«جسور» في القاهرة: الموسيقى وصهر الهويات
 
 

يوم الأربعاء ٣٠ أكتوبر الماضي وصل المؤلف الموسيقي وعازف العود عيسى مراد بمصاحبة «جسور» – فريقه الفتيّ – إلى القاهرة بغية إقامة حفل صعب في دار الأوبرا.

ولد مشروع «جسور» في نهاية العام ٢٠١٢، ويستلهم إسمه من عملية صهر الموسيقى ودمجها. يستعين مراد بفريق «جسور» في توزيع مؤلفاته التي يرجع بعضها إلى أكثر من خمس سنوات مضت، انتظر فيها في صبر أن يعثر على بغيته في عازفين قادرين على الوصول بمؤلفاته إلى مسامعنا.

يقوم مراد الآن بالعزف مع رفيقه سمير حمصي عازف الإيقاعات الشرقية، إلى جانب عازفي الجاز ريكار توريجانو على البيانو ومارك بورونفوسيه على الكونترباص وفريدريك شابيرون على الإيقاع، وقد شاركوه جميعًا خشبة المسرح في القاهرة.

تقاسمت المجموعة السابقة خشبة المسرح أيضًا مع ريشاب براسانا من نيودلهي، والذي التقى به مراد مؤخرًا في جلسة ارتجال موسيقي، ومن حينها لعب براسانا – عاشق آلة الناي بانسوري – دورًا ساحرًا في تأويل مؤلفات مراد.

تنجح هذه المؤلفات في صهر الموسيقى والإيقاعات الشرقية من البلقان وإيران وتركيا والعالم العربي، وذلك في قالب متماسك من الجاز يجمع ما بين التركيب وارتجالات الفريق المطولة والمقطوعات الفردية، بشكل يعكس تمكّنًا تقنيًا رفيعًا.

ولد مراد، صاحب فكرة «جسور»، في بيت لحم بفلسطين لأب هاوٍ لآلة العود وعاشق لموسيقى فريد الأطرش، فتدرّبت أذناه قبل أن تمسك أنامله بآلة العود. في العام ١٩٩٨ وفي سن السادسة عشرة التحق بمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، وفيه استكمل دراسة ثمان أعوام في غضون عامين ونصف العام فقط. وفي العام ٢٠٠١ حصل على جائزة مارسيل خليفة للمؤلف الفلسطيني الشاب.

انتقل مراد بعد ذلك إلى القاهرة وأقام فيها لمدة عامين التقى فيهما بموسيقيين بارزين منهم نصير شمّة. وفي القاهرة أثرى مراد معارفه الموسيقية، الأمر الذي أهلّه للعودة إلى فلسطين حيث قام بالتدريس في معهد الموسيقى في الفترة ما بين ٢٠٠٥ و٢٠٠٧، انتقل بعدها إلى باريس حيث لا يزال يقيم ويعمل، وذلك بغرض إنجاز رسالة ماجستير في العلوم الموسيقية من جامعة السوربون، وموضوعها: العناصر الأجنبية في موسيقى محمد عبدالوهاب، وهو موضوع محبب إلى قلبه منذ حداثة سنّه.

يشير مراد إلى نفسه اليوم باعتبار أنه مواطن عالمي، ويرى في هويته العربية قطعة كبيرة من شظايا أحجية تتّسع لشتى المؤثرات الثقافية التي تعرّض لها وعاشها على مر السنوات. لقد أمضى مراد سنوات عديدة مرتحلًا بين أرجاء البسيطة ينصت إلى موسيقى العالم، ومن ثم يعتبر أن موسيقاه لا تعدو أن تكون انعكاسًا لهويته المختلطة.

يروق لمراد أن يشار إليه باعتباره موسيقي ينتمي إلى العالم، ولا غرابة: إذ أمعن التدبّر في طريقته هذه في تقديم نفسه. لا تتحدث موسيقاه عن فلسطين ولا عن الصراع ولا عن المقاومة، وإنما تشير الأوتار المزدوجة على عنق الآلة التي تحتضنها أنامله إلى أصوله. وحسبنا ذلك، فإننا بصدد فنان يسير على نهجٍ لا آخر له يستلهم كلًا من موطنه وغيره من الفنانين بل وحتى المستمعين. ويبقى السؤال: ماذا نتوقع نحن كجمهور حينما تقع عيوننا على آلة العود؟

صحيح أن الموسيقى لغة عالمية تعكس ظلال الأرواح لا أفكارًا، بيد أنه لا مناص من أن ينوء أي فنان يحمل آلة موسيقية على هذه الدرجة من الثراء الموسيقي تحت وطأة جمهوره. لماذا تحدونا آمال عريضة إلى هذه الدرجة حينما تقع أنظارنا على آلة العود فوق خشبة المسرح؟ وهل يشترط وجود آلة العود أن يسكن العمل في إطار مشروع موسيقي عربي؟

إن صح هذا لما كان ذلك إنصافًا منا لمراد، فهو فنان راغب عن اقتفاء مشروع موسيقي عربي. لقد سبق له في لقاء أجرى معه أن عبّر عن بحثه عن خلطة موسيقية منسجمة تصل إلى حد التلقائية. ولقد نجح بحق في المزاوجة ما بين مختلف الآلات الموسيقية في توزيع يبدو طبيعيًا، في إطار انتمائه لجنس موسيقى الفيوجن جاز. يعود هذا النجاح إلى أن مؤلفات مراد تميزها بنيوية على درجة رفيعة، وذلك على الرغم مما تحتويه من مقاطع ارتجال مطوّلة. نسمع أحد أمثلة هذه البنيوية المدروسة في إحدى المقطوعات التي عزفها في حفل دار الأوبرا وتحمل عنوان “الراقصة المجنونة”. لقد أتت تلك المقطوعة في صورة “جنزير إيقاعي”، فالإيقاع هنا يقفز كل بضع مساحات (حقول) زمنية من ميزان مركّب إلى الآخر بسلاسة، وبشكل لن يلحظه اللهم إلا من يحاول أن يرقص على دقات الإيقاع.

ولكن ما معنى وجود عازف عود في توزيع لا يلعب فيه العود دورًا محوريًا، وفي سياق مشروع موسيقي غير عربي؟ وهل من الملزم أن يربط المرء ما بين وجود هذه الآلة على خشبة المسرح وبين صوت عربي؟ هل يرجع الخيار للموسيقي في كيفية توظيفه لآلته كما يحلو له في ألحانه وتوزيعاته؟ ربما نتقيد، نحن كعرب نعاني للتخلّص من تطلعاتنا إلى ميراثنا الثقافي، بنير يتعذّر معه أن نرى الأمور من منظور مغاير، كمنظور المواطن العالمي بحسب تعبير مراد.

يبقى التحدّي هنا إذن في إطار استيعاب وجود الآلات الشرقية وأصواتها باعتبارها جزءً لا يتجزأ من عناصر التوزيع الموسيقي.

كيف لنا أن نقرأ وجود آلة العود؟ هل تترك أثرًا عميقًا في نسيج الصوت؟. ما هو دور مراد الفريد كعازف على المسرح، لا كمؤلف؟ هل من الجائز أن يغدو مزج العناصر المتباينة بحيث تنسجم سوية هو جوهر فكرة مشروع ما؟

أما التحدي الثاني فيكمن في كثافة هذا العمل من الناحية الشعورية. فعلى مراد أن يهيء آلته الموسيقية كي توائم الفريق، عليه أن يرفع الدوزان أو يخفضه، عليه أن يصوغ جمله الموسيقية ويعيد تفكيكها مرارًا كي تتوافق مع ما حولها وكي تحقق توازنًا جيدًا ما بين أصوات الفريق. جدير بعملية تجريد الصوت عن طريق صهره مع غيره من الأصوات التي تأتي من عالم مغاير تمامًا تقريبًا أن تضع كثافة العمل الشعورية على حد الخطر، وهو ما يضفي صعوبة كبرى على تجربة المستمع.

يعتبر مراد مؤلفاته انعكاسًا لحالته الذهنية. لقد قدّم حفل دار الأوبرا باقة متنوعة من الأساليب الموسيقية، تتماشى مع أصداء موسيقى الفيوجن باعتبارها تقليدًا موسيقيًا أو تمشيّا لا أسلوبًا موسيقيًا مقنّنًا. إننا بصدد عمل يشتمل على الكثير من العناصر التجريبية والارتجالية، وبذا يغدو مراد مع «جسور» مجموعة من الموسيقيين المتكمنّين الواعدين لا يزال أمامهم درب قد يفضي إلى تطوير تجربتهم الصوتية الخاصة، لتتخطّي المزج الجيد لأصوات كل منهم إلى تزويدنا بتجربة مليئة بالمعاني الجديدة تمس شغاف قلوبنا.

اعلان