أليس في بلاد الصدمة

تحذير: يحتوي هذا المقال على مادة ذات طبيعة مؤلمة للمشاعر متعلقة بالعنف الجنسي.

كان لقائي الأول بها في يوم إنجليزي بارد، هو يوم عيد الميلاد المجيد (الكريسماس) عام 2007. ولأن مُعالِجها المختص كان في إجازة، فقد تم استدعائي لأتعامل مع أزمة. كانت في حالة إعادة معايشة لصدمة جنسية حدثت لها في الطفولة: كانت الذكرى العشرين لاغتصاب عمّها لها. كانت في الثلاثين من عمرها وترفض تناول الطعام. كانت تتلقى العلاج في وحدة (أوكسفورد) لاضطرابات الشهية، فكان من المستحيل رفض تناول الوجبات. وكانت مهمتي وقتئذ هي جعلها تسترد وعيها بالواقع واللحظة الراهنة حتى تتوقف عن إعادة معايشة الصدمة وتتناول وجبة غداء (الكريسماس).

وبعد نصف ساعة من المحاولات الفاشلة، توقف جسمها أخيرًا عن الارتجاف وأخبرتني أنها فعلًا تحتاج لأن تجوّع نفسها حتى تحافظ على مظهرها “المسترجل” الهزيل ليكون مُنفّرًا لأي معتدٍ من حولها. مرة أخرى، ساد بيننا صمت طويل وأخذت تنظر إليّ، أو بالأحرى تتخطاني بنظرها، لتشاركني الصور والأحاسيس الموجعة لواقعة الاعتداء عليها.

أخبرتني أنها، وكما في قصة «أليس في بلاد العجائب»، قد قررت منذ فترة طويلة أن تشرب ما بداخل الزجاجة التي ستجعلها تنكمش حتى لا يتمكن “هو” من أن يجدها أبدًا. كلماتُها التصويرية تلك أسَرَتْني ونقلتني لتلك القصة الخيالية التي طالما استمتعت بها وأنا طفلة. حينئذ رأيت نفسي أنا أيضًا مُتَمثّلةً في شخصية (أليس)، أحمل علبة بسكويت مكتوب عليها كلمة “كُلْني”. صارحْتُها أخيرًا بأن سبب اختياري لأصبح مُعالِجة نفسية متخصصةً في العنف الجنسي كان مبنيًا في المقام الأول على قرار كنت قد اتخذته منذ فترة طويلة وهو أن آكل بسكويت (أليس) حتى أتحول لعملاق وأتمكن من الدَوس “عليه”.

للأسف، بعض الناجين من صدمات كتلك لا يشعرون بأن الشفاء هو خَيار مُتاح أمامهم.

قامت «منظمة الصحة العالمية» بتعريف الشفاء على أنه: “ليس مجرد غياب المرض أو العلِّة، وإنما هو الحالة الإيجابية للصحة الجسمانية والعاطفية والرفاهة الاجتماعية”. وهناك العديد من العقبات في طريق الشفاء والذي يبدأ أولًا بطلب المساعدة للعلاج. حيث أن ثقافتنا تَصِمُ مشاكل الأمراض العقلية وهذه أكبر عَقَبة تواجه من ينشدون العلاج. وطبيعة الصدمة نفسها التي يتعرض لها الناجي تلعب دورًا في تعييره شخصيًا، خاصة لو كانت تلك الصدمة ذات طبيعة جنسية.

التقيته لأول مرة في شهر أغسطس من العام 2012 أثناء المظاهرات التي نُظّمت أمام السفارة السورية في القاهرة. وكانت الشرطة العسكرية قد ألقت القبض على الفتى ذي الستة عشر ربيعًا، والذي سأشير إلى إسمه هنا بـ (م.أ.). كان من ضمن المراهقين الذين تم احتجازهم لعدة أيام، وبعد إطلاق سراحهم، أخذوا يروون قصصًا مروّعة مع من احتجزوهم. وقد سجّل (م.أ.) قصة تعذيبه واغتصابه المزعومة مع مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب ومنظمة العفو الدولية.

حين رأيته كان في حالة من الذعر والهذيان، حيث كان في حالة إعادة معايشة واقعة اغتصابه. أخذه رفاقُه إلى المستشفى واتصلوا بي للذهاب لرؤيته هناك، وأخبروني أن هذه ليست نوبته الأولى لإعادة المعايشة. حينها رفض أطباء الطوارئ بالمستشفى فحصَه، وكل ما قالوه هو أنه يحتاج للتحويل لمستشفى للأمراض العقلية وربما يتوجّب عليهم أيضًا الاتصال بالشرطة. طلبت منهم أن أفحصه أنا واقترحت بعض الأدوية لتهدئته. وفي غضون نصف ساعة، كان جسمه قد بدأ في الاسترخاء وبدأ وعيه في العودة للواقع وأصبح ذهنه واعيًا باللحظة الراهنة. شرحت له ما قد حدث له، وأنه كان يُعاني من اضطراب حاد جرّاء صدمته وإعادة معايشة تلك اللحظة المرعبة مرّة بعد أُخرى.

في تلك اللحظة، كان شعوره بالعار أقوى الأعراض التي انتابته، وهو من أكثر المُعتقدات رسوخًا التي يتوجب على كل مُختصِ في الصحة العقلية استهدافها أثناء التعامل مع الصدمات ذات الطبيعة الجنسية. كانت المحكمة الدولية لمحاكمة انتهاكات القانون الإنساني التي ارتُكبت في يوجوسلافيا (سابقًا) منذ عام 1991، قد سجّلت كيف أن الإغتصاب “يضرب الكرامة الإنسانية والسلامة الجسدية في مقتل”.

بعد حوادث الإغتصاب، قد يعاني الناجون من العنف الجنسي من مشاعر اضطراب حادة أو ضغوط أو مخاوف تُعرَف بإسم “اضطراب ما بعد الصدمة”. وفي حين أنه من الطبيعي المعاناة من أعراض كتلك بعد حادث أليم، إلا أنه إذا استمرت لأكثر من عدة أسابيع وشكّلت مشكلة دائمة، وقتها يتم تشخيص الحالة أنها تعاني من “اضطراب ما بعد الصدمة”. واذا لم يتم معالجتها، فإن أعراض هذا الاضطراب تسوء وقد تستمر لشهور وربما لأعوام.

طلب مني (م.أ.) أن أكون مُعالِجتُه وطبيبته النفسية، وقد خططنا سويًا لمعالجة حالته سلوكيًا وإدراكيًا. وقد كان هو واضحًا معي أنه لن يستطيع التوقف عن التظاهر ضد النظام، خاصة وأن القضية بالنسبة له قد أصبحت “شخصية”.

بالنسبة للعديدين من ضحايا “اضطراب ما بعد الصدمة”، فإن ذكريات محنتهم قد تَحضُر دون سابق إنذار. وكثيرًا ما يصاحب حالة الاستحضار غير المتوقعة تلك العديدُ من المشاعر والعواطف التي عانى منها المريض أثناء تعرضه للحادث الأليم، لدرجة أنه في بعض الأحيان قد تصل حدّة هذه المشاعر وكأن الواقعة تحدث له مجددًا. وبالرغم من الأدوية وجلسات العلاج المُبكّر، فقد عايشت حالات انفصال متكررة يمر بها (م.أ.)، حتى أنني شهدت مرة أنه قد تقمّص دور المعتدي نفسه. وفي أثناء واحدٍ من الأحداث السياسية التي شارك فيها، انفصل (م.أ.) نفسيًا وتقمص دور ضابط الشرطة الذي اغتصبه. وقد كان لذلك بالطبع أثر سيّء عليه اجتماعيًا.

إلى جانب وجود احتمالية مرتفعة للانتحار، فقد أوضحت الأبحاث أن البالغين الناجين من حوادث العنف الجنسي أثناء فترة المراهقة، كما في حالة (م.أ.)، أكثر عُرضة لمشاكل حادة ومزمنة تتعلق بصحتهم العقلية. وإلى جانب معاناتهم من “اضطراب ما بعد الصدمة”، فإنهم قد يعانون أيضًا من اضطراب انفصام وتعدد الشخصية، واكتئاب شديد واضطراب حاد. وقد أشارت أبحاث جديدة إلى أن الاضطراب الذي تُحْدِثُه صدمة التعرض لعنف جنسي في فترة الطفولة قد تؤدي إلى تلف عصبي وتغيرات في وظائف المخ.

الاغتصاب وبلاد التعذيب

كانت «لجنة مناهضة التعذيب» وقوانين حقوق الإنسان الدولية قد أدرجت الاغتصاب والعنف الجنسي كشكل من أشكال التعذيب. وهو نوع خاص من أنواع العنف المُنظّم المُستخدمة خلال الصراعات والحروب. وقد حدثت الكثير من حالات اغتصاب الرجال والنساء والأطفال أثناء اندلاع صراعات حول العالم. ففي أثناء حرب البلقان في التسعينيات من القرن المُنصرم، وفي رواندا في أوائل التسعينيات أيضًا، وفي الكونغو في الفترة ما بين عام 2000 و2006، كان قد تم اغتصاب أكثر من 40,000 سيدة وطفل.

يتم تشجيع استخدام سلاح الاغتصاب سياسيًا، كوسيلة من وسائل التعذيب المُمنهج، حين تكون عناصرالدولة (كالجيش والشرطة وقوات الأمن أو غيرها من المجموعات) ضالعة في انتهاكات كتلك. واجب الدولة أن تمنع وتلاحق وتحقق في قضايا التعذيب، ولكن حين يكون أولئك المنوط بهم ذلك هم المرتكبين لجرائم التعذيب، فإنه لا توجد حماية رسمية ضد تلك الجرائم.

كانت واحدة من العقبات الضخمة التي واجهناها أثناء علاج صدمة (م.أ.) هي فكرة عدم إنجاز العقاب أبدًا، حيث أن الدولة المنوطة بحمايته وملاحقة من اغتصبوه هي في الحقيقة المُنتهِك المباشر لجسده وروحه.

يعاني الرجال والنساء على حد سواء من الاعتداء الجنسي، ولكن حالات اغتصاب الرجال الموّثقة عادة ما تكون أقل، حيث يكون الرجال أكثر عزوفًا عن الإبلاغ عن حوادث كتلك. فعلى سبيل المثال، شعر (م.أ.) أن رجولته قد “قُتِلت” ولم يتمكن من مواجهة أمه وأخواته لوقت طويل.

تؤكد ماريان كاستروب من «المركز الدولي للأبحاث وإعادة تأهيل ضحايا التعذيب» في كوبنهاجن أن: “التعذيب المُمنهج مُصمّم لكسر روح الفرد، ولكن في العديد من الدول، فإن القصد منه أيضًا هو ترهيب الأقليات أو مجموعات انفصالية، أو حتى ترهيب أُمّة بأسرها”.

يعاني (م.أ.) منذ الولادة من مشكلة خَلقية في مفاصله تُعيقه عن الجري بصورة طبيعية. ولكننا لم نستطع منعه من المشاركة في التظاهرات، وقد تم إلقاء القبض عليه وحبسه مرة أخرى. وقد تم إخباري بأن رجال الشرطة قد طلبوا من كل المُعتقَلين خلع ملابسهم والتعرّي ليتم فحصهم شرجيًا للتأكد من عدم إخفائهم لموسى حلاقة. وقد قُمت بزيارة قسم الشرطة وشرح حالة الصدمة السابقة لدى (م.أ.) لمأمور القسم. وبطبيعة الحال أكّد لي المأمور أن مثل هذه الانتهاكات لا تحدث داخل القسم المُشرف عليه. ومع ذلك، فقد تم إخبارنا أن ذلك قد حدث بالفعل. وهذا يعني تفاقم حالة الصدمة الجنسية لدى (م.أ.) ولن يُجدي أي علاج طالما استمر التعرض لهذه الصدمة.

يبدو أن مصر تُنشئ شبابًا يعانون من صدمات، وتخلق مستقبلًا عنيفًا قد يقتل حلم العدالة الانتقالية يومًا ما.

في العام 2004 نشر مركز النديم مقالة أدرجت فيها 43 حالة مُوثّقة تعرضت لأشكال مختلفة للتعذيب أُرتُكِبت ما بين عام 2000 و2004.  وبحسب ما ذكرته بسمة عبد العزيز، وهي طبيبة أمراض نفسية بالمركز، فإن 43 رجل وسيدة قد تعرضوا لعنف جنسي واغتصاب، من ضمنهم 7 سيدات تم تعريتهن من ملابسهن والاعتداء عليهن بالكلام وباللمس، و7 أخريات تم تهديدهن بالاغتصاب، وواحدة منهن قد تم اغتصابها بالفعل، في حين تعرض رجل لعنف عن طريق عصْر خصيتيه. هذا بجانب حالات أخرى غير مُوثّقة. وقد أشارت المقالة إلى أن الخوف من تهديدات الشرطة وتكرار عمليات التعذيب أو الاغتصاب يُعَدّان سببًا لإحجام العديدين عن التقدم للإدلاء بشهاداتهم. وقد استمرت عمليات العنف هذه بعد سقوط نظام مبارك إلى عهد الرئيس محمد مرسي وما زالت مستمرة في ظل النظام الحالي.

في الأول من يوليو أصدرت «منظمة العفو الدولية» تقريرًا تشير فيه إلى تزايد عدد حالات الاعتقال العشوائي والتعذيب خلال السنة الماضية. وتَضمّن التقرير شهادات بيانية لمعتقلين ذكور زعموا أنهم قد تم اغتصابهم في مُعتقلات الشرطة. وقد أدلى طالب عمره 23 عامًا، كان قد تم اعتقاله في فبراير 2014، بشهادة مُروّعة عن كيفية الاعتداء عليه جنسيًا واغتصابه. وهو واحد من العديدين الذي قاسوا من هذا العنف ضد أجسادهم وأرواحهم.

العنف الجنسي هو سلاح غاية في القوة يُستخدم ضد الأفراد، والعائلات والمُجتَمَعات. وبالنسبة للرجال والنساء على حد سواء، فإن الشعور المسيطر اللاحق للتعرض لهذا العنف هو الشعور بالخزي العميق، وينزع المجتمع والأُسرة بشكل خاص لنبذ وتجنب النساء اللواتي تعرضن لعنف جنسي.

ذكرت آيات حمادة، وهي طالبة تعرضت لاعتداء جنسي، لشبكة أخبار «بي بي سي» أن ما تعرضت له كان المقصد منه كسر روحها. وأضافت إنه كان من الصعب جدًا عليها ثقافيًا أن تُصرّح بروايتها، وأنها لم تتمكن من الكشف عن كل تفاصيل الاعتداء عليها. وقد نشرت مؤخرًا «مدى مصر» شهادة ناشطة سياسية علمانية كان قد تم اغتصابها على يد أفراد تظن أنهم ينتمون لوزارة الداخلية، ولكنها خشيت التصريح بما حدث لها علانية خوفًا من حملة تشويه ضدها من ضمن تهديدات أخرى لا تزال تتلقاها حتى اليوم.

تم اعتقال وحبس (م.أ.) مرة أخرى، وتُعد هذه المرة الرابعة له، وهناك احتمالية لإستمرار قصته مع الصدمة. هل استطاع تطوير مهارات تعايش للتعامل مع تكرار عمليات العنف ضده؟ أم هل أصبح حبيس دائرة مُفرغة من العنف؟، في كلتا الحالتين، فإن دورنا نحن كمجتمع أن نضمن أن هذه الحالات لديها على الأقل حق الاختيار.

نظرًا للطبيعة المترابطة والمعقدة لآثار ما بعد التعرض لصدمة، فإن عملية الشفاء منها تكون صعبة وطويلة. في أغلب الأحيان، يُركّز علاج الأفراد المتأثرين بالصدمات ـ إن كان هناك ثمة علاج متاح بالأساس ـ على التعاطي مع الأعراض المباشرة والواضحة للصدمة، ولكنه يتجاهل وسائل العلاج المؤذية المُحتَملة التي يتبناها المجتمع نفسه. طبقًا لـبراندون هامبر، مدير المعهد الدولي لأبحاث الصراعات، فإنه من الضروري “ليس فقط التعاطي مع أسباب المحنة وأعراضها.. بل إن ما يحتاج “أن يُعالج” هو التعاطي مع الصدمة وآثارها على المستوى الفردي، السياسي، الإجتماعي والثقافي”.

غالبًا ما تكون المشاكل التي يعاني منها الناجين من الصدمة على مستوى فردي، هي في الحقيقة مشاكل إجتماعية لم يتم حلّها بشكل كامل. وعلى الرغم من أن طرق علاج “اضطراب مع بعد الصدمة” في حالة اختبار وتحسين مستمرة، إلا أن حق الفرد في العلاج يكون ممكنًا بشكل أساسي فقط إذا تضافرت جهود المجتمع بأكمله سعيًا لدمج طرق علاج ثقافية إيجابية في خطة العلاج ذاتها.

إن نتائج الاعتداء والتعذيب من الممكن أن تكون جسيمة بالنسبة للضحية. ولكن لماذا يكون محكومًا على الضحايا أن يشربوا من “زجاجة” (أليس)، في حين عثر آخرون على “البسكويت” وقهروا الخوف، والمذلّة، والشعور بالذنب والظلم الذين تعرضوا لهم؟ وفي حين أن هذه هي معركتهم وحدهم بالأساس، فإن دورنا كمجتمع أن نضمن أنهم يمتلكون الحق في الشفاء في المقام الأول. واجبنا الجماعي أن نخلق بيئة مُحفّزة على التعافي، وأن نتقبل ونحترم المرض العقلي، حيث يكون الجميع قادرون على تلقي خدمات علاجية مناسبة للأمراض العقلية.

اعلان