قوانين الحد الأقصى للأجور.. للتفعيل أم للاستهلاك السياسي؟

​جاء تهديد 140 قيادة مصرفية بالبنوك الحكومية بتقديم استقالات جماعية، احتجاجا منهم على تطبيق الحد الأقصى للأجور، ليعيد تسليط الضوء مجددًا على مدى إمكانية وجدية السلطة الحاكمة في تطبيق الحد الأقصى في البلاد.

على عكس ما يتصور البعض فإن إقرار الحد الأقصى لم يبدأ في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي عبر إصداره القرار بقانون رقم 63 لعام 2014، بل إنه أُقِر إبان فترة حكم المجلس العسكري من خلال المرسوم بقانون رقم 242 والذي صدر في 28 ديسمبر 2011. ما الذي منع تطبيق هذا القانون الأخير؟ هل صدور القانون الجديد وإلغاء القانون الأسبق هو ضمانة للتنفيذ أم غياب للإرادة السياسية للتفعيل؟ يسعى هذا المقال الموجز إلى تناول هذه القضايا باختصار.

من المفترض أن المرسوم الذي صدر إبان حكم المجلس العسكري دخل حيز التنفيذ منذ يناير 2012 على الرغم من أنه لم يكن هناك إلزام بخصوص توقيت إصدار اللائحة التنفيذية والتي صدرت أثناء فترة حكومة الجنزوري في 28 مارس 2012 بقرار مجلس الوزراء رقم 322. والتزامًا بهذا القانون كان من المفترض أن تؤول الزيادات عن الحد الأقصى قبل 30 يومًا من نهاية السنة المالية (2011-2012) إلى حساب وزارة المالية رقم 9/450/81554/5 (بالمناسبة هذا هو نفس الحساب الذي ستضاف فيه الزيادات طبقًا للقانون الأخير)، وهو الأمر الذي لم نسمع عنه شيئًا. بل تأتي المفارقة أن الحكومات المتعاقبة استمرت في الإعلان عن سعيها من أجل إقرار الحد الأقصى على الرغم من وجود قانون قائم بالفعل.

هذا المسلسل العبثى استمر أيضًا مع حكومة الببلاوى أثناء الرئاسة المؤقتة للمستشار عدلي منصور، عندما أصدرت الحكومة في 19 يناير 2014 قرار رقم 63 من أجل تفعيل هذا المرسوم. هذا القرار الذي كان شديد الغرابة حيث قُدِم للرأي العام كقانون جديد وليس لائحة تنفيذية من أجل تفعيل القانون رقم 242 لعام 2011. وقد احتوى القرار على أمور مختلفة عن القانون رقم 242، مثل استثنائه العاملين بهيئات التمثيل الدبلوماسي والقنصلي والتجاري وغيرهم ممن يمثلون مصر أثناء مدة عملهم في الخارج، أو العاملين الذين يصدر بخصوصهم قرار جديد من مجلس الوزراء لتحديد الحد الأقصى للأجور الخاص بهم.

جاءت نهاية هذا المسلسل بالقرار بقانون رقم 63 في الثاني من يوليو عام 2014، والذي أصدره الرئيس عبدالفتاح السيسي، والذي قُدِم أيضًا على أنه أول خطوة في إقرار الحد الأقصى للأجور. هذا القانون ألغى جميع القرارات والقوانين السابقة، وصدرت لائحته التنفيذية بقرار مجلس الوزراء رقم 1265، والذي صدر في 19 يوليو 2014.

اللافت للانتباه أنه قد تكون المسودة الأخيرة للقانون هى الأفضل من سابقيها، إلا أنها لا تحتوى على خلافات جوهرية عن القانون الأول مما يبرر تعثر القانون الأول عن التنفيذ، أو يوحى بإن التعديلات الأخيرة قد تضمنت حقًا إقرار الحد الأقصى.

القانون الأخير بالتأكيد هو الأكثر شمولًا، سواء في تعريفه للدخل أو الهيئات التي تخضع للحد الأقصى. فقد حدد القانون الأخير أنه لا يجوز أن يزيد صافي الدخل الذي يتقاضاه الموظف من أموال الدولة أو من أموال الهيئات والشركات التابعة لها أو الشركات التي تساهم تلك الجهات في رأسمالها عن 35 ضعفًا، وبما لا يزيد عن 42 ألف جنيه. كما أنه حين أقر أنه لا يسري على بدل سفر أو مصاريف انتقال أو إقامة، حدد أن تكون نفقات مؤداة فعليًا وتصرف في حدود القواعد والنظم المعمول بها. هذا على عكس القانون الأول الصادر في 2011 الذي أشار لمجموع الدخل، وربط الحد الأقصى بالحد الأدنى للدرجة الثالثة التخصصية أو ما يعادلها، ودون تحديد مبلغ الـ42 ألف جنيه. كما أنه في الإشارة لبدلات السفر والانتقال لم يحدد أن تكون مؤداة فعليًا أو في حدود القواعد والنظم المعمول بها.

أما بخصوص الهيئات التي تخضع لهذا القانون فغنه لم يستثني أحد، بل إنه قد يكون وضع نفسه في مشكلة بإضافته للشركات التي تساهم الدولة في رأسمالها. هذا وقد أُضيفت القوات المسلحة والأزهر الشريف والهيئات التابعة له وجميع الهيئات الاقتصادية أيًا كانت أداة إنشائها، والأشخاص الاعتبارية العامة أيًا كان مسماها أو أداة إنشائها، على عكس إغفال ذكرهم بذلك الوضوح في القانون السابق على الرغم من اشتماله على معظم الهيئات التي ذكرها القانون الجديد. العاملون الوحيدون المعفيون هم أعضاء السلك الدبلوماسي أثناء عملهم فقط بالخارج، وهو ما لا يُذكر في القانون السابق.

على صعيد آخر، وإن نظرنا لآليات التحصيل نفسها فهي بدورها لم تشهد تغييرًا كبيرًا. ففي القانون الأول كان يتم الإعلان عن الحد الأقصى من السلطة المختصة (دون تحديدها) ثم يتم تشكيل وحدة محاسبية داخل كل هيئة تقوم باستقبال إقرارات الموظفين بالزيادة عن الحد الأقصى. وتقوم الجهة الإدارية عن طريق الوحدة المحاسبية بتدقيق الإقرارات وإرسالها للجهاز المركزي للتنظيم والإدارة لتدقيقها أيضًا، ثم يقوم الموظف بدفع الزيادات خلال ثلاثين يومًا من انتهاء السنة المالية. في هذا القانون الأخير لا توجد إقرارات مطلوبة من الموظف، لكن تقوم الوحدة المحاسبية بحساب الزيادة وإخطار الموظف بالزيادة خلال ثلاثين يومًا من نهاية عام الصرف، على أن يقوم هو أيضًا بتسديدها خلال ثلاثين يومًا من إخطاره. فهنا ما زالت مسؤولية سداد الزيادة تقع على الموظف، وإن كان دون أن يحسبها هو.

بالإضافة لذلك، ففي القانون الأول تُلزم الدولة الجهات التي تعطي أي مبالغ لعاملين بجهات أخرى مشمولة في هذا القرار بإبلاغ تلك الجهات بالمبالغ التي صرفتها لهم، أو إرسال المبالغ مباشرة لتلك الجهات عبر شيكات تحدد فيها العاملين المستحقة لهم تلك الشيكات، دون تحديد موعد أقصى للإبلاغ أو عقوبة في حالة التخلف عن ذلك، فقط يحظر للعامل العمل في جهات أخرى، سواء تلك الخاضعة لهذا المرسوم أو لا، دون موافقة جهة عمله. أما في القانون الأخير فيوجد ذات الإلزام ولكن خلال ثلاثين يومًا من تاريخ صرفها وعلى مراقبي حسابات وزارة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات التحقق من تمام إبلاغ الجهة التابع لها العامل فقط عن المخالفة، ويُسأل العامل “تأديبيًا” بجهة الصرف.

أما المشكلة الكبرى فهي غياب العقوبة والغرامة في القانون الأخير بخلاف القانون الأول. ففي القانون الأول يُعاقب من يرفض تقديم الإقرار أو رد الزيادة بغرامة 25% من المبلغ الزائد على الحد الأقصى، وبحد أقصى 100% من هذا المبلغ بالإضافة لرد ما تقاضاه بالزيادة، وتؤول المبالغ خلال 10 أيام من تاريخ سدادها للخزانة العامة. أما في القانون الأخير، ففي حالة الامتناع تقوم الجهة التابع لها العامل باستقطاع المبلغ الزائد من أي مبالغ تكون مستحقة له لديها أو لدى جهة أخرى في موعد غايته نهاية شهر ديسمبر من العام التالي لعام الصرف.

لذا يتبين من هذا العرض اننا لسنا بصدد قانون تغير جذريًا عن سابقيه، وهنا يبقى السؤال: لماذا لم يُطبق منذ إقراره في يناير 2012؟، أو كيف عالج هذا القانون إشكاليات أخرى مثل هيكل الأجور والتنافسية مع القطاعات الأخرى التي تتطلب كفاءات؟

فحقيقة، دون الإعلان عن الأسباب الحقيقة لفشل القانون السابق، أو الإعلان بوضوح عن معالجة القضايا العالقة عبر التفاوض مع أصحاب المصلحة، لن يعالج هذا القانون أو غيره إشكالية الحد الأقصى.

اعلان