عام الكفتة .. محاولة لتوثيق جزء من التاريخ (الحلقة الأولى)

كعادتي في عطلة نهاية الأسبوع، استيقظت يوم السبت، الثاني والعشرون من فبراير 2014، حوالي الساعة التاسعة صباحًا بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية، وجلستُ على مكتبي لأحتسي قهوة الصباح وأنا أتصفح أخبار مصر على وسائل التواصل الاجتماعي. فإذا بي أمام تدوينة على الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، مفادها أن القوات المسلحة توصلت لاكتشاف علمي جديد لعلاج فيروسات الالتهاب الكبدي سي والإيدز. تخصصت في دراسة علم الفيروسات منذ انتهائي من دراستي الجامعية في عام 1999، وعملت في مجال البحث العلمي منذ ذلك الحين وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، منها ما يقرب من الثلاث سنوات ونصف السنة قضيتها في رحاب جامعة كامبريدج العريقة في المملكة المتحدة لدراسة الدكتوراه في مجال العلاج الكيميائي للأمراض الفيروسية، انتقلت بعدها إلى الولايات المتحدة في عام 2007 لأعمل في المركز القومي الأمريكي للصحة على أبحاث فيروس الإيدز لمدة ثلاث سنوات. خبرٌ كالذي قرأته على صفحة المتحدث العسكري لن يمر مر الكرام على شخص مثلي قضى سنين عمره متنقلًا بين أكبر الجامعات والمراكز البحثية العالمية، ويتحدث اللغة الفيروسية بكل طلاقة!

كنت مشغولًا جدًا في هذه الفترة بكتابة مقترح بحثي لمشروع تعاون بين جامعة مصرية والجامعة التي أعمل بها حاليًاً في الولايات المتحدة. كان الموعد النهائي لاستيفاء الأوراق المطلوبة كلها هو نهاية فبراير، أي بعد أسبوع واحد فقط من تاريخ الإعلان عن الاكتشاف. أُصِبتُ بحالة شديدة من الفضول العلمي، وأتذكر جيدًا أني لم أُنجز أي عمل مفيد طيلة هذا اليوم، بل وجدت نفسي متنقلًا بين محركات البحث على شبكة الإنترنت، أبحث بلهفة عن أي معلومات تقودني إلى فهم ماهية هذا الاكتشاف على وجه التحديد. قادتني الصدفة إلى ملف يحتوي على طلب براءة إختراع تقدمت به القوات المسلحة المصرية إلى المنظمة العالمية لحماية الملكية الفكرية في التاسع عشر من ديسمبر 2010، لجهاز تشخيص عن بُعد للتعرف على المخدرات والمفرقعات، والفيروسات والبكتيريا، والغازات والسوائل والمعادن، وأخيرًا أمراض النباتات! انتابتني حيرة شديدة، فهذا طلب براءة إختراع لجهاز تشخيص يستطيع التعرف على، والتفرقة بين، العديد من الكائنات الحية والمواد غير الحية التي لا تشترك في أي صفات (مما جعل الموضوع صعب التصديق بالنسبة لي)، وفي وقت سابق من نفس اليوم تحدث المتحدث العسكري على صفحته عن علاج، وأنا أعلم جيدًاً ما هو الفرق بين التشخيص و العلاج!، أدركت أن القراءة المتأنية لهذا الملف ستتطلب بعض الوقت، ونظرًا لانشغالي بكتابة المقترح البحثي قُمْت بحفظ الملف على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بي وحاولتُ جاهدًاً أن أعود إلى ما تبقى لي من عمل. كانت الخطة بعد خروج زوجتي وابنتي لحضور مناسبة اجتماعية، أن أجلس أنا وابني في البيت لأستكمل عملي، ولكن هيهات!، انتشر على وسائل التواصل الإجتماعي في اليوم نفسه مقطع فيديو يتحدث عن اكتشافين: تشخيصي (C-FAST) وعلاجي (Complete Cure Device, CCD)، قابلته بمنتهى الشك والريبة، فهو كما يقول الأمريكان: too good to be true، أو جيد جدًا لدرجة يصعب تصديقها. منعني فضولي الشديد نحو هذه الاكتشافات من التركيز في الكتابة، وإذا بي أحمل جهاز الكمبيوتر وأطلب من ابني أن نخرج إلى أقرب “ستاربكس”، لأَنِّي كنت في حاجة إلى جرعة قوية من القهوة حتى أستطيع استيعاب التفاصيل الدقيقة لهذا الملف.

ذهبنا إلى “ستاربكس” وانهمكت في قراءة متأنية لملف طلب براءة الاختراع، وبعد أن انتهيت من قراءة الصفحات الأولى، انتابتني نوبة شديدة من خيبة الأمل، كانت تزداد حدة كلما انتقلت إلى الصفحات التالية. الطلب مكتوب بلغة ركيكة جدًاً وبعيد تمامًاً عن الأسلوب العلمي المتبع في مثل هذه الطلبات. لا أستطيع الحكم على نظريات الكشف عن المعادن والمفرقعات لإنها بعيدة عن مجال تخصصي، ولكني أستطيع، بحكم 15 سنة خبرة، أن أحكم على الجزء الذي يخص تشخيص الفيروسات على الأقل. لم يتوافق ما قرأته من نظرية عمل لجهاز C-FAST والعلم الذي تعلمته طيلة هذه السنين. تعلمنا أن “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”، وغالبًاً ما تبدأ الاكتشافات الجديدة التي لم يألَفها العلماء بهذا النوع من الشك. من كان سيصدق في السبعينات أنه في يوم ما سنمتلك شبكة الإنترنت التي تقرأ من خلالها الآن مقالي هذا؟، حسنًا قد يَكُونُ شيئًا جديدًا، هذا ما حاولت إقناع عقلي به، ولكن أين الإثبات؟ تعلمنا أيضاً أن نتقبل الجديد الذي لا يتوافق بالضرورة مع خبراتنا السابقة إذا تَم تقديم الدليل على صحته، لكن لم يكن هناك دليل واحد علمي منطقي في هذا الملف على أن هذا الجهاز يستطيع الكشف عن الفيروسات عن بُعد كما يدعي مقدمو الطلب. عُدت إلى منزلي وأنا في حالة لم تكن أفضل مما كنت عليه قبل الخروج. استكملتُ بحثي في اليوم التالي (23 فبراير) عن أي معلومات أخرى بخصوص هذه الاكتشافات على شبكة الإنترنت، وعثرت على ورقة بحثية منشورة في مجلة علمية لم أسمع بها في حياتي مطلقًا. في مجال النشر العلمي، جزء من مصداقية البحث يُستَمد من المجلة المنشور فيها، فكلما كانت المجلة ذاتَ إسمٍ مرموق، كلما استقبل العلماء البحث بطريقة أفضل لإنهم يشعرون بالاطمئنان لإن هذه المجلات الكبيرة لن تُضحي بإسمها وتنشر بحث دون مراجعة وتقييم على أعلى مستوى. اطّلعت على ملخص البحث وحاولت أن أتعرف بشكل أفضل على المجلة التي نشرته، وتبين لي أنها تنتمي إلى فصيلة المجلات الانتهازية التي تنشر أبحاث بدون مراجعة علمية دقيقة في مقابل المال. وبالفعل تأكدت شكوكي حينما نشرت صحيفة Egypt Independent في أواخر شهر يونيو تحقيق قامت فيه بتجميع قصاصات مقتبسة من عدد من الأوراق العلمية وبعض المقالات العشوائية المنشورة على ويكيبديا وإرسالها للنشر في هذه المجلة المزعومة المسجلة في أذربيجان. بالفعل تم قبول هذه الورقة المغشوشة للنشر في أقل من 24 ساعة، وهنأت المجلة المؤلفين على قبول بحثهم المُلفق وطالبتهم بدفع مبلغ 400 يورو!

في اليوم نفسه (الأحد 23 فبراير) طفت على السطح أخبار عن مؤتمر صحفي عالمي ستعقده القوات المسلحة للإعلان عن الاكتشافات الجديدة. لم يتسن لي مشاهدة هذا المؤتمر حتى ساعة متأخرة من يوم الأحد حينما توفر تسجيل له على موقع يوتيوب. حضر هذا المؤتمر رئيس الجمهورية المؤقت المستشار عدلي منصور والمشير عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع آنذاك. خرج علينا في هذا المؤتمر الشخصية التي اشتهرت بعده ولن تُمحى من الذاكرة المصرية إلى الأبد، ألا وهي اللواء مكلف إبراهيم عبدالعاطي، في بدلته العسكرية، بتصريحاته الشهيرة عن قدرة الجهاز الذي اخترعه على تحويل فيروس الإيدز إلى “صُباع كفتة”!، أُصِبت بعد مشاهدة هذا المؤتمر بصدمة شديدة من الأسلوب غير العلمي الذي تم استخدامه في عرض الاكتشافات، والتي احتوت على بعض الأخطاء العلمية الفادحة. ومع كل هذا التسليط الإعلامي، تأكدت أن هذا الحدث لن يمر على خير، وسيكون مثار حديث وسخرية وسائل الإعلام المحلية والعالمية، وقد كان!، انتظرت أن ينتفض أحد المتخصصين بعد سماعه لهذا الكلام ويخرج علينا ليناقش بطريقة موضوعية ويطرح الأسئلة البديهية حول هذه الاكتشافات ويضعها في نصابها العلمي أمام الرأي العام، ولكن للأسف لم يحدث!

اعلان
 
 
إسلام حسين