جواهر السينما المصرية: “شمس الزناتي”
 
 

“شمس الزناتي” (1991) هو فيلم له تاريخ متميز من خطف أنظار ومداعبة عقول الملايين من المصريين الباحثين عن هويتهم الأصلية وسط رفات أبطالهم القدامى، أولئك الذين يزينون أعمالهم بحليّ الشجاعة والكرامة، كي يجدوا مغزى لوجودهم عبر التشبه والتغني بأولئك الأبطال، وأنا أحد هؤلاء الملايين.

الفيلم مقتبس عن الفيلم الأمريكي “العظماء السبعة” (1960)، أحد أفلام الغرب الأمريكي المنتشرة في تلك الفترة، وهو بدوره مقتبس – ككثير من تلك الأفلام ـ من فيلم ياباني اسمه “الساموراي السبعة” لأحد أهم صناع الأفلام في عصرنا الحديث (أكيرا كوروساوا).

شمس الزناتي هو محاولة صانعيه لاقتباس فيلم الغرب الأمريكي وتحويله إلى فيلم “غرب” مصري.

عند مناقشة مسألة اقتباس الأفلام هناك بعض الأسئلة التي تطفو تلقائيًا على السطح، وهي: هل يجوز اقتباس الأفلام أم أنها مجرد طريقة منمقة لسرقة إبداع الآخرين؟ هل من الواجب مقارنة العمل المُقتَبَس بالأصلي من جميع النواحي الفنية كي يكون الحكم صحيحًا؟ كيف يقتبس المخرج/الكاتب فيلمًا بدون أن ينتهي به الأمر بنسخة رثة من الأصلية لا يأخذها المشاهد مأخذ الجد كمعظم الأفلام المصرية “المقتبسة”؟

أولًا: الذاكرة هي المصدر الأساسي للإبداع، كل ما يبتكره الفنان هو اقتباس مباشر أو غير مباشر لما يتشبث بعقله الباطن من تجارب حياتية وأعمال فنية أخرى كان لها تأثيرها، لذا ليس هناك مانع من اقتباس ما يلهمنا من الأعمال الفنية، المهم هو أن ندرك أولًا مصدر الإلهام في ذاك العمل، في هذه الحالة ينبع مصدر الإلهام من قصة أكيرا كوروساوا.

ثانيًا: ليس من الضروري مقارنة جميع الجوانب الفنية للفيلمين، بل الأصح هو أن ينظر للعملين في مجملهما كلوحة متكاملة، ثم يكون الحكم بهل أوفى التلميذ حق أستاذه؟، أو بمعنى أخر: هل تم الحفاظ على الروح المميزة للفيلم (مصدر الإلهام) بعد اقتباسه للمرة الثالثة؟ والنتيجة هى أن تلك النسخة تنبض بالحياة أكثر من نظيرتها الأمريكية.

ثالثًا: الاقتباس هو أن يدرك الفنان الفكرة أو (الشرارة) المميزة للعمل ويبني حولها فيلمه الخاص، مراعيًا المكان والزمان والأشخاص الذين يروى قصته عنهم.

الفكرة هى أن سبعة من الساموراي الشجعان يقطعون عهدًا بالدفاع عن قرية فقيرة من عدد كبير من الغرباء الناهبين لخيراتها.

من إخراج سمير سيف وسيناريو أحمد فوزي ومجدي هداية، يبدأ الفيلم بصور وثائقية لأحداث الحرب العالمية الثانية في مصر، ويحدد المخرج بتلك الصور ثلاث نقاط أساسية: أين تقع أحداث الفيلم، متى وقعت وماذا كانت الظروف المحيطة، ولماذا تواجد هؤلاء الجنود في صحراء مصر الغربية، ولِم أصبح البدو ضحية كل تلك الأحداث.

تلك المقدمة تساعد بقوة على إطلاع المشاهد على جميع أبعاد القصة، فتزيدها واقعية وتزيده تعاطفًا مع البدوي “الشيخ عتمان” كي نتبعه إلى قلب القاهرة المحتلة في رحلة لشراء أسلحة لمقاومة أولئك الجنود.

أصالة مواقع التصوير، الأزياء والجو العام للقاهرة المحتلة كلها أشياء تساعد على غمر المشاهد وسط الأحداث، يتم التمهيد للتعارف الأول بين المشاهد والبطل “شمس الزناتي”، عادل إمام، عن طريق رواية “حنة”، سوسن بدر، لبعض أعماله البطولية في مواجهة الاحتلال، وهو ما يعزز من مكانة الشخصية في مخيلتنا قبل التعارف ويساعد على وضعه في المكانة المطلوبة، رجل يحارب الاحتلال، يحارب لأجل الحق ولا يرضى بالظلم، وهو ما يحتاجه البدو.

تؤسس العلاقة بين “شمس” والأرملة البدوية “حنة” لطابع خفة الدم المميز للفيلم، حيث تساعد مشاجراتهما المستمرة على تخفيف حدة الأحداث الدرامية.

لماذا يُعتبر “شمس” مثالًا ممتازًا للبطل المصري التقليدي؟ القوة، وخفة الدم، والثقة بالنفس، والشجاعة والتمتع بقدر كبير من الذكاء وقوة الملاحظة، فضلًا عن الرومانسية الواضحة، فهو على وشك التضحية بحياته وحياة ستة من الرجال فقط لينال قلب المرأة التي يحبها، وهو ما يميز بطلنا المصري عن نظرائه في النسختين الأمريكية واليابانية.

الزحام المستمر في قلب القاهرة يطغى على المشاهد و يوحي لنا أن قصتنا مجرد واحدة من كثر، يستخدم المخرج تلك الحشود في ملء الكادرات كي يوحي بضيق المساحة والتمدن، على النقيض، يستخدم الصحراء الشاسعة وظلام الليل في الإيحاء بالاتساع وبدائية حياة الصحراء.

يتتبع المشاهد “شمس” في أحياء القاهرة الفقيرة بحثَا عن “الساموراي السبعة”، فنجد كلًا منهم في أسوأ حالاته، ينتظر متلهفًا كي ينبعث للحياة من جديد، كل منهم يثبت في قليل من الوقت بما لا يدع مجالًا للشك أنه لا يقل وزنًا وأهمية للأحداث من “شمس” نفسه، وهي النقطة التي تميزت بها النسخة المصرية عن نظيرتها الأمريكية التي لم تتمتع شخصياتها بنفس ذاك العمق، كل له طابعه المميز، ما يخلق سبع قصص متساوية في القوة وفي الأهمية لمجرى الأحداث العام.

مشهد التقاء الشخصيات للمرة الأولى يوضح ما يتمتع به الفيلم ومخرجه من ديناميكية في السرد: يتكون المشهد حين نقابلهم مجتمعين للمرة الأولى من عدد من اللقطات الطويلة، حيث تتبع الكاميرا كلًا منهم وهو يتسلل إلى الخرابة لمقابلة باقي الرفاق. يتعرف المشاهد على التاريخ المشترك لتلك الشخصيات، اختلافاتهم ونقاطهم المشتركة في تمهيد مثالي للأحداث المقبلة.

تكتسب القصة ما تحتاجه من عمق عندما نتتبع الحبكات الثانوية التي تنمو بتلقائية حين نتعرف أكثر على الشخصيات. كعلاقة الحب بين “عوض” والفتاة البدوية “نعناعة”، “دعدور” الذي تُلمِّح الأحداث إلى خيانته لأهل القرية، “سلامة” اليتيم وعلاقته بأيتام القرية، العلاقة المتوترة بين “سبرتو” وزجاجة الويسكي والجامع.

الساموراي المنبوذ “عوض الكلاف” هي شخصية مستوحاة من النسخة اليابانية الأصلية وتضيف لها بساطة أداء عبد الله محمود ما تحتاجه من مصداقية.

سرعان ما ندرك أن لكل من الشخصيات قصته الخاصة التي يسعى لإنهائها، والتي تصب في النهاية في مجرى الأحداث الأساسي فنتعاطف معهم جميعًا وتزداد قصتنا واقعية.

لا يترك الكاتب لشخصياته فرصة الغموض، فالأحداث والحوار يعطيان المشاهد الفكرة المطلوبة عن ماضيهم وشخصياتهم الحقيقية، فنعرف من يبحث عن المال ومن يبحث عن البطولة.

كون كل من الشخصيات السبع يتمتع بطابع مميز وسلاح مفضل هى من أكثر العوامل المثيرة في هذا الفيلم.

ما يضفي على القصة ما تحتاجه من واقعية هو طريقة تعامل الكاتب مع شخصياته، فقد خلقها ثم ألقى بها في صحراء مصر الغربية، تاركًا إياهم ليتعاملوا مع البيئة المحيطة وليصنعوا مستقبلهم بأيديهم، فلا نتفاجأ عندما يكتشف أذكاهم “عبده قرانص” حقيقة عدم وجود ذهب في تلك القرية.

يستخدم المخرج الكاميرا بحرفية شديدة لربط الأحداث والشخصيات وليلمح في بعض الأحيان للمشاهد بما يحتاجه من معلومات.

في تحول مفاجئ للأحداث يلقي “المارشال برعي”، محمود حميدة، بأبطالنا في صراع بين الشجاعة والجشع، حيث يعطي كل منهم الفرصة ليثبت أحقيته في مكانته كأحد الساموراي السبعة، فيلقي بهم في الهاوية كما ينبغي لأي بطل كي يصعد للنور مجددًا ويثبت بطولته.

نتتبع الأبطال السبعة حيث يشق كل منهم طريقه لاسترداد كرامته مستخدمًا سلاحه المفضل تاركًا بصمته في عقولنا، قوة التمثيل والخلفيات السابق تأسيسها عن كل من الشخصيات تجعل مشاهد موت كل من الشخصيات مؤثرة للغاية حيث أن كل قصة تنتهي نهايتها المثالية بما لا يترك أي أسئلة أو مشاعر عالقة لدى المشاهد.

ديناميكية الإخراج، جاذبية الشخصيات المصرية الحقة، براعة التمثيل والموسيقى التصويرية الصعب نسيانها، كل هذه العوامل تجعل من “شمس الزناتي” لوحة فنية توفي المبدع أكيرا كوروساوا حقه في التمجيد.

اعلان
 
 
حسين حسام 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن