حكايا الثورة والجامعة


عليّ أن أعترف أن عملي الصحفي في تغطية ملف الجامعات المصرية وتطورات الأوضاع بها منذ اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير قد أكسبني قدرة كبيرة على توقع التطورات المستقبلية للوضع السياسي المتأزم في مصر، أو محاولة ربط النقاط ببعضها بشكل أكثر وضوحًا حينما تفشل كل التوقعات.

فالمتابع الجيد لتطورات الأوضاع داخل الحركة الطلابية المصرية سيدهشه حتما مدى تقارب التفاصيل بين المشهد داخل أسوار الجامعة وخارجها، وكيف كانت الجامعة ـ وما زالت ـ نموذج محاكاة حي للثورة المصرية بكل انتصاراتها وهزائمها، بكل بكائياتها ولحظاتها الدرامية.

كان اندلاع الثورة بمثابة شريان حياة للجامعات والحريات الأكاديمية في عام 2011، حيث تفرغت الحركة الطلابية المصرية لتغيير واقع الجامعات من خلال ثلاثة محاور. أولها تنفيذ حكم المحكمة الإدارية العليا بانهاء تواجد قوات الأمن داخل الحرم الجامعي، وإنهاء نظام تعيين القيادات الجامعية من قبل السلطة التنفيذية وانتخابهم وعزل كل القيادات الجامعية الموالية لنظام حسني مبارك، وتعديل اللائحة الطلابية المقيدة للحريات الأكاديمية.

تنفيذ حكم الإدارية العليا ومنع تواجد الشرطة داخل الحرم الجامعي كان الانتصار الأول، وانشغل أعضاء الحركات الطلابية الثورية في الضغط من أجل عزل القيادات الموالية لمبارك وهو ما تحقق بالفعل وتم انتخاب عمداء الكليات ورؤساء الأقسام، ولكن ظلت اللائحة الطلابية أكثر الأمور إثارة للجدل.

وبينما تصارع الثورة في أوجها محاكمات عسكرية ومواجهات دامية مع قوات الأمن، كان الطلاب في مقدمة الذين ذهبوا ضحايا أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء. لم ولن أنسى وجه أخي طالب كلية الصيدلة وقتها وهو عائد من أحد مظاهرات طلبة جامعة عين شمس أمام وزارة الدفاع منددا بمقتل أحد زملائه في كلية الهندسة. أخبرني وقتها بفخر كيف كان يهتف هو وزملائه ضد حكم العسكر بينما يقف على بعد أمتار منه ضباط الشرطة العسكرية.

وفي وسط كل هذه الصراعات، كان حلم كتابة لائحة طلابية جديدة تتماشى مع الواقع الجامعي الجديد هو الفصل الأول في نموذج المحاكاة. فبينما تجادل المصريون ومن خلفهم القوى السياسية المصرية حول وجوب عقد الانتخابات أولًا أم كتابة الدستور، شب الخلاف داخل أسوار الجامعة حول أولوية عقد انتخابات اتحادات الطلاب أولا تحت لائحة 2007 المقيدة للحريات، أم كتابة لائحة جديدة أولا.

بينما انشغل طلاب الحركات الثورية بالتظاهر ضد اللائحة القديمة والقيادات الجامعية، هرع طلاب جماعة الإخوان المسلمين ـ كعادة جماعتهم ـ للانتخابات وسط مقاطعة من كل الحركات الطلابية الأخرى. وكما سيطر الإخوان على مقاعد برلمان 2011، سيطر طلاب الإخوان على مقاعد اتحادات الطلبة على مستوى الجمهورية. وكما سيطرت الجماعة على عملية كتابة الدستور، سيطر طلاب الجماعة على كتابة لائحة طلابية أعطت بعضًا من الحريات المفقودة في اللائحة القديمة، وحملت كثيرًا من العيوب التي حملتها اللائحة القديمة.

واستمرت حلقات المحاكاة المضحكة بين الثورة وبين الموقف الجامعي المشتعل، حينما أصدر هشام قنديل رئيس وزراء حكومة الإخوان في بداية 2013 قرارًا إداريًا منافيًا للقانون بتمرير اللائحة الطلابية المختلف عليها بدون إجراء استفتاء بين الطلبة عليها. أذكر حينها صوت أحد قيادات الحركة الطلابية الإخوانية وهو يحدثني بكل غرور عن عدم توافر الإمكانات المادية وضيق الوقت لعقد استفتاء على اللائحة. لم يختلف صوته كثيرًا عن صوت محمد مرسي وهو ينبري مدافعًا عن إعلانه الدستوري متسترا خلف بكائية إعادة حقوق الشهداء.

ربما كانت بارقة الأمل الوحيدة التي لم يقابلها مثيل في الثورة هي نتائج انتخابات اتحادات الطلاب الأخيرة، التي توحد فيها العديد من طلاب القوى الثورية أمام تكتل وقوة حركة طلاب جماعة الإخوان العتيدة، حيث استطاع طلاب القوى المدنية ـ وجزء منهم للأمانة انتمى لطلاب مؤيدين لنظام مبارك وإن لم يتحالفوا في قوائم واحدة مع الطلبة الآخرين ـ اقتناص قرابة نصف مقاعد الاتحادات، ما مكنهم من الحصول على قرابة النصف في مقاعد طلاب اتحاد طلاب مصر. كان  انتصارا لا يعبر فقط عن تميز الحركة الطلابية في الحشد والتأثير لكي يتمكنوا من تعديل اللائحة الطلابية، وإنما يعبر أيضا عن ناقوس خطر لم تلحظه الجماعة العجوز عن تراجع تأثيرها في أكبر وأهم معاقلها التنظيمية والسياسية.

وكما جاء عزل مرسي بموجة من العنف اجتاحت البلاد، لم يكن خافيا على أي مراقب للجامعات المصرية أن عام 2013 لن يكون أبدًا عامًا عاديًا. استغلت جماعة الإخوان المسلمين تماسك حركتها الطلابية في الجامعات وخاصة الأزهر لترسل رسالة واضحة للجميع: لن تهنأوا بالعيش طالما تم عزلنا من الحكم، وكان هذا بالضبط ما أراده النظام المصري.

ربما يكون المشهد للمتابع من الخارج أننا أمام طرفين متضادي المصالح، إلا أن ما حدث داخل الجامعات المصرية لا يدع مجالا للشك أن النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين في حالة اتفاق تام فى المصالح. استمرار العنف داخل الجامعات استخدمه النظام المصري أفضل استخدام للترويج لآلته القمعية الباطشة، واستغلته الجماعة لتعضيد المظلومية التاريخية التي دوما ما حافظت على تماسك تنظيمها العتيد.

لم تدخر الجماعة جهدا في جعل تواجد الشرطة داخل الحرم الجامعي أمرا واقعا، ولم يدخر النظام المصري أي من رصاصاته في قلوب وصدور الطلاب الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذا الصراع الدامي.

فكما عمد النظام إلى استفزاز القوى الثورية بقانون التظاهر وحبس النشطاء وقتل متظاهرين عزل، عمدت الشرطة إلى استفزاز طلاب القوى الثورية والطلاب غير المسيسين بإطلاق النيران داخل الحرم الجامعي وفي المدن الجامعية، والقبض العشوائي في بعض الأحيان والمتعمد ضد بعض القيادات الطلابية في أحيان أخرى. وحينما حانت لحظة تاريخية لطلاب الإخوان المسلمين للتصالح والتوحد مع طلاب القوى الأخرى بعد مقتل طالب كلية الهندسة محمد رضا بجامعة القاهرة، أصر طلبة الجماعة على الركوب على الحراك الثوري ورفع صورة مرسي والمطالبة بعودته، لتتحول مطالب القصاص للطالب القتيل إلى مطالبات بعودة الرئيس المعزول.

لم يضيع طلبة الإخوان تلك الفرصة التاريخية عن غباء، ولم يستعد النظام المصري الطلاب الثوريين عن غباء، فلم يهدف الإخوان يوما لعودة الحريات الأكاديمية والطلابية، ولم يرد النظام يوما أن تعود الجامعات لهدوئها. استمرار الوضع كما هو عليه كان هو هدف الطرفين داخل أسوار الجامعة وخارجها.

تأتي الدولة في صفقة غير معروف أي من تفاصيلها لتأمين الجامعات من خلال شركة فالكون التي أمنت حملة الرئيس عبدالفتاح السيسي، وتشير علامات استفهام كبرى لانتمائاتها السياسية والأمنية. لماذا فالكون تحديدا؟، لماذا تدفع كل هذه الملايين لفالكون في حين تحججت إدارات الجامعات في العام الماضي بقلة الإمكانات المادية لتوفير شركات أمن خاصة؟، ولماذا تعمدت الدولة القبض على 41 طالبا من بيوتهم قبل بدء العام الدراسي بيوم واحد؟، كيف نفسر فشل فالكون الذريع أمام الاحتجاجات الطلابية وهروب موظفيها بهذا الشكل المهين والمضحك أمام جحافل الطلاب في ثاني أيام الدراسة؟، هل يمكن أن نفهم ذلك على أنه فشل من شركة يدفع لها الملايين لحماية الطلاب؟، أم تعمد الفشل لتصبح عودة الداخلية للجامعات أمرا واقعا وحلا وحيدا؟

اليوم، وبعد مرور عام جامعي وصفته منظمة حرية الفكر والتعبير بالأسوأ في السبعين عاما الأخيرة، وبعد مقتل 13 طالبا على الأقل واعتقال المئات من الطلاب وتمرير الدولة لحزمة غير مسبوقة من القرارات المقيدة للحريات الأكاديمية، أقول لكم أننا نقف أمام مشهد مأزوم، بين دولة لم ولن تتورع عن القتل، وجماعة تستعذب القتل لاستمرار مظلوميتها، وطلبة يرون مستقبلهم مظلما يوما بعد يوم، وحقوق ضائعة، ودماء مهدورة.
 

اعلان
 
 
مي شمس الدين