المزيد من اﻷسئلة تظهر في المدى.. هل سيكون الخلاص في اختلاف طريقك، أم قد يكون الخلاص في طريق دربك اﻷول، ورفاقه الذين رضيت بهم على علاتهم مسبقًا.. هل تتذكر متى رضيت بهم؟
العام: ١٩١٤، عاش عبدالله وعبدالعليم في قريتهما المجاورة لإحدى مدن جنوب الصعيد، وكانا مزارعان ماهران، يقسم بمهارتهما القاصي والداني، فمدينتهما تقع على ضفاف النيل، حيث لك أن تتصور ما كان هناك من خير في تلك اﻷراضي الزراعية، ومحاصيلها الذهبية التي تنتج عن مخلفات الفيضان من طميّ وثروة، كان يمر بقريتهما الطريق الرئيسي الواصل بين قرى الجنوب ومدن الشمال. دائمًا ما فكرا في الرحيل للشمال حيث ساحل البحر، ومركز ازدهار مزارع الفواكه والموالح، حيث الميناء وتجارة القطن رائجة، في تلك المدينة الساحلية التاريخية، حيث يتمركز رجال التجارة واﻷعمال من كل حدب وصوّب. لم يترك هذا الحلم مخيلتهما واتفقا على تحقيقه يومًا ما، فربما يكون هذا اليوم بعد انتهاء تلك الحرب العظمى التي نشأت بين القوى الكبرى في العالم ـ منتصف العام الجاري ١٩١٤ ـ وانتظرا بفارغ الصبر انتهاء الحرب للرحيل إلى الشمال.
***
كيف وجدت نفسك هنا بعد مرور مئة عام من بدء تلك الحرب العمياء، وفي نفس المنطقة من العالم؟
***
هنا تقابل من يخاف من بداية حرب كبرى أخرى، ظهرت بوادرها في بلده اﻷم، فتركها نازحًا بدلًا من الانتظار والمخاطرة بمعايشة تلك التجربة الخطرة، ذهب مع أسرته إلى بلد شقيقة على مقربة من عاداتهم وخلفياتهم الثقافية والتاريخية، إلا أنها استقبلته هو ومن على شاكلته بفتور ونفور، ليبادر بالرحيل للشمال، ويقرر خوض مواجهته الشخصية مع المخاطر في عرض البحر للوصول لحلمه وغايته، وكان هذا ما قرره شقيقا العبد الآخران عندما رأيتهما. ففي بداية النصف الثاني من عام ٢٠١٤، قررا استقلال قارب صيد من سواحل المدينة التاريخية شمال الدلتا، للعبور إلى سواحل أوروبا حيث اﻷحلام تعيش حية وسط اﻷحياء.
يحكي عبد العليم عن رحلته في البحر اﻷبيض المتوسط فيقول: “انتقلنا أنا وأخي من منزلنا بشرق المدينة ـ حيث كنا نعيش مع أخواي ووالدتي ـ إلى منزل أعده لنا السمسار الذي تعاقدنا معه لركوب قارب الهجرة، قضينا هناك يومان حتى يكتمل عدد المسافرين، وعند وصول عددنا لخمسين شخصًا يرغب في الرحيل، ركبنا حافلة توجهت بنا إلى ضواحٍ ساحلية تقع في أقصى غرب المدينة، ثم ترجلنا إلى الشاطئ، وكأننا مجموعة من المصيفين الذين يستمتعون بالبحر والهواء، لاح القارب في اﻷفق قادمًا نحو الشاطئ ثم توقف على مقربة داخل المياه، وفي عجالة بدأت المجموعة في الذهاب إليه.
أما عن نفسي فقد شددت يد أخي وجرينا نحوه، وﻷننا من أبناء مدينة سورية ساحلية استطعنا السباحة بمهارة، وكنا أول الواصلين إلى القارب فأمرنا قائده المصري بالانحناء، والاختباء تحت غطاء بلاستيكي ثقيل، فعلنا ما أمرنا به وانتظرنا ركوب باقي الأشخاص، ثم انطلق بنا القارب متأرجحًا بين اﻷمواج حتى وصل إلى قارب أكبر منه بعدها بحوالي الساعة، عشنا به ثلاثة ليال وسط فضاء لا نهاية له من المياه والسماء. عندما يأتي علينا الليل لا نرى إلا انعكاس ضوء القمر على أمواج البحر، مررنا بتجربة مريعة مع اﻷمواج العالية كأنها الطوفان يكاد يعصف بنا، وفي مرة من المرات قلت الشهادة وأيقنت بموتي وضياع حلمي، ثم أتى عصر اليوم الرابع فأعطانا قائد المركب العربي سترات إنقاذ للسباحة بها، وأمرنا بالقفز في المياه ثم قام بإطلاق إشارات استغاثة حتى تراها البواخر العابرة، فتقف وتقوم بإنقاذنا وتوصيلنا لسواحل ايطاليا، وتسليمنا للسلطات اﻹيطالية، التي تقوم بدورها بتسليمنا إلى هيئة الصليب اﻷحمر باعتبارنا مهاجرين غير شرعيين قادمين من منطقة نزاعات مسلحة، أي باعتبارنا لاجئين، لنا كامل الحق في البقاء على اﻷراضي اﻷوروبية، وبذلك تتهيأ لنا فرصة الهرب إلى شمال أوروبا.
هذا أفغاني وهذا إيطالي وهذا مجري وآخر صربي، هم مهربوا البشر، والهدف إيصالنا إلى بلاد الشمال.. حيث اﻷحلام تحيا متجسدة.. والمقابل أن تدفع لهم مئة يورو، وهو ما حدث معي أنا وأخي، وكثيرون غيرنا دفعنا ليساعدنا اﻵخرون في المجازفة عسى أن نصل للحلم.
استطعنا بالفعل الوصول لإحدى الدول اﻹسكندنافية العريقة، حيث الرفاهية في متناول الجميع، ونعيش بها اﻵن تحت وصاية الحكومة، وتوفر لنا الدولة كل ما نحتاجه لنعيش في إنسانية وأمان.
***
ولكن عقله ظل مشغولًا بأمه وأخيه الأكبر.. ذلك الشاب الذي لا تنتهي طفولته العقلية.. وظل يتساءل كيف هما؟ وكيف يستطيعان القدوم لهما للعيش سويًا مرةً أخرى بعد الشتات؟
………………………..
يتبع..
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
أعرف أكتر