أكبر من الفشل؟
 
 

عندما يعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي عن مشروع، عادة ما يكون مشروعًا ضخمًا. ففي شهر مارس 2013، عندما كان وزيرًا للدفاع، دشن السيسي مشروع سكني كبير لبناء مليون وحدة لمحدودي الدخل في مصر. وفي شهر أغسطس أعلن أن حفر قناة السويس الجديدة سوف يتم خلال سنة واحدة فقط.

لقيت تلك المشاريع صدى جيد لدى المصريين المتعطشين لأية بادرة تقدم وللمشاريع القومية الجريئة بعد أعوامٍ من الركود الاقتصادي. لكن حجم تلك المشاريع الهائل وسرعة إنجازها قد يقلل من فرص نجاحها، على نهج الإدارات السابقة الراسخ.

عندما أعلن السيسي عن المشروع لأول مرة قال إن مشروع المليون وحدة سوف يوفر مساكن لمحدودي الدخل من المصريين. وتم توقيع مذكرة تفاهم في شهر مارس بين وزارة الدفاع المصرية وشركة الإنشاءات «أرابتك»، والتي تعود ملكية 21% منها إلى صندوق آبار للاستثمار الذي تملكه حكومة أبو ظبي.

وكان من المخطط أن يقوم الجيش المصري بالتبرع بمساحة 160 مليون متر مربع من الأراضي، معظمها على أطراف القاهرة، على أن تقوم “المصارف المصرية والأجنبية” بتمويل البناء والرهون العقارية. وتم تحديد القيمة الكلية للمشروع لتكون 40 مليار دولار (ما يعادل 280 مليار جنيه مصري تقريبًا).

ورغم أن الجيش قد روج للمشروع على أنه إسكان لمحدودي الدخل، إلا أن «أرابتك» أشارت، في تصريح صحفي، إلى أن المنازل التي يتم بناؤها سوف تندرج تحت بند الإسكان المتوسط، وهو ما اتفق معه المحللون.

ومن خلال عملية حسابية بسيطة نجد أن المنازل التي تم بناؤها على الأرجح لن تكون في متناول أيدي المصريين: إذا قسمنا 280 مليار على مليون وحدة، وطرحنا نسبة للمرافق والبنية التحتية، سنجد أن تكلفة المنزل تبلغ نحو 200,000 جنيه مصري.

لم يتم الإفصاح عن الكثير من تفاصيل الخطة، ومن المبكر جدًا توقُع إذا كان مشروع «أرابتك» سيواجه تأجيلات لفترات طويلة، ومع ذلك فقد واجهته بالفعل بعض الصعوبات.

في بداية شهر أكتوبر تغيرت شروط التمويل. بدلًا من المصارف المصرية والأجنبية التي لم يتم الإفصاح عن أسمائها، أصبحت «أرابتك» مسؤولة عن البحث عن مصادر لتمويل المشروع، والتي سوف تكون جميعها مصادر أجنبية.

ومع أنه قد جاء في التصريحات الأولية أنه سيتم توفير الأراضي مجانًا للقائمين على العمل، إلا أن الحكومة تراجعت عن ذلك. وبدلًا من التبرع بالأرض تريد الحكومة المصرية بيعها لشركة «أرابتك»، من خلال وزارة الإسكان وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

المهندس المعماري يحيى شوكت، أحد الباحثين في مجال الإسكان وصاحب مدونة “وزارة إسكان الظل”، يقول إن شركة «أرابتك» لا تريد الدفع نقدًا، بل تريد أن تتخلى عن جزء من الوحدات التي تم الانتهاء منها لوزارة الإسكان. وبما أن ذلك سوف يؤدي حتمًا إلى انخفاض أرباح المبيعات، فمن المحتمل أن تحاول «أرابتك» الحصول على عائدات أكبر من بيع المنازل.

والنتيجة؟

يقول شوكت: “سوف يؤدي ذلك إلى زيادة في الأسعار قد تصل إلى 25 في المئة حسب تقديرات البعض”.

وفي تصريح أدلى به المسؤولون بشركة «أرابتك» لسوق دبي المالي قالوا إن الوصول إلى اتفاق مع الحكومة قد تطلب “مفاوضات واجتماعات مكثفة”. ورغم أن العمل كان من المفترض أن يبدأ في ربع السنة الحالي، بدءًا من 11 نوفمبر، إلا أن الشركة صرحت أنها “تأمل” أن يبدأ البناء قبل نهاية العام.

لم يكن خبر التأجيل مفاجئًا لمتابعي سياسات الإسكان في مصر. فمشروع «أرابتك» ما هو إلا الحلقة الأحدث في سلسلة من الخطط الإسكانية الكبرى التي تبدأها الحكومة.

وكان آخر تلك الخطط هو مشروع المليون وحدة الذي تم تدشينه عام 2011 تحت إشراف المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي تولى إدارة البلاد بعد ثورة 25 يناير. ولقد تعهد هذا المشروع بتسليم مليون منزل جديد خلال خمس سنوات، لكنه فشل في تحقيق هذ الهدف فشلًا ذريعًا.

يقول شوكت: “أخذوا يؤجلون ويماطلون. كانوا قد تعهدوا بتسليم 50,000 وحدة في شهر يونيو 2014. لكن تم التأجيل إلى شهر أكتوبر. وفي أكتوبر قالوا إنهم سوف يسلمون 13,000 وحدة فقط، على أن يتم تسليم باقي الوحدات على مدار العام المالي”.

ويضيف شوكت قائلًا إنه منذ شهر أكتوبر تم تسليم 57 شقة فقط، ولا توجد أية بادرة لمحاسبة المسؤولين عن المشروع على التأخير.

يقول شوكت: “لم يقدموا اعتذارًا عن التأخير. هذا هو الوضع الراهن. وفي الوقت ذاته لا يوجد أي اعتراض شعبي على تأخر المشروع”.

لقد اعتاد المصريون ببساطة على التأجيلات، وهم كثيرًا ما يودعون أموالهم في مشاريع تنموية كبرى قبل أن يوضع حجر أساسها بسنوات. فقد قامت محافظة القاهرة مؤخرًا بتسليم 1000 شقة كان الملاك قد دفعوا ثمنها عام 2008.

يضيف شوكت قائلًا إن المسؤولين عن الإسكان لم يتعلموا من أخطاء الماضي، ولم يأخذوا وقتًا لمراجعة ما إذا كانت وعودهم بتسليم عدد هائل من المنازل في وقت قصير هى استراتيجية ذكية أم لا.

يقول شوكت: “هم يندفعون وراء المشاريع الضخمة، لكن في نهاية الأمر لا يتم الانتهاء منها”.

قناة سويس أكبر وأفضل

لا شك أن أكبر المشاريع الحكومية الحالية هو مشروع توسيع قناة السويس الهائل.

كشف السيسي وسط صخب إعلامي كبير عن بناء قناة سويس “جديدة” موازية للقناة القديمة، للسماح بالمرور في المجرى المائي في اتجاهين من خلال حفر 72 كيلومترًا إضافيين. كما فاجأ السيسي هيئة قناة السويس بطلبه استكمال العمل في غضون عامٍ واحد، بدلًا من ثلاثة أعوام كما في الخطة الأصلية.

استحوذ المشروع على المخيلة الشعبية على الفور. وفي خلال أقل من أسبوعين كان قد تم بيع سندات قناة السويس بقيمة 64 مليون جنيه. نحو 82 في المئة من الشهادات اشتراها مواطنون عاديون، حسب حديث محمد نادر، رئيس شركة آرتشر للاستشارات وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للأسهم الخاصة. أما القطاع المصرفي بأكمله فقد ساهم بنحو 27 مليار جنيه مصري.

لقد بدأ العمل في مشروع توسيع قناة السويس، ونظرًا لما لاقاه من دعاية وشعبية، فمن غير المحتمل أن يذهب طي النسيان. لكن الحجم الهائل الذي يُطمَح إليه أسفر عن بعض المشاكل بالفعل.

في حين شكك الخبراء في المنطق الاقتصادي للمشروع. يزعم المسؤولون أن خطط التوسع والتنمية سوف تزيد عائدات القناة لتصبح 13.5 مليار دولار في عام 2023، مقارنة بما سجلته من عائد العام الماضي بلغ 5.3 مليار دولار. لكن التوسع في القناة لا يعني بالضرورة زيادة المرور، فأنماط الشحن تعتمد بشكل كبير على توجهات التجارة العالمية.

وحسب تقدير إسلام ممدوح، المهندس صاحب الخبرة في إدارة مشاريع البنية التحتية في الشرق الأوسط، فإن التغييرات التي سوف تحل على القناة سوف تدر من 200 إلى 300 مليون دولار إضافية سنويًا.

يقول ممدوح: “يقولون إن العائد سوف يتضاعف، لكني لا أرى ذلك ممكنًا”.

كما أن الجدول الزمني المضغوط الذي تم تحديده للمشروع سوف يؤدي إلى زيادة تكلفة الإنشاء حسب ما وضحه ممدوح. فأعمال الحفر المطلوبة معقدة للغاية، خاصة بعد ضغط لجيش لكي لا يتم حفر الحارة الجديدة بالقناة بمسافة أبعد من 400 إلى 600 متر عن الحارة الحالية.

ويشير المشككون إلى أن ذلك سوف يخلف جزيرة ضيقة ذات مساحات طويلة من الأراضي المطلة على البحر التي يمكن أن تستخدم للعقارات. لكن حفر المجرى المائي الجديد على مقربة من المجرى القديم يسهل مهمة الجيش في تأمين المجرى المائي بأكمله.

وفي الوقت نفسه قد يؤدي الحفر على تلك المسافة الصغيرة إلى تسريب مياه القناة القديمة إلى القناة الجديدة، وهذا يعني أن معظم أعمال القائمين على الإنشاء سوف تكون من خلال التجريف، وليس الحفر الجاف الذي يكون أبسط وأقل تكلفة.

يقول ممدوح: “الأفضل من الناحية الهندسية هو أن تكون القناة على بعد 10-15 كيلومتر من القناة القديمة”. فمع وجود مسافة كافية بين القناتين يكون من الممكن حفر القناة الجديدة كلها تقريبًا باستخدام الحفر الجاف، لتوفير الوقت والمال. ويضيف قائلًا: “إن التربة الرطبة تكلف أكثر بكثير من التربة الجافة”.

كان السيسي قد تعهد بأن من سيقوم بالعمل شركات مصرية بالتعاون مع الجيش المصري. لكن التجريف في تربة رطبة خلال عام واحد فقط جعل ذلك مستحيلا.

فكل القائمين بأعمال التجريف في مصر مجتمعين لا يستطيعون تحريك أكثر من 250,000 متر مكعب من التربة يوميًا كما يقول ممدوح. في ظل الجدول الزمني القديم الذي يمتد إلى ثلاث سنوات كانت الشركات المصرية ستعمل بأقصى طاقتها، لكن إنجاز هذا العمل خلال عام واحد مستحيل. ومع وجود نحو 300 مليون متر مكعب يجب أن يتم تجريفها بحلول بداية شهر أغسطس، سيكون على المتعهدين بالحفر تجريف نحو 1.3 مليون متر مكعب يوميًا.

وبالتالي لجأت مصر إلى شركات أجنبية، حيث تعاقدت مع اثنين من اتحادات الشركات الأجنبية للمساعدة في أعمال التجريف ودفعت لهما ما يزيد على ملياري دولار.

يتكون اتحاد الشركات الأول من: الشركة الوطنية للتجريف البحري الإماراتية National Marine Dredging Company، وشركتين هولنديتين هما رويال بوسكاليس وستمينستر Royal Boskalis  Westminster وفان أورد Van Oord، ومجموعة يان دو نول البلجيكية Jan de Nul Group، وقد تلقى هذا الاتحاد 1.5 مليار دولار للمساعدة في حفر قناة طولها 50 كيلومتر موازية للقناة الأصلية.

أما اتحاد الشركات الثاني فيتكون من الشركة العالمية للتجريف هولندية الجنسية Dredging International وشركة جريت ليكس دريدج آند دوك Great Lakes Dredge & Dock ومقرها في الولايات المتحدة. وسوف يتم دفع 540 مليون دولار لهذا الاتحاد لتعميق وتوسيع مساحة تبلغ 25 كيلومتر في الفرع الغربي من قناة السويس، عند البحيرة المرة الكبرى ومنطقتي الدفرسوار وكبريت.

كما وفدت أنباء تفيد أن الحكومة تتفاوض مع الشركة الألمانية هيرينكنيشت المساهمة Herrenknecht AG لحفر أنفاق تحت القناة، وهو مشروع آخر كان قد تم التعهد به للجيش في البداية.

قد تنجح مصر بمساعدة الشركات الأجنبية في استكمال العمل بالقناة في الوقت المحدد، لكن سوف يترتب على ذلك حرمان الشركات المصرية من تعاقدات أعمال البنية التحتية التي تصل قيمتها إلى مليارات الجنيهات.

وقد يتم اتباع نفس النهج مع مشاريع أخرى أصغر حجمًا بالمقارنة مع هذا المشروع.

وفي نوبة من “العجرفة التنموية” ـ كما وصفها المخطط الحضري ديفيد سيمز، الذي يعكف حاليًا على إصدار كتاب عن المشاريع المصرية “القومية” الضخمة ـ أعلن السيسي عن بدئه سلسلة من المشاريع من هذا النوع.

ضمن أول المشاريع التي قدمها السيسي بعد فوزه بالانتخابات كانت خطة استرداد 4 ملايين فدان من الأراضي، ويذكرنا هذا المقترح بمشروع توشكى في عهد مبارك الذي مني بالفشل الذريع.

كما أعلنت مصر أنها سوف تحوِّل ميناء دمياط على البحر المتوسط إلى مركز عالمي لتجارة الحبوب. ويهدف هذا المشروع، الذي تبلغ قيمته 15 مليار جنيه مصري، إلى بناء مركز لتصنيع ومعالجة القمح وحبوب الصويا والسكر والذرة ومنتجات أخرى، بالإضافة إلى بناء رصيفين جديدين لاستقبال سفن البضائع العملاقة، وتأسيس محطة إقليمية للتداول التجاري.

تم تحديد مدة عامين للانتهاء من المشروع، وبذلك أصبح هو الآخر من المشاريع المتوقع أن تؤتي بنتائج هائلة في وقت قصير. ويتساءل سيمز في هذا الخصوص: “ما رأيكم بهذه الفكرة: لماذا لا تبدأون على نطاق صغير؟ هل سمعتم من قبل عن المشاريع التجريبية؟”.

كل هذه المشاريع بالإضافة إلى مشاريع تطوير الطرق والكباري والبنية التحتية كلفت الحكومة بمهام تبدو مستحيلة. وفي ظل تاريخ من الوعود الباطلة، وانخفاض سقف توقعات الشعب، والإعلام الذي لا يسعى لمحاسبة المسؤولين عند عدم اكتمال المشاريع، يبدو سجل الحكومة غير مبشر بالنجاح، لكن في الوقت ذاته لا يوجد ما يجعلها تخشى عواقب الفشل.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن