الطريق المقدس إلى السياحة
 
 

دشنت وزارة السياحة في 21 أكتوبر الماضي رحلة جديدة تتبع المسار الذي يزعم أن العائلة المقدسة أخذته عبر مصر، في محاولة منها لتشجيع أنواع مختلفة من السائحين لزيارة مصر.

ومن المفترض أن يجذب هذا المشروع نحو 500,000 سائح من أسواق جديدة في البلاد التي بها نسبة كبيرة من المسيحيين، مثل جنوب آسيا، وروسيا، وشرق أوروبا، وأمريكا اللاتينية.

أغلب السائحين يزور مصر حاليًا لسببين رئيسين: الآثار ومنتجعات البحر الأحمر مثل شرم الشيخ ودهب، ولذا نجد السوق موجهة حسب هذه الأسباب. أي متجر سياحي في مصر يبيع منتجات متعلقة بالفراعنة، مثل ورق البردي المكتوب عليه باللغة الهيروغليفية، أو تماثيل بلاستيكية صغيرة لأهم المعالم التاريخية المصرية: الأهرامات.

لكن هناك آمال أن تؤدي هذه خطة ترويج المواقع المقدسة الجديدة إلى فتح مصر أمام الحجاج المسيحيين وتنشيط هذا القطاع الاقتصادي الذي أصابه التدهور منذ الثورة.

في بعض الأحيان تكون السياحة الدينية مصدر دخل هائل. فالدخل الذي يعود على المملكة العربية السعودية من الحج إلى مكة يصل إلى 16.5 مليار دولار، أي نحو 3% من إجمالي ناتجها القومي. وتقدر منظمة السياحة الدولية التابعة للأمم المتحدة عدد الحجاج سنويًا بنحو 300 مليون شخص.

وسواء كانت هناك حقًا سوق للسياحة الدينية في مصر أم لا، وهذا أمر لم يحسم بعد، فالأمر متوقف على التسويق وعلى القيمة الروحية والتاريخية للمواقع الدينية في مصر.

تقوم قصة هروب العائلة المقدسة في مصر على رواية إنجيل متى، حيث ذكر أن ملاك الرب قال ليوسف أن يأخذ الطفل يسوع إلى مصر ليهرب من الملك هيرودس، الذي أمر بقتل كل الأطفال في المملكة بعد أن أخبره المجوس أن ملك اليهود قد ولد.

مريم عياد، أستاذة العلوم المصرية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، تقول إنه لا يوجد أي دليل أثري على رحلة العائلة المقدسة عبر مصر. لكن هناك دليل على مواقع الحج في مصر تعود إلى القرن الرابع بعد الميلاد.

وهناك أيضًا مخطوطات قبطية من القرن الخامس بعد الميلاد يتحدث فيها البطريرق عن رحلة العائلة المقدسة عبر مصر.

ورغم عدم وجود دليل أثري على وجود العائلة المقدسة في مصر، إلا أنه هناك عدد من المواقع المقدسة تم بناء الأضرحة والمزارات التاريخية فيها لتخليد ذكرى رحلة العائلة المقدسة. وعلى أساس تلك المزارات وما ذكر في الكتاب المقدس قامت الحكومة بتخطيط مسار رحلة العائلة المقدسة.

 لكن السوق تعتمد أيضًا على الأهمية الروحية لهذه المواقع، وليس على التثبت من صحتها فقط.

تشير عياد إلى إن آلاف الحجاج يزورون المواقع المرتبطة بالعائلة المقدسة سنويًا، وأشهرها جبل الطير والمطرية في القاهرة. وتقول: “طبقًا للموروث الشعبي، قامت العائلة المقدسة بالاستظلال بشجرة جميز في المطرية. ويعرف هذا الموقع اليوم باسم “شجرة مريم”. وبالقرب منها تم بناء كنيسة وجامع لتخليد ذكرى تلك الزيارة”.

وتضيف قائلة إن آلاف الحجاج يزورون جبل الطير سنويًا، “يشهد هذا الموقع العديد من الزوار في شهر أغسطس، حيث يأتي الحجاج للاحتفال بعيد ارتقاء العذراء”.

بدوره، يؤكد هاني حنا، أحد المسؤولين في وزارة الآثار، أن السائحين قد يأتون إذا تم إعطاءهم الحوافز المناسبة، وإذا تم الترويج للمواقع بشكل جيد. “العديد من السائحين يزور دير سانت كاترين فقط، لكننا نمتلك مواقع أخرى كثيرة”.

وترى عياد أن خطة الحكومة للاستفادة من هذه المواقع جيدة، “خاصة إذا تضمنت وسائل تنقل إلى بعض الأماكن البعيدة”، وتضيف شارحة: “سيكون رائعًا لو كانت هناك رحلات نيلية من المنيا وإليها، ليس بغرض زيارة المواقع المرتبطة بالعائلة المقدسة فقط، بل لزيارة المواقع المصرية القديمة أيضًا”.

يتفق الأب أنجيلوس راعي كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة مع أن خطة الحكومة تعد خطة جيدة. ويقول إنه لطالما جاء الأجانب إلى القاهرة القبطية لزيارة الكنائس والمواقع التي اختبأت بها العائلة المقدسة من الملك هيرودس، مضيفًا أن رحلة العائلة المقدسة لها نفس أهمية الأهرامات والتماثيل الأثرية.

لكن عدد السائحين في السنوات القديمة قل بشكل مطرد. ويوضح الأب أنجيلوس قائلًا: “لدينا بعض المشاكل والمتاعب” مشيرًا إلى الاضطراب السياسي الذي شهدته مصر منذ ثورة 2011، ويضيف: “الأجانب يخشون المجيء إلى هنا”.

أحمد يحيى، أحد العاملين مع المجموعات السياحية في مصر، يقول إن هذه الرحلة الجديدة طريقة رائعة لوضع مصر على خريطة السياحة الدينية، ويوضح: “تتشابه الرحلة مع طريق القديس يعقوب في إسبانيا الذي يعتبره الناس مسارًا روحيًا. وهو الطريق الذي أخذه واحد من أهم القديسين. أما المسار الموجود في مصر فهو مسار المسيح نفسه، ولذا أظن أن العديد من الناس سوف يأتي لزيارته”.

ويعتقد يحيى أن التحدي الأكبر الذي سوف تواجهه الحكومة في الترويج لرحلة العائلة المقدسة سيكون التمويل. كما يرى أن هذه الرحلة سوف تجتذب السائحين من أوروبا وروسيا بشكل أكبر، حيث يفضلون زيارة الأماكن غير المألوفة. ويقترح أن يقوم القطاع الخاص بسد النقص وتغطية تكاليف تنظيم الرحلات وتنسيق النقل والإقامة.

ويشير يحيى إلى أن السبب الوحيد لعدم شهرة رحلة العائلة المقدسة كمزار سياحي كبير هو أن أحدًا لم يفكر في الترويج لها حتى الآن. لكن بما أن الحكومة تسعى إلى الترويج لرحلة العائلة المقدسة، يتوقع أن يأتي على الأقل آلاف الحجاج إلى مصر شهريًا إذا تم التعامل مع المشروع بشكل صحيح.

ويقول الأب أنجيلوس إن الكنيسة القبطية “على علاقة جيدة جدًا بالحكومة”، وإنها تعمل معها على تخطيط الرحلة.

وفي القاهرة القديمة، وداخل كنسية أبي سرجة، قابل الأب أنجيلوس مرشدًا سياحيًا ذا خبرة كبيرة في الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالعائلة المقدسة. وخلال المقابلة أخرج خريطة من الورق المقوى للرحلة، يحتفظ بها في مكتبه لعرضها على الأجانب. وفي منتصف الحوار بينهما سرد على سائحين ألمانيين قصة رحلة العائلة المقدسة التي يحفظها عن ظهر قلب.

اعلان
 
 
بِشا ماجد