حين يؤسس النظام لإرهاب جديد

“للنتائج أسباب” هذا ما حاول الأكاديمي والصحفي الأمريكي فريد زكريا توضيحه في مقاله التحليلي المطول «لماذا يكرهوننا؟» النيوزويك – 15 أكتوبر 2001، أراد كصاحب رأي بعيد عن السلطة وشيطان التفاصيل أن يساعد بلاده ـ مجتمعًا ودولة ـ في البحث عن الأسباب التي أدت إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، قبل أن تتوحّل في الصخب والهيستيريا وتتورط، ومعها العالم كله، في “حربٍ على الإرهاب” مبنية على غضب الثأر وسياسة الفسطاطين you are either with us or against us التي فرضها جورج بوش الابن على العالم في خطابه أمام الكونجرس 20 سبتمبر 2001.

أعلنها زكريا صراحةً، أن الثأر ليس حلًا أو ضامنًا لمواجهة الإرهاب لأن أمريكا جَنَت قبل أن يُجنى عليها، “لذا نريد إجابات والإجابات التي سمعناها كانت مريحة ومعتادة، فمثلًا نحن ندافع عن الحرية وهم يكرهون ذلك، نحن أغنياء وهم يحسدوننا، نحن أقوياء وهم مستاؤون من هذا… كل ذلك صحيح، غير أن هناك ملايين في الدول المصدرة للإرهاب لا يحملون السلاح ضدنا ولا يقاتلوننا لكنهم يكرهوننا لأنهم يعانون من فقر وجهل واستبداد واضطهاد أغرقتهم فيها أنظمة ديكتاتورية وسلطوية ساندتها أمريكا ودعمت مستبديها لعقود طويلة”.

ولأنها كأي سلطة تحركها دائمًا ثقافة حاكمة واحدة تصم أذانها عن كل صوت خارج سربها وتُعمي أبصارها عن نتائج معادلاتها الصفرية المتكررة، فبعد ثلاثة عشر عامًا يطلب أوباما من العالم، من المكان نفسه وبالمصطلحات نفسها، دعمه في جولة جديدة من المعركة نفسها “الحرب على الإرهاب” ضد جماعة إرهابية جديدة ويعود فريد زكريا لسؤاله الأول “بعد 13 عام، لماذا يكرهوننا؟”.

***

قصة تبدو طويلة لكنها مهمة، يشبهها الواقع المصري في تفاصيلها الأولى، فمصر أيضًا قررت أن تحارب الإرهاب منتهجة سياسة الفسطاطين وما ترتب عليها من سياسات (السيسي – مرسي/ الأمن – الحقوق والحريات) لكن دون تهويل، يبدو أن النتيجة المصرية ستكون مستقبلًا أسوأ.

في أمريكا، وعلى الرغم من الـ Patriot Act الذي صدعنا به المحللون الأمنيون، إلا أن الجامعات وطلابها كانوا دائمًا خارج الدائرة الجهنمية للمعارك السياسية.

وهنا، وكلما أطلعت على قرارات المسؤولين (الحكوميين والجامعيين) التي جعلت من الجامعات جبهة حرب، أو حتى سمعتهم وهم يتحدثون حتى اللحظة عن خططهم وإنجازاتهم الآنية والمستقبلية (ولا يهمهم إن كانت غير قانونية) لمحاربة الإرهاب في الجامعات، تأكدت أن النظام، وبضيق أفق، وَرَّط المستقبل في معادلاته السياسية حينما جعل الشباب طرفًا في صراعه مع الإخوان المسلمين.

نعرف ما يفعله الإخوان هنا وهناك ولن نختلف حوله، لكن ما يحدث في الجامعات أكبر وأهم من الإخوان وأبعد من بواباتها وأخطر من مظاهراتها. ما يحدث مع الطلبة تشير كل تفاصيله إلى أن النظام في مصر “بيدٍ يحارب إرهابًا وبالأخرى يُمهد الأسباب لإرهابٍ جديد”.

***

كان مما حفظناه عن المتخصصين والأكاديميين أن الإنسان لا يولد إرهابيًا بالفطرة، فكلنا أبناء مجتمعاتنا وما يتراكم لدينا من أفكار وتجارب يُشكل فكرنا وسلوكنا، ومعه ما نخضع له من مؤثرات خارجية إيجابية كانت أم سلبية، وأخطر مراحل العمر وأكثرها حرجًا وأهميةً هما مرحلتا المراهقة والشباب، ولن نبالغ إن قلنا أن ملامح مستقبل الفرد والمجتمع ترسمها المرحلتان.

وفهمُّونا أيضًا أن الإرهاب الفكري والنفسي (التسلط، الظلم، القمع، التخويف، تقييد الحريات، الاضطهاد.. إلخ) وأسبابهما هم الخطوة الأولى والأكبر نحو الإرهاب بالقوة، ومنطقيًا كلما زادت حدة الفعل زادت حدة رده بل وتضاعفت.

ويعرف دارسو تاريخ الجماعات الإرهابية والتاريخ السياسي أن كل الإرهابيين تحولوا “يأسًا وانتقامًا” إلى الإرهاب في شبابهم، وأنهم ليسوا كما تُصورهم دراما وحيد حامد أبناء الجهل والفقر فقط أو الخلل النفسي والعقلي كما تقول دائمًا التصريحات الحكومية.

منهم مثلًا أحمد الدروي من ضابط (مستقيل) بالأمن الوطني إلى قيادي في داعش، ومعه في نفس التنظيم إسلام يكن طالب ليسيه الحرية وكلية التجارة سابقًا.

ومنهم من لم يُرهب الناس وأرهبه اليأس والظلم وأخذا منهم حياتهم بدايةً من عبدالحميد شتا أول كلية الاقتصاد المنتحر، ابن المزارع  الذي لم يحق له أن يلتحق بالخارجية وحتى البريئة زينب مهدي التي لم يخجل الخاطفون لحياتها من الإتجار بمأساتها لصالح قضاياهم الخاسرة.

تنوعت النتائج البائسة والأسباب واحدة .

***

في تفاصيل ما يحدث للطلبة خلف أسوار جامعاتهم أخبار وقصص عن “أبجديات المستقبل المنسية والضائعة”، وحسابات السياسة العمياء، وهيستيريا الحاضر وفوبيا من الإخوان.. لا فارق بين التعليمي والأمني أو بين الاكاديمي والسياسي (والمسيس) أو حتى بين التربوي والانتقامي.

أساتذة ومسؤولون على “الكراسي المؤقتة” يُرهِبون الطلاب قولًا وفعلًا، فكريًا ونفسيًا ويعايرونهم:

–       وزير التعليم العالي: “مجانية التعليم سبب الإجرام في الجامعات”.

–       رئيس جامعة الأزهر: “اللي هيشتم مصر هفخت عينه“!

–       رئيس نادي أعضاء هيئة تدريس الأزهر: “أنا مشغل جواسيس من الطلبة”!

–       رئيس جامعة القاهرة: “طلبة المدن الجامعية بياكلوا فراخ ولحمة ما بيكلوهاش في بيوتهم“.

وطلاب متفوقون، هكذا تقول عنهم التقارير والشهادات الجامعية والتنسيق كما أنهم لا يعرفون للإخوان أو للسياسة طريقًا، فصلتهم كلياتهم تعنتًا واستسهالًا دون أسباب (إقرأوا قصة حسن، 22 عامًا، طالب الفرقة الخامسة بطب القصر العيني)، أو تجاهلتهم الجامعة في تكريم رئيس الجمهورية للمتفوقين واكتفت بمن سيضحكون من الأساتذة والطلاب “عشان الصورة تطلع حلوة”.. وآخرون مفصولون لأسباب هزلية، منهم علياء، (17 عامًا) طالبة الفرقة الأولي بكلية العلوم جامعة القاهرة، لتصويرها أماكن مهجورة في جامعة القاهرة!، أو لأرائهم على الفيسبوك .

وكل المفصولين قررت الجامعة التشهير بهم، فعلقت افتخارًا لافتات بأسمائهم على بواباتها متناسية أن للجامعة صفة غير الانتقام من المستقبل. قد لا يعرف كثيرون أن قرارًا صدر من المجلس الأعلى للجامعات يمنع قبول الطلاب المفصولين من جامعات حكومية بالجامعات والمعاهد الخاصة.

(عدد الطلاب المفصولون حسب تحقيق أجرته مؤخرًا المصري اليوم غير الإخوانية: 84 طالبًا في العام الدراسي 2014- 2015 و442 طالبًا في العام الدراسي 2013- 2014).

وطلاب مسجونون لا نعرف أسماءهم ولا حتى عددهم، لكن ما نعرفه بالتأكيد عنهم أن كثيرين منهم لم يتجاوزوا الـ18 عامًا، أي أنهم بحكم القانون والدستور أطفال وموجودون الآن في الزنازين، قرر من قرر أن ينتقم من المستقبل فيهم فساواهم  بالمجرمين والقتلة والمسجلين خطر.

ناهيكم عن إلغاء الأنشطة الطلابية والمعسكرات الجامعية المهمة لتطبيق ما يدرسونه، وإيقاف الطلاب لأن عناوين كتبهم أو بعض من “أحرازهم” مُدرج في القائمة الهيستيرية.

***

لمن لا زالت فوبياهم من الإخوان تحجب عنهم الرؤية، إقرأوا كلام دكتور أحمد عبدربه، المدرس المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، عن حكاوي تلامذته في يوم دراسي واحد، وكيف صارت الجامعة “مصنعًا للإرهاب”:

“دخلت مكتبى طالبة وانهارت لأنها مش قادرة تستوعب أن ده جو الجامعة، قالتلى إنها خايفة تتكلم ليكون وسط زمايلها مخبرين، وعلشان كده بتكتم في نفسها وما بتتكلمش، بعدها بشوية بنت باشرف على رسالتها دخلت عليا بـ(فلاش ميمورى) لأنها خايفة تشيل ورق وملازم وكتب فيها كلام عن السياسة!، بتقول لى عن ناس كتير خوفتها من عنوان الرسالة ونصحتها تشوف عنوان تاني والأحسن موضوع تانى سياسي بعيد عن مصر! بتحكيلي أنها خايفة تدخل المكتبة تدوّر في كتب معينة لها علاقة بموضوع الرسالة لحسن حد يترقبها! وبتحكيلي إن ده تخوف عام عند زميلاتها.

وأنا ماشى طلبة وطلاب بيحكوا معايا إنهم شايفين الجامعة إزاي… باختصار مكان يمارسوا فيه نماذج المحاكاة باعتبارها الحاجة الوحيدة اللي بتشدهم لأنهم خلاص فقدوا الأمل في الدراسة والعلم بسبب العنف والجو الكئيب البوليسى اللى في الجامعة! وإنهم بيدوروا من دلوقتى على كورسات بره الجامعة علشان تنفعهم بعد التخرج”.

***

في كلمته يوم المناورة بدر 2014، تحدث الرئيس عن الشباب وشدد على أنه يحتاجهم لأنهم الطاقة والبراءة.

وأظنه حفاظًا على هذا الوطن يحتاج أولًا لناصحٍ (غير استراتيجي) خائف على المستقبل يؤمن أن المستقبل والماضي لا يجتمعان. وأنه آن الأوان لتنظر الدولة أمامها ولتضع مرسي والإخوان وبناء مصير المستقبل عليهم خلفها، ولترفع يديها عن الشباب لتراهم في برائتهم وطاقتهم، قبل أن نسمع يومًا عن انفجارهم يأسًا أو تفجيراتهم انتقامًا، وحتى لا يأتي علينا يومٌ بائس نقول في نهاره “أحسن ما نبقى زي سوريا والعراق” ويستعيذ من حولنا في ليله “أحسن ما نبقى زي مصر”.

كان أن جمعتني جلسة بعدد من أشهر الأكاديميين المصريين والمختصين في العلوم الإنسانية وفي السياسة تحديدًا (مؤيدين لـ30 يونيو)، سألتهم: هل يمكن بعد سنوات قليلة أن نعيد نفس السؤال الأول كما فعل فريد زكريا؟، أجابوني جميعًا قلقًا: نعم!

اعلان
 
 
ناريمان ناجي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن