القُصَّر.. ضحايا السياسة والمعتقلات
 
 

العام الماضي تظاهر مجموعة من طلاب جامعة المنصورة، لكن حملة القبض على الطلاب المشاركين في المظاهرة لم تترك حتى عابري السبيل. من بين هؤلاء كان الطالب بالثانوية الصناعية إبراهيم رضا، ذي الستة عشر عامًا، الذي أتى من قريته في هذا اليوم لمدينة المنصورة لقضاء بعض الاحتياجات، وقاده حظه العثر أمام الجامعة، ووقف ابن القرية ليرى مشهد المظاهرة التي يراها للمرة الأولى في حياته، بحسب ما قالت والدته، نبيات حكيم، لـ«مدى مصر».

تقول الأم أن ابنها تعرض في طفولته لحادثة دهس أدت إلى شلل في الجانب الأيسر من جسده، ورغم أنه تعافى قليلًا مع الوقت لكن لا تزال الإصابة تؤثر على سمعه وحركته بشكل كبير، وتضيف: “ليس من المنطقي لشخص في ظروفه الصحية أن توجه له اتهامات بالعنف والإرهاب واستعراض القوة أمام قوات الأمن”.

إلا أن إعاقة رضا الجسدية لم تمنع قاضٍ من سجنه لمدة عامين.

من جهتها، تقول المجموعة الحقوقية المستقلة «الحرية للأطفال» أن أكثر من ألف قاصر تم القبض عليهم خلال العام ونصف المنصرم. مؤسسة المجموعة مروة عرفة تزعم أن معظم هؤلاء الأطفال تم القبض عليهم عشوائيًا أثناء اشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن.

تقول عرفة أن معظم هؤلاء القُصَّر يواجهون انتهاكات صارخة داخل السجون ومؤسسات الرعاية، في مخالفة صريحة لقانون الطفل المصري. وتضيف أن أعمار معظم هؤلاء القُصَّر لا تزيد على أحد عشر عامًا، وكثير منهم تم الحكم عليه بعقوبات حبس “قاسية جدا”.

كان عبدالله سلطان في السابعة عشرة من عمره حينما تم القبض عليه، الآن يقضي عقوبة الحبس المؤبد مع 23 آخرين في قضية مقتل سائق التاكسي الشهيرة العام الماضي بالمنصورة. إلا أن والدة سلطان، أم هاشم محمد، تؤكد أن ابنها تم القبض عليه في مدينة طلخا قبل أيام من مقتل سائق التاكسي.

تقول الأم أن سلطان كان عائدًا من اعتصام رابعة العدوية بعد فضه في أغسطس 2013، حينما تم القبض عليه من ميكروباص في مدينة طلخا وهو في طريقه للمنزل، وتضيف: “اشتبه فيه ضابط الشرطة عشان هدومه كانت متبهدلة، عرفنا بعد أيام من البحث عنه إنه مقبوض عليه، بعدها بشهور اتحول لمحاكمة وما كُناش حتى فاهمين إيه التهم الموجهة ليه، بعدين عرفنا إنهم أضافوه لقائمة المتهمين في قضية قتيل التاكسي”.

نبيات وأم هاشم تقولان أن ابنيهما يعانيان في مؤسسات رعاية القصر المحتجزان بها حاليًا، حيث تم حبسهما مع جنائيين يعملون على مضايقتهم بشكل مستمر. تقول “نبيات” أن ابنها قضى تسعة أشهر في قسم دكرنس حيث تم تعذيبه وضربه بشكل دوري وتم احتجازه مع الكبار، “بس كل ده كان أرحم من مؤسسة الرعاية اللي هو فيها دلوقتي”.

تضيف أن ابنها مجبر على خدمة “قيادات عصابات الأطفال الجنائيين” داخل مؤسسة الرعاية، وتستكمل: “ابني بيتضرب كل يوم بدون اعتبار لإعاقته، ابني عايش في كابوس”.

تقول عرفة أن القبض العشوائي هو السمة السائدة في حالات القبض على القصر، وتضيف: “لاحظنا قبل عيد الأضحى مجموعة من الأطفال من مناطق مختلفة في القاهرة تم القبض عليهم ووضعهم في قضية واحدة بدون أي رابط يجمعهم. بعد أيام اكتشفنا أن أحد الأطفال القُصَّر تم القبض عليه عشوائيًا بتهمة الانتماء لخلية إرهابية وتم تعذيبه يوميًا للاعتراف بأسماء باقي أعضاء الخلية، فما كان منه إلا أنه ذكر أسماء الأطفال الذين يلعب معهم الكرة في مركز الشباب حتى يتجنب التعذيب”.

في بعض الأحيان، بحسب عرفة، يتم القبض على القُصَّر للضغط على ذويهم المطلوبين في قضايا سياسية، حيث يتم القبض على معظم هؤلاء أثناء اقتحامات لمنازل بعض المطلوبين، وحينما لا تجد قوات الأمن هؤلاء المطلوبين، يتم القبض على أبنائهم أو أشقائهم.

بدورها، تقول المحامية الحقوقية المتخصصة في قضايا العنف ضد الأطفال، رنا يونس، أن القبض على القُصّر في قضايا سياسية قد زاد بشكل ملحوظ مع بداية الأزمة السياسية الأخيرة، وتضيف أن هؤلاء القُصَّر يواجهون الكثير من الانتهاكات التي قد تؤدي لتحولهم إلى مجرمين في نهاية الأمر، “بعض القُصَّر يحاكمون في قضايا جنح ويتم حبسهم مع الجنائيين، والبعض الآخر يتم حبسهم مع الكبار”.

حتى الأحكام التي تصدر ضد بعض هؤلاء الأطفال تخالف في كثير من الأحيان قانون الطفل، الذي يمنع أحكام المؤبد والإعدام ضد القُصَّر، تؤكد يونس: “لدينا حالات لقُصَّر تم الحكم عليهم بالمؤبد والإعدام، بينما يواجه البعض الآخر محاكمات عسكرية”.

احتجاز القُصَّر، على الرغم من الارتفاع الملحوظ في عدد حالاته خلال الفترة الأخيرة، لم يكن أبدًا وليد الأزمة السياسية التي أعقبت الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، لكنه يعود لما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير. أطفال الشوارع كانوا أول من دفع ثمن أزمة سياسية طاحنة.

خلال فترة حكم المجلس العسكري، وثقت منظمة هيومان رايتس ووتش 43 حالة محاكمة قُصّر أمام محاكم عسكرية في 2012. الحملة الشعبية لرعاية أطفال الشوارع قدرت أنه تم محاكمة أكثر من ألف من أطفال الشوارع أمام محاكم عسكرية منذ تولي المجلس العسكري السلطة في فبراير 2011. تقول يونس أنه تم القبض على الكثير من أطفال الشوارع بشكل عشوائي خلال الاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن، حيث تم إلقائهم في السجون لمدد طويلة قبل “فبركة” اتهامات ضدهم، على حد قولها، “في بعض الأحيان يتم اتهام هؤلاء الأطفال بالتشرد والتسول، وهي اتهامات غير منصوص عليها في قانون العقوبات”.

لكن العميد راضي عبدالمعطي رئيس وحدة التواصل المجتمعي وحقوق الإنسان في وزارة الداخلية يقول أن الأعداد المعلنة للقُصَّر المحتجزين “مبالغ فيها بشكل كبير”. ويضيف أن تقديرات المنظمات الحقوقية المستقلة ما هى إلا محاولات “لإيذاء مصر وتشويه سمعتها الدولية”، مضيفًا أن الوحدة تقوم بزيارات دورية ومفاجئة للسجون وأماكن الاحتجاز، كما يقوم المجلس القومي لحقوق الإنسان والمجلس القومي للأمومة والطفولة بزيارات مشابهة للكشف عن أحوال المسجونين والقُصَّر في المؤسسات العقابية.

بينما قد تشير تصريحات اللواء محمد عبدالواحد، مدير إدارة البحث الجنائي في وزارة الداخلية، لأسلوب مختلف. في حوار مع فضائية «المحور» الخاصة، قال عبدالواحد أنه تم القبض على 300 شخص معظمهم من القُصَّر في الخمسة أشهر الأخيرة بتهم إدارة صفحات وحسابات على مواقع التواصل الإجتماعي تحرض ضد الجيش والشرطة. “عندي دلوقتي مشكلة مع القُصَّر”، هكذا قال عبدالواحد، مضيفًا: “عندي قُصَّر بيرتكبوا أبشع الجرائم وبيتم التعامل معاهم على إنهم قُصَّر مش كبار”، معبرًا عن استيائه من العقوبات الهزيلة التي يتم الحكم بها عليهم طبقًا لقانون الطفل.

ويضيف مستنكرًا: “قبضت على طفل عنده 13 سنة بيدير لوحده 35 صفحة على الفيسبوك، دي جريمة.. جريمة عقلية مش جسدية”، مطالبًا بإصدار تشريعات خاصة لمكافحة الجرائم الإليكترونية.

إلا أن عبدالمعطي يصر أن الوزراة تتبنى ثقافة جديدة لحقوق الإنسان، حيث تتم معاملة السجناء طبقًا للمعايير الدولية لمواثيق حقوق الإنسان، “ليه ممكن نلم العيال ونرميهم في السجون؟ ما عندناش أي مصلحة عشان نعمل كده”.

قضية محمد أسامة وصديقيه في محافظة بني سويف ربما تثبت العكس.

تم القبض على محمد وأصدقائه قبل عيد الأضحى بيومين أثناء شرائهم ملابس العيد. قالت تحريات قسم الشرطة أنهم ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين ويتظاهرون بشكل غير قانوني.

بعد إحالتهم لمحكمة الجنايات، أكدت تحريات الأمن الوطني أن القُصَّر الثلاثة ليس لهم أي علاقة بالجماعة، الأمر الذي دفع المحكمة لتبرئتهم الأسبوع الماضي.

يقول المحامي أسامة خليل، والد محمد، لـ«مدى مصر»: “لحظهم السيئ، كانوا يمشون في نفس الطريق الذي سارت فيه مسيرة مؤيدة للإخوان. كانت قوات الشرطة تقوم بحملة للقبض على المشتبه فيهم من أعضاء الجماعة بعد انتهاء المسيرة بساعة كاملة وتصادف مسير الشباب الثلاثة. نظر أحد الضباط تجاههم، وربما ظهر على وجههم التعب، مما أثار شكوكه أنهم شاركوا في المسيرة”.

ويضيف الأب: “كل شيء يعتمد على وجهة نظر سيادة الضابط، يكفي فقط الشك والاشتباه في أي شخص للقبض عليه، ربما لم يعجبه منظر القُصَّر الثلاثة”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن