عن (أفق) باتريك موديانو

فى مساء يوم الخميس الذى فاز فيه باتريك موديانو بجائزة نوبل، عاد والدى إلى المنزل برواية (الأفق) للكاتب الفرنسى الذى لم أكن أعلم باسمه قبيل ذلك. أتصور أنه اشتراها من مكتبة “تنمية” بوسط المدينة. بدت الطبعة أنيقة وبغلاف تتصدره صورة فوتوغرافية تميل ألوانها للزرقة تصور برج إيفل بالغروب وانعكاس صورته على الماء.

سأقتنع لوهلة بعد انتهائى من قراءة الرواية أنها كانت تستحق غلافًا أكثر تعبيرًا عما يعنيه الكاتب بالأفق وبالمستقبل، ولكننى سأتراجع ثانية عن ملاحظتى تلك عندما أرى النسخة الفرنسية الأصلية بقطع أصغر وغلاف أبيض تمامًا دون أى رسوم أو صور تتخلله، يتوسطه العنوان بخط أحمر بفونت ذكرنى بالكتب المدرسية. لم تكن الطبعة العربية الأنيقة أو نوبل وحدهما هما المشجعان على القراءة، ولكن حجم الرواية الصغير نسبيًا، 150 صفحة، وهو الحجم الذى أفضله قراءة وكتابة، وكان دافعًا قويًا لأن تأخد الدور قبل غيرها من الروايات. سأدرك لاحقا، عندما أتحصل على رواية (مجهولات) لموديانو أن ذلك هو الحجم الذى تدور فى فلكه جل أعماله.

تذكرت ما قاله أحد الأصدقاء الناشرين من قبل بأن الرواية الرائجة لا يقل عدد صفحاتها عن 250 صفحة، ثم تذكرت ذلك الصديق الافتراضى على الفيسبوك الذى كتب ذات يوم عن دار النشر التى طلبت منه أن يضاعف عدد صفحات الرواية للسبب نفسه: الرواج. الغريب بالقصة الأخيرة أن هذا الكاتب استجاب لدار النشر وضاعف صفحات روايته فعلًا.

***

 

“حاولت أن أشيد خلال العشرات من السنين شوارع مستقيمة الزوايا، واجهات مستقيمة جدًا، أعمدة وعلامات لمداراة المستنقع والفوضى الأصليين، الآباء السيئون، عثرات الشباب. ورغم ذلك من وقت لآخر أقع على أراض غامضة تجعلنى أستشعر على حين غرة غياب شخص ما، أو على طابور من البنايات القديمة تحمل واجهاتها جروح الحرب، كحسرة.

لم يعد بحاجة لتصفح الخريطة. كان يسير إلى الأمام عبر جسر السكك الحديدية ثم جسر آخر على ساحة سبرى. وإذا أنحرف عن الطريق فالأمر سيان”.

 

هكذا يكتشف العجوز الفرنسى بوسمان بعد مرور سنين العمر أنه لأسباب هشة جدًا أو بدون أسباب أصلًا، فقد الكثير مما كان يجب عليه فعله، فقد أشخاص وأحداث كان عليه أن يحياها، فيعود وهو بعمره الكبير ليبحث عن حبيبته التى فقدها منذ عشرات السنين، ويبحث عن الحياة التى كان يتمناها، ولكنه بحث لا يخلو من تردد وخوف، أو كما يقول لنا الراوى أن بوسمان “خامره شعور بالندم، لماذا تتبع هذا المسار دون غيره؟؟ … يشعر بالدوران كلما فكر فيما كان يمكن أن يحدث ولكنه لم يحدث”.

وبالرغم من أن باتريك موديانو الفائز بنوبل منذ أيام اعتمد فى روايته أسلوب الراوى ـ باستثناء جمل معدودة ـ إلا أنه تتبع خطى ذاكرة بطله بوسمان وكأن القصة تروى من خلال ذاكرته التى لا تستحضر الأحداث بترتيب حدوثها، ولكنها تعتمد فى ترتبيها على أن الشئ بالشئ يذكر فلا تكتمل الذكريات فى مخيلته إلا بعد تقاطعات عديدة بين الشخوص والأحداث حتى تتم الصورة نسبيًا بنهاية الرواية: “ذكريات على شكل غيوم سارحة فى حقول السماء. كانت ذكريات تنساب لتلحق بذكريات أخرى”.

ذاكرة بوسمان فى أغلبها ذاكرة بصرية، تعتمد على مشاهداته، وبالأخص الشوارع، فالمقهى والكنيسة والمبانى والمدرسة الداخلية ومترو الأنفاق هم أدواته الاوليه للتذكر، وهم أدلته إلى الأشخاص والأحداث، لذلك تعج الرواية بأسماء الشوارع والميادين والشركات والطرقات والعناوين.

أما دليله الآخر فى التذكر فهو مخاوفه، مخاوفه التى أفسدت حياته وحركتها فى مساراتها السابقة، فأول ما يتذكره بوسمان ليس حبيبته كما يبدو أنه منطقيا ولكنه (ميروفى) ذلك الشخص المخيف، الذى يدعوه فى شبابه للانضمام لمجموعتهم التى أسموها العصابة السعيدة، ولكنه ـ وكما يليق ببوسمان ـ يرفض.

أثناء تذكره لميروفى، تقوده الذكريات لصاحبته، مارجريت لوكوز، التى عرف عن طريقها ميروفى لأول مرة. يغوص بشكل غير مرتب فى ذكرياته مع مارجريت التى ولدت بألمانيا، وعاشت بسويسرا ثم عادت إلى بلدها الأصلى فرنسا حيث تعرفا. كان سبب تنقلها الكثير هو خوفها أيضًا، خوفها من شخص مجهول يطاردها. تحت أثر خوفها منه واعدته مرة أو اثنتين فـ “أحيانا كانت ترتاب كثيرًا من نفسها بحيث كانت على استعداد أن تهب الشئ الكثير من ذاتها حتى تحظى برضا الآخرين أو حتى لا يضمرون لها أى عداوة”، ولكن ما كان للأمر أن يستمر، وظل هذا المجهول يطاردها بكل الأماكن. وفى المقابل فوالدة بوسمان هى الأخرى تطارده بعدما هرب منها فى طفولته، تطارده من أجل النقود. فيبدو عالم بوسمان ومارجريت مكونا من مطاردات ومخاوف تتملكهم فتدفعهم دفعًا بطرق الحياة التى لم يخططوا لها أبدا، ولم يتمنوها أو يتوقعوها.

من المفارقات المضحكة أننى قرأت الرواية فى أول أيام العام الدراسى بالجامعات المصرية وما صاحبه من أحداث مؤسفة، فصادفت بمنتصف الرواية جملة كتبها موديانو عن السيد باغيريان، وهو شخص مرموق عملت مارجريت مربية لأولاده، واصفا إياه بقوله: “أنه نشأ بمدارس فرنسية فى مصر على يد أساتذة أكثر حرصًا على مبنى ومعجم اللغة مما عليه الأمر فى باريس”!

صدرت الطبعة الأولى لرواية (الأفق) بفرنسا فى مارس 2010، وترجمت إلى العربية بواسطة  المغربى د. توفيق سخان عن منشورات الضفاف ـ بيروت بالتعاون مع منشورات الاختلاف ـ الجزائر فى عام 2014 ـ أضافت الدار للغلاف منذ أيام شريط أحمر ينوه إلى فوز موديانو بنوبل 2014. كانت الترجمة شيقة وممتعة إلى حد بعيد ولم تنل منها بعض الأخطاء اللغوية والمطبعية التى اعترتها وأوحت وكأنها لم تراجع بتريث كاف.

اعلان
 
 
أحمد عبد المنعم رمضان