«الشرطة المجتمعية» تواصل مع المجتمع أم تجسس عليه؟
 
 

أمس السبت، قرر قسم التشريع في مجلس الدولة، الموافقة على التعديلات المقدمة من وزارة الداخلية على قانون الشرطة، بإضافة هيئة شرطية جديدة تحمل صفة الضبطية القضائية، تحت اسم «معاونو الشرطة المجتمعية».

حاولت «مدى مصر» الاتصال بالمعنيين بالأمر فى وزارة الداخلية، إلا أن الاتصالات لم تسفر عن أية ردود، ما يزيد غموض المسألة خاصة وأن القانون لا يتحدث عن طبيعة الدور المنوط بهذه الهيئة، أو عن ميزانيتها أو تشكيلها.

وجاء في نص التعديل شروط التقدم للعمل كمعاون شرطة مجتمعية، ومن أهمها أن يكون المتقدم (أو المتقدمة) لا يحمل أي جنسية أخرى، وأن يكون حاصلًا على الشهادة الاعدادية أو ما يعادلها. هذا بالإضافة لتحديد مدة 18 شهرًا لكل المتقدمين لدراسة القانون والمواد الشرطية، على أن يمنح كل منهم صفة الضبطية القضائية بمجرد تعيينه.

غياب المعلومات عن الخبر المقتضب الذي نُشر صباح اليوم بخصوص هذا الأمر، صاحبه جملة وردت في حديث كل المسؤولين، أن الفكرة ليست سابقة مصرية، بل تم تطبيقها في أكثر من دولة عربية، خاصة الإمارات العربية، التي عمل على تأسيس هذا الفرع من الشرطة فيها ضباطا مصريين.

موقع وزارة الداخلية في الامارات العربية يتحدث عن دور محدد للشرطة المجتمعية، ويقول “تتألف فرق الشرطة المجتمعية من ضباط الشرطة وضباط دعم المجتمع الذين يقومون بدوريات في الأحياء (…) وتتعامل الدوريات بصورة يومية مع حالات الانحرافات السلوكية المعادية للمجتمع والقيادة الخطرة ومنع الجريمة وغيرها. وضبط المشتبهين فيهم ومرتكبي الجرائم، كما تقوم بإعداد تقارير حول الحوادث والأنشطة للرجوع إليها مستقبلاً. ومن المهام التي تقوم بها أيضاً تنظيم الحركة المرورية والسيطرة على الحشود والجماهير ومساعدة ضحايا الحوادث وغيرهم ممن يحتاجون إلى الإسعافات الأولية”.

اللواء نبيل الشاهد، الخبير الأمني وصاحب فكرة تطبيق القانون في مصر، وهو يُدرِّس علوم الشرطة المجتمعية في الامارات أيضا، قال لـ«مدى مصر» أن الفكرة تستهدف توثيق العلاقة بين الشرطة والمجتمع، وضرب مثل بعملية البحث الجنائي التي يقوم بها جهاز الشرطة، وعند احتكاكه بالمواطنين يشعرون وكأنهم “مرشدين”، موضحا أن الفكرة من الشرطة المجتمعية هي تقنين هذه العلاقة.

واستطرد الشاهد أن الشرطة المجتمعية ستعمل على تأسيس اتحاد من «النخب» في كل حي، تجتمع معه بصفة دورية لتحديد الأنشطة الأمنية المريبة وهوية “الأغراب” الذين يرتادون الحي، مفسرًا أن ذلك سيكوّن قاعدة بيانات أمنية تفيد الشرطة في ممارسة باقي أنشطتها.

ونفى الشاهد أن يكون من أدوار الشرطة المجتمعية التعامل مع المظاهرات أو الاحتجاجات، وقال: “ليست الفكرة هي إقصاء باقي أجهزة الشرطة عن آداء دورها”.

من جهته، رأى اللواء عبد اللطيف البديني، مساعد وزير الداخلية السابق وأستاذ إدارة الأزمات لـ«مدى مصر» وأحد المشاركين في تأسيس فرع الشرطة المجتمعية في الإمارات، أنه على الرغم من أهمية دور الشرطة في عدة دول إلا أن الأمر ليس مناسبا للمجتمع المصري، موضحا أنها ستتحول لما يشبه جلسات المصالحة والمجالس العرفية، ولن تستطيع القيام بدورها.

وأضاف البديني: “يبدو أن الأمر يحدث في سياق إعادة هيكلة وزارة الداخلية، لكن كان أجدى أن تُرفع هموم المرور والمرافق والمحليات والأحوال المدنية عن الشرطة، بدلًا من تأسيس جهاز جديد”.

في السياق نفسه قال محمد محفوظ، مقدم شرطة سابق وناشط في مجال تطوير الشرطة، أن استحداث الشرطة المجتمعية ليس كافيًا لحل أوجه القصور لدى الشرطة المصرية، بل إنه قد يؤدي لتفاقم المشاكل الهيكلية في المنظومة. وأضاف أن فكرة خلق حلقة وصل بين الشرطة والشعب في حد ذاتها أمر جيد، لكنه رأى أن إشراك المجتمع المدني في هذا الدور واسناد بعض القطاعات كالنقل مثلا للشركات الخاصة، قد يكونا حلولًا أكثر جدوى في تحسين الآداء الأمني.

وأضاف محفوظ أن إدخال أفراد جدد يحملون مؤهل الإعدادية على جهاز الشرطة ينافي متطلبات إعادة هيكلة الشرطة على المدى الطويل، موضحا أن تعدد الفئات داخل وزارة الداخلية يؤدي إلى أغلب المشاكل مثل التفاوت في المعاملة و”تمرد الفئات الأضعف”.

على الجهة المقابلة، رأى جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان، أن تطبيق الفكرة في ظروف طبيعية قد يكون أمرًا مقبولًا، وأضاف: “الدولة تقول أن الفكرة موجودة في عدة دول، لكن ظروف هذه الدول مختلفة كليا”.

واعتبر عيد أن غياب المعلومات عن الأمر مربك، خاصة أن هناك تصريحات لوزير الداخلية محمد ابراهيم بأن هذا الجهاز سيتعامل مع أعمال الشغب، ما يعني توسيع دور الأمن السياسي على حساب الدور الجنائي لوزارة الداخلية. وأضاف أن إعادة هيكلة الداخلية كانت أولى من زيادة الأجهزة الأمنية، ومنح صفة الضبطية القضائية لأفراد غير مؤهلين، ما ينذر بمزيد من الأزمات.

على كل الأحوال، موافقة مجلس الدولة على مسودة التعديلات التى قدمها وزير الداخلية تجعل تنفيذ القانون مسألة وقت، مما يعنى قرب خروج «الشرطة المجتمعية» إلى النور، لنكتشف جميعًا هل ستحقق أهدافها ـ غير المعلومة حتى الآن ـ أم ستذوب فى تعقيدات البيروقراطية الإدارية.

اعلان