قراءة بين سطور الاستراتيجية “الوطنية” لمكافحة الفساد

لا يخفى على كثيرين استشراء الفساد الذي ينخر في مؤسسات الدولة المصرية، وقد ثبت بالتجربة عدم فعالية العبارات الإنشائية المناهضة للفساد. لم ولن يحدث أبدًا أن تمتدح حكومة ما الفساد وتروج له، ولم ولن يحدث أن تتوقف حكومة عن القول بشرور الفساد وضرورة مواجهته، ولكن هذه العبارات البلاغية تظل دون تأثير إن لم تتحول إلى إجراءات وقوانين وممارسات فعلية لمكافحة الفساد على أرض الواقع.

وقد جاءت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي أطلقها رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب في التاسع من ديسمبر الماضي بمناسبة مرور 50 عاما على تأسيس هيئة الرقابة الإدارية، كاستمرار لاختزال مسألة مكافحة الفساد في استراتيجيات وخطط وعبارات إنشائية وبلاغية وأخلاقية مفتقرة لوجود أي آليات أو وسائل واقعية وحقيقية لتطبيق الأهداف التي أعلنتها الاستراتيجية.

وعلى الرغم من هذا فقد تكون الاستراتيجية خطوة إيجابية، خاصة وإنها اعترفت بتأثير غياب العدالة الاجتماعية على انتشار الفساد، بالإضافة إلى الاعتراف بتأثيرات الممارسات الاحتكارية والإنفاق الحكومي المبالغ فيه على السيارات والأثاث على إهدار الموارد الدولة، وتطرقت الاستراتيجية أيضًا إلى الثقب الأسود في الإنفاق العام وهو الصناديق الخاصة، وضعف الحماية المقدمة للشهود والمبلغين عن قضايا الفساد.

لكن بما أن العبارات الإنشائية المكررة والمتشابهة واقع مفروض علينا، فلا خيار لنا إلا محاولة القراءة ما بين السطور البلاغية الجميلة كي نستخلص أي معنى للاستراتيجية، والمعنى المستخلص هو محاولة الاستمرار في جعل مجال مكافحة الفساد ملفا حكوميا بامتياز. ففي رصد الاستراتيجية للدراسات التي جرت في السنوات الأخيرة عن الفساد في مصر، ذكرت الاستراتيجية في قسم بعنوان “ظاهرة الفساد في مصر من المنظورين الداخلي والخارجي” مجموعة من الدراسات الخاصة ببعض المنظمات ومراكز الأبحاث المصرية، ثم خصصت قسما خاصا للـ”منظور الخارجي” لم تذكر فيه أي تقارير أو دراسات، لكنها أفردت قسما لتذكيرنا بأن “المنظمات الخارجية عكست صورة غير دقيقة عن واقع الفساد في مصر لعدم مشاركة أجهزة مكافحة الفساد المصرية في إعدادها”. ولما جاء هذا القسم الخاص بالمنظور والدراسات “الخارجية” خاليًا من أي دراسات، فكان ربما بالأحرى على كاتبي الاستراتيجية عدم إضافة القسم من الأساس إلا إذا كان الهدف الأساسي هو إيصال رسالة تشكل مزيدًا من الترسيخ لخطاب المؤامرة الكونية التي تحاك ضد مصر من جانب المراكز البحثية والأهلية والحقوقية المعنية بظاهرة الفساد وكيفية مقاومتها.

أما بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني المحلية فتم ذكرها بشكل عابر مرتين تقريبا، مرة في قائمة الجهات المشاركة في التنفيذ ولكنها جاءت في النقطة قبل الأخيرة من قائمة طويلة تضم حوالي تسع جهات قبل “المؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية”، وفي القسم المتعلق بالأهداف الرئيسية جاءت “مشاركة المجتمع المدني” في النقطة الأخيرة.

ولا يستطيع المرء إلا أن يتساءل عن سبب رغبة الحكومة الحالية في المشاركة الفعالة للمجتمع المدني (حتى ولو كانت الأولوية متأخرة) في مكافحة الفساد، تزامنا مع حملة حكومية وإعلامية شرسة هدفها النيل من أي تواجد لمجتمع مدني قوي وحر ومستقل يمارس مهامه في المراقبة على الحكومة وأداءها، وتقديم التوصيات بشأن الممارسات غير الدستورية والممارسات التي تتنافى مع الالتزامات القانونية والدولية التي تنتهجها الحكومة، وتعمل أيضا الحكومة على تقييد قدرة المجتمع المدني على مواجهة الفساد عن طريق تمرير قوانين مثل قانون تحصين العقود الإدارية الذي يحرم المجتمع المدني من الطعن على عقود تبرمها الدولة وتشوبها شائبة فساد أو إهدار مال عام.

تظهر أيضا مدى “حكومية” الاستراتيجية في الجزء المتعلق بالتحليل الاستراتيجي الرباعي (نقاط القوة والضعف والفرص المتاحة والتهديدات المحتملة)، فمن بين نقاط القوة التي ذكرتها الاستراتيجية في منظومة العمل ومكافحة الفساد في مصر هي “ثقة الغالبية العظمى من المصريين في نزاهة القضاء وحيدة الأحكام الصادرة منه”، و”ثراء البيئة التشريعية المصرية بالعديد من القوانين الداعمة لجهود مكافحة الفساد” وهو ما يتعارض مع بقية ما ورد بالاستراتيجية، فإذا كان لدينا نظام عدالة نزيه وقوي وكفء، وبيئة تشريعية ثرية تدعم جهود مكافحة الفساد، فما سبب استشراء الفساد بهذا الشكل المخيف الذي تعترف به الاستراتيجية، وقلة عدد المدانين بالفساد برغم انتشاره، مع العلم أن ذات الاستراتيجية أعلنت أن من أهم نقاط الضعف في مجال مكافحة الفساد هي: “عدم تغطية كافة صور جرائم الفساد الواردة باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في القوانين المصرية”، و”تبعية بعض أجهزة مكافحة الفساد للجهاز التنفيذي بما يحد من الاستقلالية المطلوبة”، و”بطء إجراءات التقاضي في بعض الأحيان وما ترتب عنه من تأخر الردع المطلوب”، وهي كلها أمور بها تناقض كبير عما سبق ذكره عن ثراء البيئة التشريعية ونزاهة وحيدة القضاء، خصوصا أن جرائم الفساد تكاد أن تصبح جرائم غير قابلة للإدانة كما رأينا في محاكمات فساد نظام مبارك التي يخرج منها الجميع بالبراءة بسبب عوار في الإجراءات أو جمع الأدلة أو القوانين.

من النقاط الإيجابية حصر القوانين المرتبطة بمكافحة الفساد والتي تلزم اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المصدقة عليها مصر ببعض منها، مثل قانون حرية تداول المعلومات وقانون حماية الشهود وتقنين وضع الصناديق الخاصة وهي قوانين طالما طالب المجتمع المدني المصري بتمريرها. لكن أغفلت الاستراتيجية أهمية وضع قانون جمعيات جديد يسمح لمنظمات المجتمع المدني بالعمل الحر والمستقل بعيدا عن التضييق الحكومي، في ضوء أن المجتمع المدني القوي والمستقل والحر مكون رئيسي لأي عملية فعالة لمكافحة الفساد.

لم تتضمن الاستراتيجية إقرار قانون خاص باسترداد الأموال المنهوبة من الداخل والخارج ووضع أسس وقواعد لإدارتها بعد استردادها بما يتسق ويتوافق مع أفضل الممارسات الدولية في هذا المجال، بالإضافة لوضع استراتيجية فعالة تتواكب مع التطور في أساليب التهرب الضريبي وتهريب الأموال باستخدام تحويلات الأرباح والشركات المسجلة في الملاذات الضريبية، والذي يكلف خزينة الدولة عشرات المليارات من الجنيهات سنويا. وفي حين تطرقت الاستراتيجية سريعا إلى الشفافية بشكل عام، لم يرد ذكر شفافية الموازنة والإنفاق العام في الاستراتيجية كأداة فعالة لمحاربة الفساد إلا فيما ورد بشأن تقنين وضع الصناديق الخاصة.

الاستمرار في تأميم ملفات الفساد وجعل العمل عليها حكرا على أجهزة الدولة الإدارية يتنافى مع مبدأ الشفافية في حد ذاته، فاللجان التي من المفترض أن تكون مستقلة مثل اللجنة التنسيقية الوطنية لمكافحة الفساد ولجنة استرداد الأموال المنهوبة يرأسها شخصيات حكومية بصفتهم، وهم رئيس الوزراء ووزير العدل بالترتيب، وأغلب، إن لم يكن كل، أعضاء اللجان هذه، شخصيات حكومية. ويضرب هذا مبدأ الشفافية شديد الارتباط بمكافحة الفساد في مقتل، كما يعبر غالبا عن عدم ثقة الدولة في المجتمع المدني وفي أحقية المواطنين في المعرفة ومراقبة أموالهم.

باختصار، الاستراتيجية تحتوي على عدة نواحي إيجابية لكنها تصلح ربما كمبادئ توجيهية للعاملين في الجهاز الإداري والتشريعي، أو كخطة حكومية طموحة متوسطة الأجل، أو لمغازلة الرأي العام وبث الأمل في نفوس المواطنين، لكنها في نهاية المطاف لا تستحق سوى تسمية “الاستراتيجية الحكومية (وليس الوطنية) لمكافحة الفساد” بكل ما تحمله هذه التسمية من دلالات.

اعلان
 
 
أسامة دياب 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن