مدارس الظل

تحول التعليم الخاص في مصر منذ الستينيات إلى عمل تجاري مربح. ورغم أن العديد من المدارس الخاصة تفرض رسومًا باهظة إلا أن الآباء يعتقدون أن الأمر يستحق عناء العبء المالي بسبب تدهور نظام المدارس الحكومية.

يتطلب فتح مدرسة خاصة رخصة من وزارة التربية والتعليم لضمان مطابقة المدرسة للمعايير التي وضعتها الحكومة.

لكن مؤخرًا ظهرت بعض الادعاءات التي تفيد بأن العديد من طلاب المدارس الخاصة غير مقيدين بوزارة التعليم بل مقيدين في ما يطلق عليه المعلمون “مدارس الظل”.

ومدارس الظل هي مدارس خاصة مرخصة لكن ليس بها طلاب ولا طاقم تدريس. وهي موجودة فقط كواجهة لعدد من المدارس الخاصة التي لم تتمكن من الحصول على رخصة من وزارة التعليم.

يقول محمد رزق الله، المدرس في مدرسة جرين كوميونيتي، التي تسجل طلابها في مدارس الظل، إن الأمر كله عبارة عن عملية نصب. فأصحاب مدارس الظل غالبًا ما يكون لديهم معارف من كبار المسؤولين في وزارة التعليم، وهم يربحون المال دون بذل أي مجهود في إدارة المدرسة بشكل فعلي.

يقول رزق الله موضحًا: “العديد من المدارس غير مسجل لدى الحكومة بسبب صعوبة الحصول على الرخصة، والحكومة تزيد الأمر صعوبة لأنها تعلم أن التعليم الخاص يدر الكثير من الأرباح. ولذلك يقوم بعض الأفراد الذين يعملون بشكل مقرب مع الحكومة بترخيص مدارس الظل تلك”.

وكل ما تحتاجه مدارس الظل هو أن تسجل الطلاب مقابل رسوم مالية بالطبع.

وتقر يمنى إسماعيل المسؤولة عن العلاقات العامة في مدرسة جرين كوميونيتي بأن المدرسة ليست لديها رخصة وأنهم دفعوا مبلغًا ماليًا مقابل تسجيل طلابهم في مدرسة أخرى.

ورفضت إسماعيل الإفصاح عن اسم المدرسة التي تم تسجيل الطلاب فيها أو تحديد إجمالي المبلغ المدفوع، لكن رزق الله أشار إلى أن من يملكون المدارس المرخصة يجنون الكثير من الأموال مقابل تسجيل الطلاب.

وصرحت إسماعيل قائلة إن مدرسة جرين كوميونيتي تدفع من 1000 إلى 2000 جنيه مصري تقريبًا عن كل طالب تسجله في مدرسة الظل. لكنها تختلف مع رزق الله وتقول إن المدرسة التي يتم تسجيل طلاب جرين كوميونيتي بها مدرسة لغات تزاول نشاطها بالفعل وبها معلمون وطلاب ومناهج. لكنها تقول إن الفرق الوحيد بينهما هو أن إحداهما مدرسة لديها رخصة والأخرى غير مرخصة.

وتؤكد سارة حصة معلمة اللغة الإنجليزية في مدرسة جريتنيس للغات على أن مدرستها بها طلاب مسجلين في مدرسة أخرى، لكنها لا تستطيع أن تجزم إن كانت مدرسة ظل أم لا.

ويقول رزق الله إنه قد سمع أن هذه العملية منتشرة بشكل كبير بين المدارس الخاصة متوسطة المستوى في مصر. ويضيف قائلًا إن أحد مسؤولي العلاقات العامة في مدرسته، واسمه محمد مصطفى، قد أخبره أن 90 في المئة من المدارس الخاصة تقوم بتسجيل طلابها بمدارس ظل. ولم نتمكن من الوصول إلى مصطفى للتعقيب على هذا الأمر والتأكد من تلك النسبة.

وكان السبب الذي ذكره كل من حصة وإسماعيل عند سؤالهما عن سبب عملهم في مدرسة غير مسجلة هو أن وزارة التربية والتعليم تجعل الحصول على رخصة أمر شبه مستحيل.

وتوضح إسماعيل أنه بالإضافة إلى العدد اللانهائي من الشروط التي يجب على المدارس استيفائها يتطلب الأمر أيضًا تقديم رشاوى إلى أحد مسؤولي الوزارة لكي يتم النظر في الطلب. تقول إسماعيل: “نحن نحاول الحصول على رخصة منذ عامين تقريبًا”.

فريدة مقار الباحثة في مجال تاريخ التعليم تقول إنها لم تسمع من قبل عن مدارس الظل لكنها لن تتفاجئ إذا كان الأمر صحيحًا، وتضيف بامتعاض: “الأمر صادم لكنه طبيعي”.

وتوضح قائلة: “المدارس الخاصة عمل مربح للغاية، وأنا لا أتحدث بناءً على معلومات مثبتة لكني متأكدة أن ثمة منفعة متبادلة بين المدارس الخاصة والوزارة”.

أحد الأسباب التي أدت إلى تسجيل الطلاب في مدارس غير مرخصة هو فشل المنظومة التعليمية الحكومية، ما أدى إلى تزايد عدد الآباء الذين يسجلون أبنائهم في مدارس خاصة وينفقون كل مدخراتهم في سبيل ذلك.

وتحتل مصر أقل المراتب من حيث جودة التعليم على مستوى العالم، حيث جاءت في المركز رقم 148 في تقرير التنافسية العالمية الذي أصدره المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2014.

وحسب ما كتبته منظمة اليونيسيف على موقعها عن التعليم في مصر فإن “جودة التعليم ما زالت تمثل تحديًا كبيرًا يعوق قدرة الأطفال على تطوير قدراتهم بشكل كامل”.

وكنتيجة لقصور التعليم الحكومي اتجه العديد من أسر الطبقة المتوسطة إلى المدارس الخاصة، التي تصل مصاريفها إلى 3000 جنيه سنويًا تقريبًا، وهي تقدم مزيجًا من المناهج الحكومية والمناهج البديلة. وتحاول العائلات جاهدة إلحاق أولادها بتلك المدارس على أمل الحصول على تعليم جيد يؤمن لهم حياة أفضل.

لكن لا ينبغي أن نبالغ في تقدير عدد الطلاب الملتحقين بالمدارس الخاصة. فرغم زيادة عدد المدارس الخاصة إلا أن عدد المصريين الملتحقين بها يتراوح بين ثلاثة وخمسة في المئة فقط كما تشير مقار.

ومع ذلك فإن سوق المدارس الخاصة قد صنع فجوة سمحت لمدارس الظل بالظهور كما يقول رزق الله.

عبد الحافظ طايل، رئيس المركز المصري للحق في التعليم، يقول إن سبب وجود تلك المدارس هو فساد وزارة التعليم والقوانين المعيبة التي تحكم قطاع المدارس الخاصة.

ويؤكد قائلًا إن معظم المدارس الخاصة قد تزاول نشاطها فعليا لخمس أو ست سنوات قبل أن تحصل على رخصة.

ويرى طايل أن وزارة التعليم متواطئة في تلك العملية، موضحًا أنه عند بناء المدارس يجب التسجيل للحصول على العديد من الشهادات، وهذا يعني أن هناك مسؤول يقوم بزيارتها ويراها تزاول نشاطها دون رخصة ومع ذلك يسمح لها بالاستمرار.

ويضيف طايل قائلًا إن العديد من كبار المسؤولين في وزارة التعليم يلحقون أولادهم بالمدارس الخاصة ولذلك فإن “العلاقة التي تربط مسؤولي وزارة التعليم بأصحاب المدارس الخاصة تشوبها ريبة”.

ويعتقد طايل أن المدارس غير المرخصة غالبًا ما تدفع مبلغ يتراوح ما بين 3000  و5000 جنيه مصري عن كل طالب ليتم تسجيله في جهة مرخصة. وكان طايل قد سمع عن مدارس الظل من قبل ولم يتفاجأ بالأمر، وأضاف قائلًا إنه من المعتاد أن تقوم المدارس التي تزاول نشاطها بتسجيل طلاب لا يحضرون صفوفهم بها.

ويوضح طايل إن السبب الذي يجعل قطاع المدارس الخاصة غير محكوم بالقوانين بهذا الشكل هو أنه قطاع فاسد للغاية، فيقول: “المدارس الخاصة تقدم الهدايا والأموال والرشاوى للمسؤولين عن قطاع المدارس الخاصة في وزارة التربية والتعليم”.

وتوافقه إسماعيل أيضًا في أن الرشاوى لازمة لتيسير عملية الترخيص. وعند سؤالها إذا كان وجود معارف رفيعة المناصب بوزارة التعليم قد يُسرِّع عملية الترخيص أجابت دون تردد: “نعم، أعتقد أن ذلك صحيح”.

ويشير طايل إلى المشكلة الأخرى في سماح وزارة التعليم بوجود مدارس غير مرخصة هو أن ذلك يهدد وجود الطلاب في تلك المدارس: “لا يوجد ما يضمن استقرار الأرض التي تم بناء المدرسة عليها، ولا ما يضمن أن الطلاب يدرسون المواد اللائقة. كما لا يوجد أي إشراف على طريقة التدريس في تلك المدارس”.

ويرى طايل أن أفضل طريقة لحل مشاكل المدارس غير المرخصة ومدارس الظل هو إصلاح وزارة التعليم، وخاصة القوانين المتعلقة بقطاع المدارس الخاصة.

يقول: “إن قانون التعليم في مصر لا يغطي كيفية إدارة المدارس الخاصة. فالمدارس الخاصة لديها العديد من الطرق للتحايل على القانون، المشكلة إذًا في القانون نفسه”.

حاول «مدى مصر» التواصل مع وزارة التربية والتعليم عدة مرات لكننا لم ننجح في الحصول على تعقيبهم على هذا الموضوع.

اعلان
 
 
بِشا ماجد