قراءة في شهادة خطيرة من داخل مطبخ الدولة الشائخة (الحلقة الثانية)

“كل واحد يلم ولاده”.. وصفة الجنرالات لحل مشاكل مصر!

………………………………………………

ـ المشير طنطاوي لرئيس تحرير الأهرام: لا تنشروا لأعداء مصر وخذوا ما تريدون من فلوس ولا تهتموا بالتوزيع ـ في ظل الحديث عن ظروف البلاد الصعبة: ظرف به 25 ألف جنيه وشاشة بلازما تصل إلى مكتب رئيس تحرير الأهرام في يوم ستة أكتوبر ـ من المسئول عن إخفاء دفتر تسليم السلاح والذخيرة الذي يثبت تورط مبارك وقادة الداخلية في قتل شهداء يناير؟
​……………………………………………………………………….

“وما سُمّي الإنسان إلا لنَسيِهِ”، ولذلك تجد من يرى أن حكم الجنرالات هو طريق مصر الوحيد للأمان والإستقرار والنجاة من مصير سوريا والعراق وليبيا، وينسى أن سوريا والعراق وليبيا كان يحكمها جنرالات قتلوا السياسة وحوّلوا البلاد إلى ثكنات عسكرية وأجبروا الشعب كله على أن يسير “معتدل مارش” واحتكروا وسائل الإعلام وقطعوا ألسنة كل من يفكر في السؤال عن مصير البلاد أو يعترض على طريقة تقسيم مواردها أو ينتقد أسلوب إدارتها، ومع ذلك أصبح مصير سوريا والعراق وليبيا كما ترى، فكيف تطلب إذن لمصر مصيرًا مثل ذلك وأنت تظن أنك تهديها طريق الرشاد؟

ليست المسألة موقفًا من أشخاص، ولن تكون، فمشكلة الحكم في مصر لن تتغير برحيل قائد عسكري ومجيئ قائد عسكري آخر، لأن جوهر المشكلة هو أن العقلية العسكرية في إدارة الأزمات لا يمكن أبدًا أن تكون صالحة لإدارة حياة المدنيين، ولذلك خلق الإنسان عبر تطور حضارته أداة (السياسة)، لا لكي يحل مشاكله المعقدة حلولًا نهائية، بل ليتمكن من إدارة تناقضات حياته بأقل خسائر ممكنة وأكثر مكاسب يمكن الحصول عليها، وهو أمر لا يصلح لفعله سوى رجال السياسة بكل ما فيهم من عبر وعيوب، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال التجربة والخطأ والاعتماد على آليات السياسة وعلى رأسها تشجيع التنافسية ودعم حرية التعبير وخلق مساحات الحوار ونشر الوعي والتثقيف وتقوية المجتمع المدني بكل مؤسساته وإعادة هيكلة أجهزة الأمن ورفع كفاءتها للتركيز على الأمن الجنائي لا السياسي، أما أن تترك كل هذا خلف ظهرك وتمارس قتل السياسة مع سبق الإصرار والترصد وتظن أن حل مشاكلك سيتحقق عبر إطلاق صلاحيات القادة العسكريين الذين لا يؤمنون سوى بمفردات الحسم والسحق والتطهير وسري للغاية والسيطرة، فلا تستغرب إذن عندما تتعقد الأزمات وتستفحل المصائب ويستعجل الخراب والعياذ بالله.

تأكيدًا لهذا الكلام الذي يعتبره الكثيرون ثقيلًا على قلوبهم ويطالبون بتخوين وقمع كل من يردده، يقدم عبدالعظيم حماد رئيس تحرير صحيفة «الأهرام» المنتخب عقب خلع مبارك، في كتابه «الثورة التائهة» شهادة خطيرة تؤكد أن كل ما جرى عقب الثورة من تخبط ثم ارتباك ثم فشل ثم مذابح، كان سببه الأهم طريقة الإدارة الكارثية التي تعامل بها جنرالات المجلس العسكري مع الأزمات المتتالية، وهو ما تكثفه واقعة صغيرة يرويها حماد عن اللواء إسماعيل عتمان مدير إدارة الشئون المعنوية بالقوات المسلحة عقب الثورة وعضو المجلس العسكري، الذي كان يرى أن حل مشكلة المظاهرات التي يقوم بها الشباب “في أيديكم يا صحفيين ويا إعلاميين”، فقال له حماد: “أتوسل إليك دلني عليه”، فقال له: “اكتبوا وقولوا يا مصريين كل واحد يلم أولاده”، لاحظ أن من يطرح هذا الحل المضحك الذي يدل على أن صاحبه لم يفهم ولو للحظة حقيقة ما كان يجري في مصر طول العشر سنين الماضية على الأقل، هو أكثر قادة المجلس العسكري اتصالا بالصحف ووسائل الإعلام، والذي يفترض أنه كان مكلفًا بأن ينقل إلى قادة المجلس كل ما يكتب في الصحف ويذاع في وسائل الإعلام من حلول مطروحة لحل العديد من الأزمات قبل أن تتفاقم، ومن تحذيرات لعدم الإصرار على اتخاذ سياسات خاطئة تؤدي لإشعال صراع لا يعلم مداه وفداحته إلا الله.

وإذا كان هذا هو موقف المسئول عن قراءة وتحليل ومتابعة وسائل الإعلام وإحاطة قادة المجلس العسكري بها علما، فلا تستغرب أن يكون موقف المشير محمد حسين طنطاوي حاكم البلاد وقائد المجلس العسكري أكثر سوءًا وأشد خطورة، وتعال لنرى ذلك من خلال هذه الواقعة التي يرويها عبدالعظيم حماد، والتي حدثت في يوم 22 يوليو 2011 خلال حفل إفطار في تخريج طلبة الكلية الحربية، في ظل الغليان الذي كان يشهده الشارع المصري في جميع محافظات مصر، حيث قال المشير طنطاوي لعبدالعظيم حماد في حضور الفريق سامي عنان والدكتور عصام شرف رئيس الوزراء “خذوا بالكم في «الأهرام» إنكم منا ونحن منكم ولا تنشروا شيئا لهؤلاء الذين يريدون تخريب مصر. فسألته: من هم هؤلاء الذين يريدون إيذاء مصر وتريدنا أن لا ننشر لهم أو عنهم وهذا واجب علينا، فقال: إنهم هؤلاء الذين لا يريدون للبلاد أن تهدأ وتفيق من أزمتها الإقتصادية الحالية، وهؤلاء الذين يتمولون أو يتوجهون من الخارج. قلت: ليتكم يا سيادة المشير في المجلس الأعلى والحكومة تحددون لنا من هؤلاء بالإسم والمستندات وستجدون أننا أول من يحاربهم، قال: لم يحن الوقت بعد. قلت: إذن لا تستطيع «الأهرام» ولا غيرها من الصحف ولا حتى تليفزيون الحكومة أن يتجاهل ما يقال في الميادين وما دامت المعلومات التي في حوزتكم ليست عندنا ولا تريدون أن تطلعونا عليها، فلا نستطيع أن نعود لمخاصمة فريق من المواطنين لخلافهم مع الحكومة أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة وإلا فقدنا ثقة قرائنا مرة أخرى. وهنا كان الأستاذ لبيب السباعي رحمه الله قد انضم إلى الحديث، فقال المشير: خذوا ما تريدون من فلوس ولا تهتموا بالتوزيع، فقلت: يا سيادة المشير «الأهرام» بحمد الله لم تأخذ يومًا ولن تأخذ يومًا مليمًا من الحكومة، وأضاف الأستاذ لبيب: المهم يا سيادة المشير أن لا تفقد «الأهرام» الشارع مرة أخرى، فقلت: إن عدم الاهتمام بالتوزيع والتعويض عنه بفلوس القوات المسلحة يعني مقدما الاستعداد للإستغناء عن تأثير «الأهرام» في الرأي العام، وأظنكم لستم مستعدين لذلك مثلنا تماما، وانتهى الحديث، وأتذكر أن ذراع المشير اصطدمت بزجاجة مياه فانسكبت على أطباق الطعام”.

لا تنس أن عبدالعظيم حماد كان يتحدث بكل هذه الثقة مدفوعًا بالزخم الثوري الموجود في الشارع، وأنه لو كان هذا الحوار يدور الآن بين أي رئيس تحرير وبين المشير عبدالفتاح السيسي لانسكبت زجاجة المياه على رأس رئيس التحرير وليس على أطباق الطعام، لا تنس أيضًا أنه حتى الآن لم تقم أجهزة الدولة بتحويل اتهاماتها بالتمويل إلى قضايا مدعمة بالمستندات والوثائق، لتنتقل فقط من مرحلة التلقيح إلى مرحلة استخدام الشراشيح والكلاب العضاضة في الصحف والفضائيات لنشر هذه الإتهامات دون أدلة ولا براهين، ظنًا منها أن ذلك سيفيدها إلى الأبد في تدعيم جبهة شعبية تهلل وتطبل ولا تكترث بكل ما تتسبب به للبلاد من كوارث. 

 على أية حال، المثير أن المشير طنطاوي لم يقتنع بكلمة مما قاله عبدالعظيم حماد ليلتها، بل ربما ظن أنه يقوم بممارسة “شو إعلامي” ـ إحدى كلمات الجنرالات المفضلة لوصف من يقوم بالإعتراض عليهم ـ وأنه يمكن أن تكون هناك طريقة أخرى للتفاهم معه، لذلك لم يكتف بأن يعرض عليه “فلوس القوات المسلحة” شفهيًا، بل قرر أن يحول ذلك إلى عرض عملي، كما يروي عبدالعظيم حماد في كتابه قائلا “ومع ذلك فقد جاءت الفلوس لكنها جاءت إلي بصفة شخصية وبالتحديد في شهر أكتوبر التالي. زارني في «الأهرام» دون موعد ضابط برتبة مقدم يحمل مظروفا سمينا، اتضح فيما بعد أنه يحتوي على مبلغ 25 ألف جنيه، وبطاقة تهنئة بعيد القوات المسلحة، موقعة من المشير محمد حسين طنطاوي، تساءلت: ما هذا المبلغ، ولماذا؟، فأخرج إيصالًا صادرًا من هيئة الشئون المعنوية للقوات المسلحة لتوقيعه بالإستلام، وقال إن هذا المبلغ هدية من الشئون المعنوية بمناسبة عيد 6 أكتوبر، وأعطاني إيصالًا آخر لتسلم جهاز تليفزيون بلازما، وعلى الفور أدركت أنه لا فائدة من الجدال مع الضابط فهو مندوب من قياداته”.

بعد مغادرة الضابط مكتب حماد اتصل بلبيب السباعي رئيس مجلس الإدارة فعلم أن هذا المقدم زاره في مكتبه في الطابق العاشر قبل أن يزوره، وتشاور الإثنان حول ما يمكن فعله لرد المبلغ، واتفقا على قبول التليفزيون من باب اللياقة، وكان رأي لبيب أنهم لن يقبلوا منهم رد المبلغ، وأن عليهم إيجاد طريقة لعدم أخذه، فاقترح عليه أن يحاولا رده أولا فإن لم يقبلوا استعادته فليفكروا عندها في طريقة أخرى، وذهب الإثنان في المساء التالي إلى اللواء اسماعيل عتمان في مكتبه، فرفض استرداد المبلغ رفضًا باتًا وقال إن المشير سوف يعتبر ذلك إهانة شخصية. في طريق العودة اتفق حماد ولبيب رحمه الله على التبرع بالمبلغ كاملًا للأعمال الخيرية، حيث تبرع به حماد لجمعية «نحن مدينون لمصر» في حسابها بالبنك العربي الأفريقي فرع مصر الجديدة بتاريخ 19 أكتوبر 2011.  

لا أظن أنك ستستغرب لماذا لم يتعرض أحد للمحاسبة بعد نشر هذه الواقعة الخطيرة حول إهدار أموال القوات المسلحة في وقت كان المشير طنطاوي يتحدث هو وكل قادة المجلس العسكري وكل مسئولي الدولة عن ضرورة التقشف وشد الحزام ومراعاة ظروف الدولة الصعبة والترفع عن المطالب الفئوية، ولا أظنك عبيطًا لكي تسأل عن كم المبالغ وقيمة الهدايا التي حصل عليها رؤساء التحرير والمذيعون عبر سنين تولي المشير طنطاوي لموقعه، ولا أظنك مستغنيًا عن حياتك وسلامتك لكي تسأل عن ما الذي يمنع أن يكون هذا مستمرا في الحدوث حتى الآن في ظل ما تحدث عنه المشير عبدالفتاح السيسي من حرص على تكوين الأذرع الإعلامية، فأنت تعلم أن مصر مستهدفة عبر العصور وأن الله قد كتب عليها أن تظل في عنق الزجاجة، وليس من اللياقة أن تسأل عن طريقة حكم بلد محشورة في عنق الزجاجة، حتى لو كان من يحكمونها بكل هذا الفشل يحشرون الزجاجة في عنقك وعنق أولادك.

أنت أيضا لن تستغرب أصلًا السكوت على هذه المعلومات الخطيرة إذا قلت لك أن في الكتاب معلومة أخطر جاءت بشكل عابر في سياق فقرة منه، وكان يمكن لها أن تحسم إلى الأبد ملف جريمة قتل المتظاهرين التي ارتكبها حسني مبارك وقادة وزارة الداخلية وضباطها، حيث ينقل عبدالعظيم حماد عن المستشار عمر مروان، أمين لجنة تقصي الحقائق التي تم تشكيلها عقب الثورة، أنه قال له يوم شم النسيم 2011 في منزل صديقهما الأستاذ الدكتور محمد سعد الأستاذ بطب عين شمس أن “الأدلة كافية لمحاكمة مبارك والعادلي ولواءات الداخلية على الرغم من إتلاف الأسطوانة المدمجة التي سجلت صوتيًا أوامر الضرب في المليان، إذ تبقى دفتر تسليم السلاح والذخيرة الحية لضباط وجنود الأمن المركزي سليمًا لم يمس”، ومع ذلك فأنت لم تسمع عن هذه المعلومة الخطيرة في كل وسائل الإعلام التي تنبح طيلة الوقت باتهامات لمن هب ودب من القوى الخارجية والهلامية بمسئوليتها عن قتل المتظاهرين، مع أن من يروي المعلومة مستشار عيّنه طنطاوي، ورئيس تحرير صحيفة «الأهرام» كبرى صحف الدولة الشائخة التي تتهم الثورة بأنها تريد هدمها، ولعلك تستطيع أن تخمن كم ظرفًا سمينًا وكم شاشة بلازما وكم تسهيلًا وكم تشهيلًا وكم مجاملة وكم خدمة تكلفت مصر لكي يتم إخفاء هذه المعلومة لكي تظل حبيسة كتاب واحد، بدلًا من أن تكون حقًا يعرفه كل مواطن يتم تضليله عبر وسائل الإعلام كل يوم.

لمزيد من فهم شخصية المشير طنطاوي الذي ظل لسنوات طويلة قائدًا للجيش، ولا زالت بصماته حاضرة حتى الآن كما تعلم، يروي عبدالعظيم حماد في موضع آخر من كتابه تجربة مثيرة له مع المشير طنطاوي قبل ذلك بسنوات، كادت تودي بحماد إلى السجن الحربي، بسبب رعب المشير طنطاوي من قائده الأعلى حسني مبارك، كان ذلك في أحد أيام شهر مارس سنة 1996، عندما كان حماد مشرفًا مناوبًا على الطبعة الأولى لـ«الأهرام» كبرى صحف الدولة الشائخة، وكان طنطاوي يزور اليونان، وفي الاجتماع الصباحي للديسك المركزي تم عرض تقرير بعثه مراسل «الأهرام» في أثينا عبدالعظيم درويش عن نتائج مباحثات وزير الدفاع المصري مع نظيره اليوناني، وتم وضع التقرير في الصفحة الأولى. وبعد مرور أسبوع جاء إلى ترابيزة الديسك المركزي رئيس القسم العسكري أحمد فؤاد متسائلًا ببراءة ظاهرة ـ كما يصفه حماد ـ عمن أجاز نشر التقرير عن زيارة المشير إلى اليونان، ومن وقع أمر النشر للمطبعة، فقال له حماد: أنا، ففاجأه أنه مطلوب للتحقيق في القضاء العسكري، وأنه كان مكلفًا بأن يعرف اسم من وقع أمر النشر لكي يرسل إليه أمر المثول أمام المدعي العسكري، وإلا صدر بحقه أمر ضبط وإحضار عن طريق الشرطة العسكرية، والتهمة أنه نشر تقريرًا عسكريًا دون موافقة جهاز الأمن الحربي، فقال له “لكن هذا ليس سرًا عسكريًا، كما أن الخبر الذي بعث به المراسل هو تصريحات من المشير طنطاوي للتلفزيون اليوناني مما يعني أنها نشرت إعلاميا قبل أن ننشرها في الأهرام”، فابتسم أحمد فؤاد بمزيج من السخرية من الموقف والإشفاق على زميل قائلا: “قل هذا في التحقيق”.

أبلغ عبدالعظيم حماد مدير تحرير الأهرام وقتها سامي متولى الذي أبلغ بدوره إبراهيم نافع، الذي طلب منه ألا يذهب إلى التحقيق، وطلب من سامي متولي زيارة المدعي العسكري لتسوية القضية، وعندما ذهب سامي متولي إلى مكتب المدعي العسكري اكتشف أنه ليس في زيارة تسوية، بل في تحقيق تدور كل أسئلته حول شخصية من وقع أمر النشر، وهنا تشبث سامي متولي بإلقاء المسئولية كلها على إبراهيم نافع، لإجبار المدعي العسكري على إغلاق القضية “لأنه لن يجرؤ على استدعاء إبراهيم نافع للتحقيق إلا بإذن المشير ولن يجرؤ المشير على استدعاء نافع لتحقيق عسكري دون موافقة مبارك، وهذه مستحيلة نظرًا لمكانة إبراهيم نافع الفريدة عند الرئيس مبارك ولخطورة التحقيق العسكري مع رئيس تحرير «الأهرام» من الوجهة السياسية”.

يروي سامي متولي قائلًا “إن المُحقق، كان برتبة عميد، كان يوقف الاستجواب عدة مرات وكان يخرج إلى غرفة مجاورة ليتحدث في التليفون، وفي كل مرة كان يعود طالبًا اسم موقّع أمر النشر لإلقاء القبض عليه، بينما يرفض سامي متولي ذكر اسم أي متهم غير إبراهيم نافع، ومن حسن حظ الكاتب أنه على الرغم من أن الزميل أحمد فؤاد أبلغهم باسمه، إلا أن شهادة فؤاد وحدها ما كانت لتكفي، وأن اعتراف مدير التحرير عليه كان هو الدليل المطلوب”. وفي النهاية يعود المحقق ليقول لسامي متولي: إذا أردتم إغلاق القضية، فلا بد أن يتحدث الأستاذ إبراهيم نافع شخصيًا إلى المشير حتى يأمر بحفظ التحقيق، لأنه هو الذي أمر بفتحه، وهذا ما حدث فعلا. وبعد ثلاثة أيام جاء من رئيس القسم العسكري تقرير عن نتائج زيارة المشير طنطاوي لليونان هو بعينه التقرير الذي سبق نشره بحروفه وكلماته عدا مقدمة من سطرين تقول: “استقبل الرئيس حسني مبارك أمس المشير طنطاوي الذي عرض على سيادته تقريرًا حول نتائج زيارته الأخيرة لليونان…”.

التفسير جاء متأخرًا سنة كاملة وقدمه مصادفة اللواء المرحوم منير شاش حين التقى به عبدالعظيم حماد، وتطرق الحديث إلى المشير محمد عبدالحليم أبو غزالة الذي كان شاش من أصدقائه وأقرب مساعديه إلى قلبه، وروى له ما حدث بعد حوار تليفزيوني استضاف فيه التلفزيون المصري المشير أبو غزالة مع مكرم محمد أحمد وصلاح منتصر ومحفوظ الأنصارى، وكان الثلاثة من رؤساء التحرير وقتها، وجرى الحوار لمدة ساعتين وأثار ردود فعل شعبية واسعة وبدأت المقارنة بين ثقافة وخفة ظل وحضور أبو غزالة وشخصية مبارك، وهو ما وصل لمبارك الذي اتصل بالمشير في مكتبه وأمره بألا يظهر في التليفزيون ولا يتحدث لأي شخصية قبل أن يأخذ إذنًا منه، وهو ما جعل أبو غزالة يتجنب أي صلة له بالصحافة والإعلام حتى أنه كان يخرج من الأبواب الخلفية لأي مكان يعرف أن به صحفيين، منعًا للمشاكل مع مبارك الذي ظل نموذج أبو غزالة حاضرًا في ذهنه دائما، حتى أنه كان يتفنن في كسر وزراء دفاعه، حتى لا يتكرر نموذج أبو غزالة، وهو ما نواصل قراءته في الأسبوع القادم لنتأمل كيف وصلت أحوال مصر إلى ما هي عليه ببركات حكم الجنرالات.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن