مبارك وحبيب العادلي وكبار قيادات وزارة الداخلية بقتل مئات المتظاهرين في شوارع مصر.

ولذلك على سبيل المثال لا الحصر، لم تتوقف والدة ابن بولاق الدكرور الشهيد محمد البدري زكي طويلا، عند تصريح الدفن الذي صدر له من مكتب أبو قتادة قائلا بالنص: “السيد مدير مستشفى بولاق الدكرور: برجاء توقيع الكشف الطبي على جثة المتوفي محمد البدري زكي بدر البالغ من العمر حوالي ثلاثين عاما، والمصاب بكدمات في الوجه ورصاصة في الصدر أثناء أحداث الشغب التي حدثت يوم 29 يناير 2011″، لم تأخذ والدة الشهيد تلك الصياغة المسمومة بسوء نية، بل كانت يا ولداه، تُري تصريح الدفن بفخر واعتزاز، لكل من يزور بيتهم مواسيًا أو معزيًا أو متضامنًا، قبل أن تحكي له والدموع تفتت كبدها، عن ابنها الذي أجبره موت أبيه على ترك الدراسة ليعمل في العديد من المهن اليدوية وينفق على أخويه محمود وبوسي، حتى أكرمه الله واشترى ميكروباص بالقسط وتزوج وأنجب ابنين هما بدر ومحمود، تركهما على فيض الحميد المجيد.

لم نكن ربما سنقرأ نص تصريح الدفن ذلك ليساعدنا على فهم ما جرى، لو لم يكن من بين الزائرين لأم الشهيد، صحفيتان نشيطتان هما حنان بدوي وحنان السمني، قامتا عقب الثورة مباشرة بالعمل على توثيق قصص شهداء ثورة يناير في كتاب صدر في يناير 2012 عن دار صفصافة للنشر، بعنوان (دماء على طريق الحرية ـ قصص حقيقية لشهداء ثورة 25 يناير ـ الجزء الأول)، ولعلك لا تستغرب لماذا لم يصدر الجزء الثاني حتى الآن، مع أن الدكتور ممدوح حمزة الذي كتب مقدمة الجزء الأول، قال أنه اتفق مع مؤلفتي الكتاب على إصدار أجزاء أخرى منه، معلنا أنه تم تخصيص عائدات بيع الكتاب بالكامل، لصالح مؤسسة دعم أبطال 25 يناير التي تم إشهارها رسميًا عقب الثورة، لكن مصير الجزء الثاني من الكتاب، كان مثل مصير المؤسسة وغيرها من مؤسسات دعم الشهداء والمصابين التي تعرضت لتعتيم إعلامي كامل كأنها لم تكن، وربما لولا صدور الجزء الأول من الكتاب، لما كانت قد بقيت، ولو على استحياء قصص محمود خالد ومحمد البدري وعدد من الشهداء الذين قام الكتاب بتوثيق قصص حياتهم وملابسات قتلهم، وتوثيق الطريقة المزرية التي تعاملت بها المستشفيات ومراكز الصحة معهم عند وفاتهم، والتي ستدرك حين تقرأ تفاصيلها، أن جريمة تبرئة حسني مبارك وحبيب العادلي ورجاله، في الحكم الفاجر الذي صدر مؤخرًا، وبعد سنين من الألاعيب القانونية القذرة، كانت قد بدأت وقائعها مبكرًا جدًا على أيدي أولئك الذين أصدروا فرمانات لموظفي مكاتب الصحة بأن يتعاملوا مع الثورة رسميًا بوصفها أحداث شغب، ليسهل بعد ذلك تمييع هوية القتلة وتفرّق دم الضحايا بين الأطراف التي تتغير تسمياتها حسب تغير الهوى السياسي لمسئولي الأجهزة السيادية، مستغلين في ذلك رغبة الأهالي والأقارب والأصدقاء في إكرام أبنائهم بالدفن، دون حتى إثبات رسمي لمصدر الرصاصات التي قتلتهم، والتي كان من السهولة أن يتم التعامل معها كأحراز لا يصح التخلص منها أو اختفاؤها في ظروف غامضة.   

سيكشف لك الكتاب كيف بدأت محاولات التلاعب في الأوراق الرسمية التي تثبت ملابسات قتل الشهداء مبكرًا جدًا، ومع أول شهداء الثورة الشهيد مصطفى رجب العامل بشركة السويس للأسمنت، حيث أحاط الأمن المركزي بمشرحة المستشفى التي نقل إليها، بعد إصابته بطلقين ناريين في صدره وساقه وبضربة من سونكي بندقية في ذراعه، حيث تم يومها إخراج جثمانه من الباب الخلفي للمشرحة بعيدًا عن أقاربه وأصدقائه، الذين اكتشفوا أن هناك محاولات لكتابة تقرير بأن الوفاة حصلت بسبب اختناق، لكن تجمهر أقاربه وأصدقائه أفشل المحاولة، ليتم إثبات حالته أخيرا في تقرير طبي، لا تدري أين استقر به المطاف في زواريق المحاكمات الهزلية التي تم عقدها للقتلة، كما لا يدري أحد أين ذهبت الرصاصات التي كان من المفترض أن تكون أبرز أدلة الجريمة التي تدين مبارك والعادلي ورجالهما بقتل المواطنين، وهو القتل العمد الذي يثبت استشهاد مصطفى أنه بدأ مبكرًا جدًا، قبل حتى أن يتم إشاعة مناخ الرعب في البلاد.

نفس المصير الغامض حدث للرصاصات التي اخترقت جسد الشهيد محمد فتحي ابن حلوان الذي كان يعمل لحّاما باليومية والذي بدأ مشاركته في الثورة منذ يوم 26 يناير، لينال الشهادة يوم جمعة الغضب، ويثبت تقرير مستشفى حلوان العام أنه دخله مصابًا بغيبوبة تامة وهبوط حاد في الدورة الدموية والتنفسية نتيجة الإصابة بمقذوف ناري، ليثبت الفحص أنه أصيب بستة أعيرة نارية: اثنتان في جنبه الأيمن، وواحدة في الرقبة ورصاصة في الحاجب وأخرى في جبهته، وأخرى في ذراعه، وهو ما تكرر أيضا مع الشهيد محمد سليمان ـ 20 سنة ـ الطالب بهندسة القاهرة الفرقة الثالثة، والذي أصيب برصاصتين واحدة في رأسه والأخرى في بطنه خلال مظاهرة أمام قسم المرج، لينقل إلى مستشفى اليوم الواحد بالمرج لتصعد روحه إلى بارئها هناك.

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي يتعرض فيها للقتل محمد فتحي ومحمد سليمان وغيرهم من الشهداء الذين سقطوا قتلى أمام الأقسام وحولها، فقد ظل رصاص الإعلام المسعور يقتلهم كل ليلة وعلى مدى أشهر طويلة، بمشاركة عدد من الإعلاميين المحسوبين على الثورة، لتشيع بين المصريين مع مرور الوقت نغمة لعينة متصاعدة تعتبر أن كل من سقطوا شهداء أمام الأقسام وحولها، كانوا من أصحاب السوابق الجنائية الذين ذهبوا لسرقة الأقسام، ثم تعلو في وقت لاحق نغمة أخرى تقول أن هؤلاء الذين تم وصفهم بالمرتزقة والمأجورين ساعدوا أعضاء جماعة الإخوان وحزب الله وحماس على حرق الأقسام لإسقاط الدولة، ليصبح الشهداء وأهاليهم مع مرور الوقت، في موقع الدفاع بدلًا من أن يفسح لهم الإعلام مساحة لكي يحكوا للناس قصص أبنائهم، فيعرف الشعب الخديعة التي تمارس عليه بتواطؤ بين الإعلام والأجهزة السيادية، ويصبح المتاح أمام أهالي الشهداء، أن يحصلوا على فتات الأموال التي تلقيه الدولة إليهم، بدلا من أن ينقطع هو أيضا فيجتمع عليهم الموت وخراب الديار.

في ظل مناخ إجرامي كهذا، تواطأت وسائل الإعلام بكافة أنواعها على تغييب قصص الشهداء الذين قتلهم رصاص الشرطة بشكل عشوائي دون حتى أن يشتركوا في المظاهرات أو يذهبوا للاحتجاج على الأقسام التي كان ملايين المصريين يعتبرونها سلخانات للتعذيب ورمزًا لنظام قمعي فاسد جعل حياتهم جحيما. لم يعرف الناس بالصوت والصورة والمؤثرات التي تظهر فقط عند اللزوم قصة شهيد سقط بسبب الإطلاق العشوائي للرصاص الميري ولكن في رفح، هو الشهيد أحمد سالم عيسى الشهير ببلال والذي يبلغ من العمر عشر سنوات، والذي أصيب بثلاث رصاصات، اثنتان في ظهره وواحدة في يده، بسبب إطلاق نار عشوائي من معسكر الأمن المركزي في رفح القريب من منزلهم. ولا كيف قُتل في ميدان المطرية الشهيد خالد محمد الوكيل 18 سنة، حين خرج لإحضار مذكرات من صديقه إسلام حسني، فوجده مصابًا بعيار ناري في قدمه، وحين حاول مساعدته أصيب برصاصة في قلبه، ليفارق الحياة في مستشفى الزيتون التخصصي. لم يحكِ الإعلام للناس مثلا عن الشهيد إسلام صالح محمد البالغ من العمر 15 سنة والذي قُتل برصاصة أصيب بها بعد خروجه مع والده من المسجد في إمبابة يوم 29 يناير، فقد تم استخراج جثته بعد 22 يوما من دفنه، للتأكد من أن الرصاصة التي قتلته كانت رصاصة “ميري”، لسبب بسيط هو أن تقرير دفنه الذي كان يفترض أن يستوفي كل المعلومات لم يكن فيه شيئ يدين قتلته، وبرغم تأكيدات أهله لمسئولي النيابة أنهم يعرفون الضابط الذي أطلق الرصاص بشكل عشوائي، إلا أن النيابة أصرت على فتح القبر واستخراج الجثة وأثبتت نوع الرصاصة المدفونة في جسده، لكن ذلك لم يجلب له العدالة في نهاية المطاف، لأن المحاكمة التي كان يفترض بها أن تراعي حرمة الدم وترعى قدسية مقام الشهداء تحولت إلى مسرحية هزلية هابطة لا تستهوي أحدًا سوى مؤيدي القتلة.

لم يعرض الإعلام الذي ظل يعبئ الناس بقصص القادمين من خارج الحدود لاقتحام الأقسام، كيف وجد شنودة فايز أرمانيوس في مدينة السلام أخاه يوسف فايز البالغ من العمر 32 سنة ملقى على الأرض في شارع قريب من قسم مدينة السلام، وحوله عدد من القتلى والمصابين في مشهد وصفه بأنه يشبه ما كان يتخيله من مشاهد الحرب بين مصر وإسرائيل، ليعرف أن أخوه كان واقفًا أمام محل الفاكهة الذي يملكه الشقيقان في الشارع، حين أصيب بالرصاص الذي أطلقه ضباط القسم على المتظاهرين أمامه، يومها أحضر شنودة سيارة إسعاف حملت تسعة من الشباب كلهم مضروبون بالنار، وذهبت السيارة بهم إلى مستشفى الدمرداش، ليظل أخوه في الرعاية المركزة أسبوعًا كاملًا، حتى صعدت روحه إلى بارئها يوم الجمعة 4 فبراير بعد أن أثبت التقرير الطبي وفاته بطلق ناري في الصدر “أدى إلى تهتك في الفقرات الظهرية أدى إلى تأثر الحبل الشوكي وهبوط حاد في الدورة الدموية ثم هبوط في الدورة القلبية والتنفسية أدى إلى الوفاة”، وبالتأكيد لم يكن الشهيد يوسف وقتها يتصور أنه سيأتي اليوم الذي يعتقد فيه ملايين المصريين، أن كل من استشهدوا إلى جوار الأقسام كانوا من أنصار جماعة الإخوان وحزب الله وحماس، وأن قاتليهم سيخرجون دون حساب ولا عقاب.

ستتواصل فصول الجريمة أيضًا، حين يتم تغييب قصص شهداء آخرين دفعوا حياتهم ثمنًا لمحاولتهم توثيق اعتداء الشرطة على المتظاهرين، من بينهم مثلًا الشهيدة مريم مكرم نظير البالغة من العمر 16 سنة التي أصيبت إلى جوار قسم الزاوية الحمراء، حين صعدت يوم جمعة الغضب مع جارتها إلى سطح منزلها بكل براءة لتتفرجا على المظاهرات التي تملأ الشوارع، وحين أخرجت مريم الموبايل لتصوير المظاهرات لكي تريها لصديقاتها يوم الأحد في الكنيسة، على حد ما رواه والدها في الكتاب، كان جزاؤها أن أصيبت برصاصة في فكها، دخلت من الخد الأيمن وقطعت شريانين وأدت إلى شلل نصفي في الجهة الشمال ونزيف حاد، لتنقل إلى الرعاية المركزة، لتفيض روحها صباح السبت 29 يناير، لتمنح المستشفى والدها تقريرا بأن الوفاة نتيجة طلق ناري في الرأس، وذهب الأب إلى النيابة وأدلى بأقواله، ليفاجأ بعدها بأنهم أخبروه بأن القضية تم حفظها، لأنه لم يتهم شخصًا محددًا بقتل مريم، لتضيع الألاعيب القانونية حق ابنته التي أقسم رجال العدالة على حفظه، لكنهم فضلوا على ذلك حفظ القضية والوقوف إلى جوار القتلة، وهو ما تكرر بتفاصيل مشابهة في قضية ابنة الإسكندرية الشهيدة أميرة سمير البالغة من العمر 17 عاما والطالبة بالصف الثاني الثانوي، والتي قامت أثناء وجودها في شقة صديقتها هدى، بتصوير المظاهرات التي اندلعت إلى جوار قسم شرطة الرمل ثان، فأصيبت برصاصة في قلبها مباشرة. فضلا عن أن رصاص القتل الذي استهدف كل من يحاول توثيق الأحداث، أصاب أيضا الصحفي أحمد محمود الذي أصيب خلال تصويره للمظاهرات يوم 29 يناير بطلقة دخلت من عينه إلى المخ فأدت إلى نزيف شديد وغيبوبة كاملة فارق على أثرها الحياة، والشهيد أحمد بسيوني ـ 31 سنة ـ المدرس بكلية التربية الفنية جامعة حلوان، وبرغم أن أجهزة الدولة كرمت الشهيدين الأخيرين رسميًا في أكثر من مناسبة، إلا أن ذلك لم يفرق بينهما وبين الشهداء الآخرين في تغييب أدلة الإتهام وطمس الحقيقة للمساعدة على تبرئة القتلة في الوقت المناسب.  

نكمل في الأسبوع القادم بإذن الله.

اعلان