هل هذا وقت حقوق الإنسان؟

هيمنت السياسة مؤخرًا على الأحاديث العائلية وبين الأصدقاء، وأصبح هذا أمرًا معتادًا في مصر. وإحدى الجمل التي أسمعها تتردد كثيرًا هي أن هذا هو وقت التقدم الاقتصادي والأمن والاستقرار، لكنه ليس وقت حقوق الإنسان. لقد كانت السنوات الثلاث الماضية صعبة علينا كلنا، أيما كان المعسكر السياسي الذي ننتمي إليه. ومن المفهوم أن يشعر بعضنا بالحاجة إلى المضي قدمًا وتقديم التضحيات. لكن علينا أن نفكر قليلًا إذا ما كانت التضحية بحقوق الإنسان (في الوقت الراهن) في سبيل المصلحة العامة استراتيجية حكيمة.

في البداية اسمحوا لي أن آخذكم في رحلة قصيرة إلى عام 1948، وقت تعرف العالم للمرة الأولى على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كان هذا الإعلان بمثابة تأسيس لمذهب حقوق الإنسان دوليًا، وقد تبنته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة حديثة العهد حينذاك. ورغم أن مجموعة المبادئ التي يرسيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان غير ملزمة، إلا أن الميثاقان الرئيسان اللذان جاءا بعد ذلك في عام 1966، وهما الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية والميثاق الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كانا وما زالا ملزمان قانونًا، ويجب على كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي صدقت عليهما تطبيقهما.

وهناك حقيقة مثيرة للاهتمام ينبغي الإشارة إليها في هذا الصدد: إن قوانين حقوق الإنسان لم يكتبها ويتبناها أكثر الناس رومانسية وإحسانًا وعطفًا في العالم؛ بل أن من كتبوها لم يكونوا حتى نشطاء حقوقيين، الحكومات هي التي قامت بكتابة قوانين حقوق الإنسان. والحكومات، على عكس الشعوب، ليست لديها مشاعر أو آراء، بل لديها استراتيجيات ومصالح ونفوذ. فعندما تقرر الحكومة التوقيع على وثيقة ملزمة بمسؤوليات محددة لحماية حقوق شعبها، وعندما تقوم الحكومة بتخصيص موارد مالية لإدارة مؤسسات مكلفة بحماية هذه الحقوق وتطبيقها، وعندما تختار الحكومة التوقيع على مجموعة من القواعد التي سوف تقيد تصرفاتها، فلا بد أن يكون هناك نفع من وراء ذلك، ولا بد أنها سوف تجني من ورائه شيئًا.

فلنتأمل هذه الفكرة إذًا: ماذا تستفيد الحكومة من حماية الحريات؟

لقد أثبت لنا التاريخ أن الحركات السرية غالبًا ما تكون أكثر قوة من الحركات التي تمارس نشاطها في العلن. فعلى سبيل المثال، لا يوجد شك أن أكثر معاناة شهدتها أوروبا كانت في ظل نظام هتلر النازي الفاشي. لكن المفارقة هي أن الأحزاب الفاشية ما زالت تمارس نشاطها في أوروبا حتى اليوم. وهذا ليس لأن الحكومات الغربية غير قادرة على تطبيق القانون، ولكن لأنه من مصلحة البلد أن يتم السماح لتلك المجموعات المتطرفة، والموجودة في كل مكان على وجه الأرض، بالعمل تحت أعين العامة (وليس تحت أعين الدولة فقط). فكلما خرجت تلك المجموعات إلى العلن، كلما أصبح خيار العمل في الخفاء غير مطروحًا. ففي المجتمع المفتوح الذي يجد فيه الناس سبل للتعبير عن آرائهم وممارسة حقوقهم السياسية ومحاسبة حكوماتهم، لن يسارعوا للانضمام إلى حركات سرية.

ولذا فهي ليست مصادفة عندما نجد الدول القمعية أرض خصبة لصعود الحركات الإرهابية. ومصر خير مثال على ذلك. عمل الإخوان المسلمون في مصر في الخفاء منذ أكثر من 80 عامًا، والقوة التي راكموها من خلال عملهم السري مكنتهم من الوصول إلى حكم مصر. وبغض النظر عن العوامل المؤثرة في هذا الموقف التاريخي المعقد إبان حكم الاخوان، يمكننا القول أن العمل العلني على مدار عام هو الذي أطاح بهم.

لماذا إذًا ينبغي على الحكومة الحفاظ على دولة القانون؟

من الناحية الاستراتيجية نجد أن حبس أو إعدام شخص ظلمًا لا يحل أية مشكلة. بل يخلق في الواقع مشاكل أخرى أكثر بكثير. ماذا نتوقع مثلًا من مراهق تم إعدام والده ظلمًا وهو في الثانية عشرة من عمره؟ فهذا الفتى يعلم أن والده بريء، وأن القاضي لم يأخذ سوى دقائق معدودة لسماع دفاع والده (إذا سمعه من الأساس). والفتى يعلم أيضًا أن سائر المجتمع يهلل لهذا الحكم. وهكذا فإن المستقبل المتوقع لهذا الفتى هو الانضمام إلى المجموعات الأصولية التي تعمل في الخفاء. والأمر لا يتطلب ذكاءً خارقًا لرؤيته، فهذه واقعة متكررة تناولتها الدراما المصرية في التسعينيات حتى مللنا منها.

وعلى الجانب الآخر، فلا يمكننا اختيار القوانين التي نريد تطبيقها وترك ما دونها. فإما نريد دولة قانون يطبق على جميع المواطنين أو لا. وطالما يوجد نظام، سواء كان فاسدًا أم لا، فالمنظومة تعمل من تلقاء نفسها، طبقًا للطريقة التي تم تحديدها. بعبارة أخرى، إن المنظومة القانونية الفاسدة التي تحكم بسجن رجل بريء لا بد وأن تفشل في ضمان حقوقك وحقوقي في حال تعارضت المصالح مع شخص أكثر نفوذًا منك ومني. وأنت وأنا سوف نفكر أكثر من مرة قبل أن نستثمر في بلد لا يطبق فيه القانون، حيث لا يمكن أن نتوقع مع من قد تتضارب مصالحنا يوما.

لعلك تقول لنفسك الآن إن هذه الاستراتيجية تجاه حقوق الإنسان قد تفلح في دول أخرى، لكن مصر تحتاج إلى “قبضة من حديد” لتحقيق الأمن. لكن الحقيقة عكس ذلك.

إن توافر فرص التعليم والرعاية الصحية والمأوى هي حجر الأساس في خطاب حقوق الإنسان. فالتعليم والرعاية الصحية والمأوى مقتضيات ضرورية للعيش بكرامة. وفي موجتي الانتفاضة اللتين شهدتهما مصر في التاريخ القريب، لم تقم أكبر فئة مجتمعية في مصر ـ وهم الأربعون في المئة الذين يعيشون تحت خط الفقر ـ بزعامة أي منهما، وعلى الأرجح لم يشارك فيهما الكثيرون من هذه الفئة أيضًا.

ولعلنا، أنا وأنتم، لا نرغب في أن نشهد اليوم الذي تصل فيه تلك الجماهير في مصر إلى نقطة الغليان. فإذا حدث ذلك لن تكون هناك قوة شرطية في الشرق الأوسط تقدر على احتواءه.  ولذلك، لكي نمنع حدوث هذا الأمر، نتفق على أنه يجب أن تكون هناك إصلاحات اقتصادية على الفور. لكن كيف لنا أن نتوقع أن تستفيد الشرائح الدنيا من استثمارات ضخمة مثل مشروع قناة السويس، والاستثمارات الأجنبية المباشرة والسياحة، إذا كان أغلب المصريين لم يحصلوا على مستوى لائق من التعليم؟ أي عمل يمكنهم الحصول عليه للترقي على السلم الاجتماعي والحصول على حياة أفضل؟

ولنفترض أن التعليم قد تم إصلاحه بشكل كامل. كيف سنضمن حصول خريجي الجامعات على فرص متكافئة، في ظل استمرار الفساد في مؤسسات الدولة؟ ما هي السبل المتاحة لهؤلاء الشباب للطعن في قرارات المسؤولين الذين ينحونهم جانبًا ليعيّنوا أبناء وبنات مواطنين آخرين ذوي حظوة؟ ألا يعيدنا هذا إلى نقطة البداية؟ نحن في حاجة ماسة إلى قضاء فعال، وإلى دولة القانون، وإلى العدالة لكي يحصل كل شخص على فرصة لحياة أفضل. إذا لم يحدث ذلك لن يحظ أحد بالأمن والأمان.

الخريج الشاب الذي تم تجاوزه لأنه ليس لديه واسطة سوف ينضم إلى الفتى ذي الاثني عشر عامًا الذي حكم على والده بالإعدام ظلماً، وسيقوم الاثنان بالانقلاب على باقي المجتمع بصورة عنيفة على الأرجح. ولا عجب أن زعماء الحركات السرية قد حصلوا على تعليمٍ عالٍ. لكن التعليم في غياب حقوقٍ أخرى لا يضمن مجتمع مسالم.

ليس هناك شك أن العديد منا يسعى إلى الاستقرار. لكن الوصول إليه والثمن الذي سندفعه من أجل الاستقرار يتطلب ما هو أكثر من مجرد عقلية أمنية. إن مصر تمر بوقت عصيب، ولقد حان الوقت للخروج من دائرة الانحيازات المفرغة. في بلد لا يوجد فيه سوى عرق واحد وثقافة واحدة ولغة واحدة وحقيقة واحدة، نحتاج إلى الرجوع إلى مفاهيم النقاش الأساسية، والاحترام المتبادل، ودرجات الخلاف الذي ينطوي على الاحترام.
في مثل هذا الوقت لن تفلح استراتيجية واحدة، وسوف تفشل السياسة ذات الفكر الأحادي، كما أن تفنيد الموقف إلى أبيض وأسود سوف يؤدي إلى نتائج مدمرة. في هذا الوقت تحتاج مصر إلى التقرب إلى أجيالها المختلفة والآراء السياسية المختلفة. فالهجوم المتعنت على كل ما تراه السلطة “مختلفًا” سوف يودي بنا جميعًا.

اعلان
 
 
دينا إسكندر