مصر الجريحة

استطاعت ممرضة وطاقم العمل الخاص بها ترويض الرجال في جناح الصحة النفسية ليصبحوا مرضى مطيعين.

قضى المرضى أيامهم ولياليهم في حالة من التشوش ناجمة عن الدواء، تمنعهم من التمرد على القوانين واللوائح ضيقة الأفق التي تحكم الجناح.

رجل معتد بنفسه يؤمن أنه حر وصل كمريض ولم يكن على استعداد للالتزام، خاصة أنه أدرك أن هدف الممرضة هو حكم الجناح. بدأ في تحدي سلطتها من خلال تشجيع الرجال على القتال ضد قوانينها ضيقة الأفق. 

عقب انتحار مريض آخر، أصبح واضحًا له أن دوره في الجناح أوسع من رغبته الشخصية في الحرية والبحث عن الفردية. متحديًا سلطة الممرضة يقوم بتحضير رحلة على متن قارب لجميع الرجال كتذوق جماعي لطعم الحرية.

انتهت هذه المحاولة بعقاب جماعي، وبالرغم من أنه تمكن من النضال ضد الممرضة وقام بإهانتها، ترسله في نهاية المطاف إلى إجراء جراحة في المخ. عندما يعود إلى الجناح بعد أسابيع قليلة، يكون واضحًا لجميع المقيمين وطاقم العمل أنه على الرغم من أن جسده كما هو، إلا أن الرجل بداخله انتهى إلى الأبد.

عاجزًا عن رؤية روحه السجينة في جسده المهزوم، يقوم صديقه بخنقه حتى الموت، ويهرب الصديق إلى الحرية.

هذه قصة «وحلق فوق عش الوقواق» أو One Flew Over the Cuckoo’s Nest، وهو فيلم يعكس الحياة في دول تحكمها أنظمة استبدادية، والموت النفسي لأولئك الذين يجرؤون على المقاومة.

مثل كثيرين، خرجت إلى الشوارع في 25 يناير 2011، متحدية نظام فاشي حكم بالخوف والتشوش الذهني والتلاعب. كنت على استعداد للموت من أجل كرامة الإنسان ومذاق الحرية. وعقب نشوة الانتصار الظاهري، سلمت سريعًا بأن انتقام النظام سيكون وحشيًا، وأن المشقة العقلية التي تلى ذلك ستلقي بظلالها.

من بين جميع التداعيات النفسية التي يجب أن نقاسيها، تظل الصدمة وآثارها هما الأسوأ.

Trauma  أو الصدمة، وتعني “الجرح” في اللغة الإغريقية، يمكن أن تكون نتيجة حدث ساحق يتجاوز قدرة الشخص على المواجهة. الحدث الصادم، سواء كان حادثة منفصلة أو سلسلة مستمرة من الأحداث ـ مثل الأعمال الوحشية التي ترتكبها الدولة ـ يمكن أن يكون له آثار طويلة المدى. هذا الأمر لا يعيق قدرة الإنسان على العمل بشكل طبيعي فقط، وإنما يؤثر على المجتمع بأكمله.

في السنوات التي تلت سقوط الرئيس السابق حسني مبارك، راقبت ووثقت، كطبيبة نفسية، العديد من التغيرات النفسية في شعب تعرض لصدمات من محاولاته الحقيقية، الفاشلة في أغلبها، للهروب من عش الوقواق.

نعم، شاهدنا العالم نتحرر ونطير خارج العش مرات عديدة، ولكن يبدو أننا نواصل البقاء محاصرين في المؤامرة من جديد.

المحاولات الدورية لتحطيم صحتنا النفسية من خلال الأعمال الوحشية المختلفة كانت غالبًا ما تواجه بالمقاومة وآليات التكيف المبدعة، مثل خلق عمل فني، وتثمين روايتنا، والاستمرار في النضال. مع ذلك، من وجهة نظر نفسية، يبدو واضحًا أن محاولتنا لمقاومة آثار الصدمة عبر الاحتفاظ بصحتنا النفسية انهارت في نهاية المطاف.

نهاية الفيلم تقدم وعدًا متفائلًأ ـ وإن كان كئيبًا ـ بالحرية، ونداء للتمسك بتعقل المرء حتي تلك اللحظة. وبينما كان حقيقيًا أن بطل الرواية هُزم بواسطة النظام، من المهم بالقدر نفسه أن صديقه تمكن من الهرب. ليس واضحًا حتى الآن أي النهايتين ستكون قدر بلادنا، وما إذا كنا سنتمكن من التحليق أو ينتهي بنا الحال ملائمين للنظام.

الصراع، والظلم، والأحلام المحطمة، جميعها أمور تنتج الصدمة. ما أهدف لمعالجته هنا وفي المزيد من المقالات التالية هي أعراض الصدمة التي نواجهها في مصر. سوف أقوم بالتركيز على الأعراض السائدة، والعلامات، وعواقب هذه الصدمة المجتمعية التي تشغل حيواتنا.

كما سأعالج أيضًا الحاجة للتعافي، وبعض عقبات هذا التعافي، بما في ذلك انعدام فرص الحصول على خدمات الصحة النفسية، وتكرار واستمرارية الأحداث التي تحافظ على حالة الصدمة التي نعيشها، ووصمة مشكلات الصحة النفسي في مصر، التي تمنع العديد من أولئك الذين يحتاجون المساعدة من الحصول عليها والتقدم إلى الأمام.

الحاجة للتعافي من الصدمة

الصدمات المجتمعية ـ مثل الصراع والتعذيب الممنهج والاغتصاب والظلم والثورة المناضلة التي تعيشها مصر منذ 2011 ـ بإمكانها التأثير على الشعب بأكمله، وتسبب الألم والمعاناة المستمرة.

في أغلب الأوقات، الصدمات المدمرة لا يتم التعرف عليها من قبل الثقافة الجريحة نفسها ككل. أولئك الذين يعانون غالبًا ما يشعرون بالوحدة والعزلة على الرغم من حقيقة أن الصدمة أصبحت مغروسة في ثقافتهم.

عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم قدم مصطلح “الوعي الجمعي” في أطروحته للدكتوراة عام 1893 بعنوان «تقسيم العمل في المجتمع». وكتب عن كيفية “أن مجمل المعتقدات والمشاعر الشائعة بين الأعضاء العاديين لمجتمع تشكل نظامًا حاسمًا مع حياة خاصة به. يمكن أن يسمى الوعي الجمعي”.

بمعنى آخر، الآثار السلبية للصدمة تندمج مع الوعي الجمعي للثقافة، هكذا يبدو صنع الأفكار والأفعال المبنية على الحدث الصادم طبيعيًا.

مثال على ذلك، هو قبول استخدام العنف. عندما يتعرض وطن لمستويات ضخمة من العنف، يبدو استخدام العنف وفقًا لذلك وكأنه أمر طبيعي بل ومبرر.

إذا لم يتم التعافي الكافي من الصدمة نفسها، ربما تتكرر في مجتمع يمر باضطرابات. ولذلك من الأسلم الافتراض أنه لن يكون هناك عدالة انتقالية حقيقية بدون معالجة وإدارة هذه الصدمات الجماعية.  

بناء على الواقع الحالي للإفلات من العقاب والتعذيب والظلم والفساد وتلاعب الإعلام تحت رعاية “الأخ الأكبر”، يمكن تشخيص مصر نفسيًا بأنها وطن راكد محتجز من قبل الصدمة. وبدون معالجة هذه الركود الصادم، يبدو أنه لا يوجد أي آفاق للتعافي. ومع رفض حقيقة أننا مصابون بالصدمة، فإننا في الحقيقة نحافظ على الصدمة.

الصدمات الاجتماعية والثقافية، مثل تلك التي ألحقتها الدولة، شائعة عندما تحارب الشعوب من أجل المساواة وتناضل من أجل الحرية والسلطة. القادة السياسيون غالبًا ما يقدمون وعودًا بأن مثل هذه الأعمال الوحشية لن تتكرر، بينما في الوقت نفسه يؤكدون على ضرورة النسيان والتسامح مع الأعمال الوحشية الماضية كأجزاء مؤسفة من التاريخ والثقافة، بدلًا من معالجتها بطريقة ذات مغزى.

في الإعلام المصري، نتعرض يوميًا لرواية أهمية نسيان الأعمال الوحشية التي ارتكبها الجيش والشرطة، أو حتى القضاء، كي يتحد الشعب ويركز على محاربة الإرهاب.

وكنتيجة للدفاع أو تبرير أفعال أولئك الذين يرتكبون الأعمال الوحشية ـ سواء عمدًا أو دون قصد ـ يمكن أن تتأخر عملية التعافي أو حتى تُلغى. عالم الإجتماع والباحث في شئون الصدمة والتعافي دوان إلجين، يقترح أن بعض الصدمات التي تتبع هذا النمط تشمل «الإبادة الجماعية، والاستعباد، والاضطهاد الديني، والاستعمار، والاضطهاد بسبب النوع».

أعراض وآثار الأحداث الصادمة سوف تظل موجودة، سواء تم الاعتراف بها أم لا. ولكن الصدمات التي يتم تجاهلها سوف تؤدي في مجتمع دامٍ إلى عواقب خطيرة وتعطيلية متأصلة في نسيجه الثقافي.

بعض هذه العواقب السلبية التي نتعامل معها كأطباء نفسيين ونشطاء حقوقيين، هي مشكلات خطيرة متعلقة بالصحة النفسية، التي غالبًا ما ترفضها الدولة إلى جانب الأحداث الصدامة نفسها.

اضطراب ما بعد الصدمة، وأمراض القلق، والعنف، والاكتئاب، ومحاولات الانتحار هي بعض العواقب التي يتعامل معها العاملين في الصحة النفسي يوميًا. نعلم أيضًا أن الحالات التي نراها ونوثقها تمثل فقط أولئك القليلين الذين كانوا قادرين على تحدي وصمة عار أمراض الصحة النفسية ـ أو المحرمات الثقافية بشأن الاعتداءات الجنسية والتعذيب، على سبيل المثال ـ وسعوا للحصول على المساعدة.

على المستوى الفردي، رؤية الشخص الواقع تحت تأثير الصدمة للعالم من حوله، أو حولها، سوف تتغير بشكل درامي. وعندما يتعرض أشخاص أكثر لنفس الصدمة، فتتطور إلى مشكلة جماعية تصبح جزءًا من الوعي الجمعي. هذه العواقب الجماعية تحدد كيف يتعافي ويتعامل جميع الأفراد الذين هم جزء من هذا الأمر الجماعي مع صراعات المستقبل.

راقب العديد من المتخصصين هذه الأحداث الصادمة التي غالبًا ما تولد المزيد من الأحداث المؤلمة. على سبيل المثال، عندما يتعرض الناس للعنف بدون تعويض، هذا غالبًا يدفعهم لارتكاب المزيد من العنف. هذا يحدث لأن الوعي الجمعي للشعب المصاب بالصدمة يبطن آثار الصدمة، مثل العنف والسلوك الطبيعي والروتين.

يشهد العديد من المصرين حاليًا زيادة في العنف المجتمعي، سواء الجسدي، أو الجنسي، أو اللفظي، أو حتى النفسي.

عالم الآحياء الحيوية الطبية والطبيب النفسي بيتر ليفين، الذي طور طريقة جديدة للتعافي من الصدمة تسمى «المعاناة الجسدية» somatic experiencing، يوافق على أن اختبار الأحداث الصادمة يزيد بشكل كبير من احتمالية العنف المستقبلي. في حين أن العنف هو نتيجة واحدة فقط لصدمة لم تُحل بعد، ومن المؤكد أنه تأثير مهم لفحصه.

وفي كتابه «Waking the Tiger» يرسم ليفين علاقة بين الزيادة في سلوك العنف وظهور التعافي بعد الصدمة، التي يصفها بأنها “من بين أهم الأسباب الجذرية للهيئة التي أصبحت عليها الحروب الحديثة. الاستمرار والتصعيد وعنف الحرب يمكن أن يُعزى في جزء منه إلى ضغط ما بعد الصدمة”.

الاعتراف بأن مصر “متعرضة للصدمة” هو خطوة أولى تجاه التعافي. والفهم الجيد لمثل هذا المرض الجماعي سوف يفتح منفذًا لبدائل خلاقة لتحويل تحديات المستقبل بشكل سلمي، وإيقاف الدائرة المفرغة للعنف والاستقطاب.

كما شاهدنا من تجارب دول مثل قبرص وجنوب إفريقيا وأرمينيا والعديد من التجارب التي عالجت قضية الصدمة الجماعية كمفتاح للعدالة الانتقالية والتعافي، لا يوجد حلول سهلة للتعافي من الصدمات العميقة.

الكاتب والخطيب والناشط الأمريكي إلجين دوان، دعم هذه الفكرة، وقال: “ربما يبدو أنه ليس من الحكمة إخراج الجانب المظلم لماضي الإنسانية إلى ضوء النهار، ولكن، إذا لم نفعل ذلك، هذا الألم الذي لم يتم حله سوف يضغط على الجانب الأسفل لوعينا، ويقلل من إمكانات المستقبل”.

ضرورة إخراج جانبنا المظلم المستمر إلى ضوء النهار بالنسبة لنا كمجتمع، هو المسار لخلاص محتمل ووسائلنا للتحليق بعيدًا عن عش الوقواق. لقد حان وقت مواجهة الحقيقة بشأن وعينا الجماعي: نحن وطن مصاب بالصدمة نمارس جميع علامات مشكلات الصحة النفسية التي تتبع الصدمة، بما في ذلك اضطراب ما بعد الصدمة والعنف. الإنكار، أو مجرد تجاوز الأمر، سوف يولّد المزيد من الصدمة فقط.

*المقال هو الأول من سلسلة مقالات للكاتبة عن مشكلات الصحة النفسية في مصر.

اعلان