متى نرى حكّامَنا يخالفون الهوى؟

“كَانَ لِي فيِما مَضَى أَخٌ فِي اللهِ، وَكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَكَانَ خَارِجاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ فَلاَ يَشْتَهِي مَا لاَ يَجِدُ وَلاَ يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ، وَكَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً فإِنْ قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ وَنَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ، وَكَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً! فَإِنْ جَاءَ الْجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ غَابٍ وَصِلُّ وَادٍ لاَ يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً، وَكَانَ لاَ يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا يَجِدُ الْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ اعْتِذَارَهُ، وَكَانَ لاَ يَشْكُو وَجَعاً إِلاَّ عِنْدَ بُرْئِهِ، وَكَانَ يقُولُ مَا يَفْعَلُ وَلاَ يَقُولُ مَا لاَ يَفْعَلُ، وَكَانَ إذَا غُلِبَ عَلَى الْكَلاَمِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ، وَكَانَ عَلَى مَا يَسْمَعُ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَكَان إذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ نَظَرَ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْهَوَى فخَالَفَهُ.” (علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، الجزء الثاني، المطبعة الأدبية، بيروت، 1885م، ص 126).

يمكننا وضع عنوان لما أورده الإمام عن صاحبه هو: “مخالفة الهوى” في كل أفعاله. ومخالفة الهوى تعنى عدم الركون إلى الرأي الشخصي وما يميل إليه الإنسان لما فيه مصلحته، وهذا يعنى بالمعنى السياسي عدم الاستبداد وتقديم كل ما فيه مصلحة المجموع على مصلحة الفرد. وهذا لا يتأتى، في حالة السلطة الحاكمة في بلد من البلدان، إلا إذا كان المجموع هو من بيده الأمر، وليس فردًا أو جماعة، حزبًا أو مؤسسة.

ولكن هل يكفي أن نضع دستورًا لبلد ما، يُنصّ في مواده المختلفة على أن السلطة للشعب لا ينازعه فيها أحد، ويسمح هذا الدستور بوجود أحزاب تتنافس للوصول إلى مقاعد الحكم، فيما اصطُلح على تسميته بالديمقراطية، بل ويُوضع في مقدمة هذا الدستور نصٌّ يعرّفُ الدولة بكونها مدنية أو أن الحكم، وليست الدولة، مدني، ويتم إقرار هذا الدستور من خلال استفتاء، يتبعه انتخابات رئاسية تحت رقابة دولية تمنحها صكّ النزاهة؟

الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى تفصيلٍ ربما لا يتسع هذا المقال لإيراده، لكن يمكننا أن نشير إلى أهم الشروط التي تضمن التخلّص من غول الاستبداد، الذي يلتهم الديمقراطية. وهي في رأينا تتمثّل في ما يلي:

أولًا: ضرورة المشاركة الشعبية في الحكم بفاعلية وعن اقتناع والإسهام في وضع برامج اقتصادية تتسم بالشفافية، تشارك في وضعها النقابات والمنظمات الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني وذلك لرفع مستوى الدخل للطبقات المسحوقة والخروج من حالة الفقر المستدام.

ثانيًا: أن يكون للشباب والمرأة الدور الرئيسي في بناء المؤسسات الديمقراطية من خلال أحزاب فاعلة وانتخابات حرّة مع الحظر التام لاستخدام المال السياسي.

ثالثًا: إعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية والقضائية والأمنية وضمان استقلالها عن سلطة الدولة.

رابعاً: إيجاد هيئات رقابية مستقلة تراقب عمل الحكومة المالي والإداري.

خامساً: وضع خطة مركزية طويلة الأجل للتنمية الاستراتيجية للدولة تتفرع عنها خطط مرنة قصيرة ومتوسطة الأجل تلتزم كل وزارة وكل محافظة من محافظات الدولة بوضعها موضع التنفيذ.

يحدثّنا المفكّر الإنساني وعالم النفس الأمريكي إريك فروم (1900م-1980م) في كتابه “الإنسان بين الجوهر والمظهر” عن الديمقراطية الشكلية التي هي قناع يتخفّى وراءه الاستبداد بقوله: “تستطيع الديمقراطية أن تقاوم خطر الشمولية إذا أمكن تحويلها من ديمقراطية سلبية (ديمقراطية متفرجين) إلى ديمقراطية إيجابية نشيطة (ديمقراطية مشاركة). حيث شؤون الجماعة قريبة إلى قلوب المواطنين وتهمّهم بالقدر الذي تهمّهم شؤونهم الشخصية، أو بتعبيرٍ أفضل، حيث تكون مشاغل الجماعة هي الشاغل الشخصي لكل فرد من أفرادها. وبالمشاركة في حياة الجماعة وشؤونها يصبح الأفراد أكثر إقبالًا وحماسًا لحياتهم الشخصية. والحق أن الديمقراطية السياسية الحقّة لا تكون جديرة بهذه الصفة إلا إذا كانت الحياة في كنفها مشوقة ومثيرة للاهتمام. إن ديمقراطية المشاركة من هذا النوع، على عكس (الديمقراطيات الشعبية) و(الديمقراطية المركزية) ستكون بطبيعتها غير بيروقراطية، كما أنها تخلق مناخًا لا يسمح بظهور الديماجوجيين (الدعاة الكاذبين)”.

ويرى إريك فروم أيضًا أن عمليات الاستفتاء واستطلاع الرأي، بل وحتى الانتخابات لا تعبّر بحق عن الرأي العام حيث يقول: “إن أي إنسان لا يستطيع أن يكوّن رأيًا عن اقتناع حقيقي إلا إذا توفّر شرطان: معلومات كافية، ومعرفة أن لرأيه قيمة وأثرًا. إن الرأي الذي يكوّنه متفرّج لا حول له ولا قوة لا يعبر عن اقتناع حقيقي ولا يعدو أن يكون مجرد لعبة لا تختلف كثيراً عن إبداء الرأي في نوع السجائر التي يفضّل تدخينها. ولهذا فإن الآراء التي يدلي بها الناس عند سبر الرأي العام أو في الانتخابات ليست هي أفضل الأحكام التي يمكن أن يصل إليها الناس، وإنما هي الأسوأ”.

وبالطبع لا يمكن تحقيق الشروط الخمسة سالفة الذكر، بالكفاية المطلوبة، لتجنب الاستبداد والوصول إلى الديمقراطية الحقّة دون أن يتم رفع مستوى الوعي لدى الجماهير وذلك بالقضاء على خطر الأمية والجهل، اللذان يجعلان من الشعب لقمة سائغة في يد الاستبداد، والتطوير والتغيير الجذري لنظام التعليم ليصبح قائمًا على تنمية العقل النقدي بدلًا عن الحفظ والتلقين، فضلًا عن توفير مناخ آمن وعادل للمواطن يضمن له الكرامة الإنسانية والتعبير عن حقوقه بحرية لا يخشى معها عصا الشرطي ولا سطوة الجندي، وهو ما حذّر منه المفكّر العربي عبد الرحمن الكواكبي (1855م-1902م) بقوله في كتاب “طبائع الاستبداد”: “ما من حكومة عادلة تأمن المسؤولية والمؤاخذة بسبب غفلة الأمة أو التمكّن من إغفالها إلا وتسارع إلى التلبّس بصفة الاستبداد. وبعد أن تتمكّن فيه لا تتركه وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين: جهالة الأمّة والجنود المنظمة. وهما أكبر مصائب الأمم وأهمّ معائب الإنسانية. وقد تخلّصت الأمم المتمدّنة، نوعًا ما، من الجهالة. ولكن بُليت بشدّة الجنديّة الجبرية العمومية. تلك الشدّة التي جعلتها أشقى حياةً من الأمم الجاهلة وألصق عارًا بالإنسانية من أقبح أشكال الاستبداد”. ويبرر ذلك بقوله: “وأمّا الجنديّة فتفسد أخلاق الأمة، حيث تعلّمها الشراسة والطاعة العمياء والاتكّال، وتميت النشاط وفكرة الاستقلال، وتكلّف الأمة الإنفاق الذي لا يطاق وكل ذلك منصرف لتأييد الاستبداد المشؤوم؛ استبداد الحكومات القائدة لتلك القوة من جهة واستبداد الأمم بعضها على بعض من جهة أخرى”.

أما عن دور الشباب وضرورة اضطلاعه بالمهمة الأساسية في بناء الدولة، دون خوف والتعلّل بقلة خبرته، بل والتعامل معه كطفل يحتاج إلى الرعاية، وإشراك عينة مختارة منه (غير مشاغبة) في مجالس أو لجان حكومية، لا تعبّر عن مجموع الشباب الذي كان له الدور الطليعي في تفجير ثورة يناير 2011، بينما يتم تغييب أبرز قادة هذا الشباب وراء الزنازين باستحداث قانون يسلبه حق التظاهر تعبيرًا عن الرأي، خلافًا لما نصّ عليه الدستور. ويتم إعادة القبضة الأمنية للجامعات والعودة إلى نظام تعيين الأساتذة والعمداء بدلًا عن انتخابهم. كما يتم تشويه مجموعات الشباب التي تقوم بفعاليات في الميادين كروابط تشجيع الفرق الرياضية المسماة بالأُلتراس، الذين دفعوا ثمنًا غاليًا من دمهم وحريتهم بسبب احتجاجهم على ممارسات القوى الأمنية واتهامهم بالتآمر على الدولة.

يحدّثنا إريك فروم عن هذا النمط من الشباب قائلا: “نحن نصادف بين الشباب أنماطًا لا تمثل الصورة الاستهلاكية المعتادة للتملّك ولكنها تعبّر عن متعة حقيقية بأن يفعل الإنسان ما يحب، دون انتظار للحصول على شيء (دائم) من وراء ذلك. ويسافر هؤلاء الشباب مسافاتٍ طويلة وغالبًا ما يتجشمون في ذلك المشقة والصعاب من أجل أن يسمعوا موسيقى يحبونها أو يروا مكاناً يرغبون في رؤيته أو يلتقوا بأشخاصٍ  يشتاقون للقياهم. ليست المسألة هنا هي الحكم على قيمة الأهداف التي يسعون لتحقيقها بأفعالهم تلك ولكن النقطة الهامة هي أن هؤلاء الشباب، حتى لو كانت تنقصهم الجديّة الكافية والإعداد والتركيز اللازمين، إلا أن لديهم الجرأة على أن يكونوا (أنفسهم)، على أن يحقّقوا كينونتهم، دون أن يهمّهم إن كانوا سيحصلون على شيء أو سيحوزون على كسب”. ويكشف لنا فروم سر تأثيم أنشطة الاحتجاج بقوله: “طالما ظلّت الموائد ممدودة للأقلية وعلى الأغلبية أن تظلّ في خدمتها وتظلّ قانعة ببقايا الموائد، فلا بد من تغذية الشعور بأن أي خروج على الطاعة هو ذنبٌ وإثم”.

وهكذا لو أمكن لحكامنا مخالفة أهوائهم والاستماع لأنّات شعوبهم التي تعاني الفقر والقهر، وبذلوا الجهد المخلص، بتجرّدٍ وشفافية، من أجل إزالة هذا الكابوس الذي يحياه الإنسان في بلادنا منذ ولادته حتى لقائه ربه، لا يبغون من وراء ذلك سلطة ولا مالًا، لتغيّر وجه الكون، وعمرت قلوب المقهورين بسعادة ورضا حقيقيين. ولنستلهم سيرة الخليفة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه؛ ذلك الرجل الذي كان يلبس أبهى الحلل ويضمِّخ نفسه بأغلى العطور، ويسكن أفخم القصور، ويمتطي الصافنات الجياد، وما أن ابتُلى بالخلافة حتى ترك كل ذلك وركب بغلته، ولبس المرقوع من الثياب، وأكل الخشن من الطعام، وكان مصروفه اليومي درهمين، وآلى على نفسه أن يبقى كذلك حتى يَستغني كل فقير، ويَشبع كل جائع، ويُداوى كل مريض، ويُنصف كل مظلوم، ويُجبر كل كسير، ويُقهر كل ظالم، فكان الذي أراد.

ولله الأمرُ من قبل ومن بعد وإن غدًا لناظره قريب.

اعلان
 
 
أسامة فرحات