فظيعٌ جهلُ ما يجري وأفظعُ منه أن تدْري

“شعاري اليوم يا مولاي نحن نباتُ إخصابك

لأنّ غـنــاك أركعنا علـى أقدام أحبابك

فألّهناك، قلـنا: الشمسُ من أقباس أحسابك

ذوائبهـا سريـر هواك وبعض ذيول أربابك

وبسم الله جلّ الله نحسو كـأسَ أنخابك

ومـن دمنـا علـى دمنـا تموْقـعَ جيشُ إرهابك

لقد جئنا نجرّ الشعب في أعـتـاب أعتـابك

ونأتي كـلّ مـا تهوى نمسّح نعلَ حجّابك

ونستجديك ألْقاباً نتـوّجها بألقابك

فمرْنـا كيفما شــاءتْ نوايـا ليل سردابك

نعـم يـا سيد الأذناب إنّا خيرُ أذنابك

فظيعٌ جهلُ ما يجري وأفظعُ منه أن تدْري”

البردوني

                                                                            ….

“أنا باموت، مش عارفة لا آكل ولا أشرب ولا أنام، كل يوم ضرب، حرام كده، اتقوا ربنا فينا” سارة خالد أثناء جلسة استئناف قضيتها.

سارة طالبة طب أسنان، حُكم عليها بالسجن سنتان ونصف لأنها وضعت في طرحتها دبوس عليه شعار رابعة. حكت سارة لوالدتها عن حفلات التعذيب والتكدير اليومية التي تتعرض لها من السجينات الجنائيات وعن قيام حارسات السجن بتجريدها من ملابسها وحبسها في حمام السجن لعدة أيام.

يذكر نجاد البرعي، محامي سارة والناشط الحقوقي، في شهادته المنشورة أنه انسحب من أُولى جلسات الاستئناف على الحكم بسبب تعنت القاضي وعدم اهتمامه أو تقديره لما يحدث لسارة داخل السجن ولانتفاء رغبته وقدرته على حماية موكلته.

تقول نيفين مسعد، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، في شهادتها بعد زيارتها لسجن القناطر، أن السجينات السياسيات يتعرضن للضرب من قبل مشرفات السجن ومن السجينات الجنائيات، بالإضافة لحالات التفتيش المهين التي يتعرضن لها والتي وصلت لحد تعرية الجسم بالكامل.

حصلت سارة مؤخراً على حريتها بعد مقاومة شديدة ومعاناة استمرت لأكثر من ثمانية أشهر في السجن. ليس من المعروف من سيدفع لتلك الفتاة ثمن الأيام التي ذهبت هدراً من حياتها بفعل حُكمٍ ظالمٍ من قاضٍ جليل!

“إذا مت فلن يدفنوا حلمي ولا حريتي ولا العدالة التي دافعت عنها. أحبكم يا إخوتي في محبة هذا الوطن”،

الشاعر عمر حاذق في رسالة وجهها لأسرته من داخل زنزانته بسجن برج العرب. اُعتُقِل عمر في ديسمبر ٢٠١٣ على خلفية مشاركته في مظاهرة سلمية أمام مقر محاكمة خالد سعيد بالتزامن مع محاكمة المتهمين بقتله. تم استخدام قانون التظاهر سيئ السمعة الذي أصدره الرئيس المؤقت حينها عدلي منصور وحُكِمَ على عمر بالسجن عامين وغرامة ٥٠ ألف جنيه.

كانت محكمة جنح مستأنف المنشية قَد رفضت الاستشكال المقدم من عمر على الحكم الصادر بحبسه وتغريمه. الغريب أن القاضي رئيس المحكمة الموقرة كان قد قبل الاستشكال المقدم من الناشطة السياسية ماهينور المصري على الحكم المماثل الصادر ضدها في القضية نفسها، آخذاً في اعتباره تسلم الناشطة جائزة دولية فى حقوق الإنسان فى إيطاليا يوم ٣١ أكتوبر القادم.

سبتمبر ٢٠١٤، أثناء نظر جلسة إعادة محاكمة متهمي مجلس الشورى، عرضت النيابة فيديو شخصي لزوجة أحد المتهمين، وحين سألت المحكمة ممثل النيابة ما إذا كان هناك علاقة بين الفيديوهات والحدث، رد السيد وكيل النائب العام بأن هذه هي الفيديوهات التي تم تحريزها وأن على المحكمة أن تقرر ما تراه و”تاخد اللى تاخده” بحد تعبيره. قام محامو الدفاع بتذكير هيئة المحكمة بأن أمر الضبط والإحضار لم يكن به إذن تفتيش، وأن الأجهزة التى أخذتها الشرطة من منزل المتهم وقت القبض عليه أُخذت بالمخالفة للقانون. للأسف لم يتسن لهيئة الدفاع أن تتأكد ما إذا كان السيد وكيل النائب العام يعلم أن الدنائة والفجر في الخصومة من علامات النفاق وليست من بديهيات العمل القضائي أم لا.

                                                                           ….

“قاضيان في النار وقاضٍ  في الجنة” حديث شريف. يبدو أن قاضيا النار من المحروسة.

                                                                           ….

مايو ٢٠١٤، توفي عزت الغرباوي،  ٤٦ عاماً، الموظف بوزارة المالية بعد احتجازه ٤ أيام داخل قسم شرطة المطرية على ذمة التحقيق في اتهام كيدي بالإعتداء على أحد جيرانه. أثبت تقرير الطب الشرعي وجود سحجات في معظم أجزاء جسم المتوفي بالإضافة إلى وجود نزيف بالمخ وكسور بتسعة أضلاع.

من ضمن أبجديات العمل الشرطي المتبعة والمعترف بها أن يتم كسر أضلع المتهمين بالإعتداءات الكيدية، إن ماتوا فهو قضاء ولا راد لقضاء الله، وإن عاشوا فهو من باب التأديب حتى لا يعاودوا الكَرَّة، إن كانت هناك كَرَّة.

يوليو ٢٠١٤، توفي محمود سعد الدين، ٢٧ سنة، بالمستشفى الجامعي بالإسكندرية. كان قد تم الحكم على محمود بالسجن ١٥ عاماً في القضية المعروفة بأحداث سيدي جابر. ذكرت التقارير الطبية أن سبب الوفاة إصابته بالإلتهاب الكبدي الوبائي. عند سؤال والدة محمود، أكدت أنه لم يكن يعاني من أي أعراض للمرض قبل دخوله السجن واتهمت الأم إدارة السجن الذي احتجز به محمود بالمسؤولية عن إصابته ووفاته. “قبل وفاته بيوم ذهبت لزيارته، فوجدته كأنه جثة هامدة غارقة في بركة من البول، صرخت في طاقم التمريض طالبة منهم تنظيفه وتغيير ملابسه، أو السماح لى بفعل ذلك”، تقول الأم.

أغسطس ٢٠١٤، قام مجموعة من أمناء الشرطة بقسم الخانكة بالتمثيل بجثة متهم داخل مشرحة مستشفى الخانكة ووضع سيجارة مشتعلة في فمه وتصويره بالفيديو وهم يضحكون على المشهد من حول الجثة. في قسم الخانكة يلتزم أفراد الأمن بالمبدأ الأهم في العمل الشرطي في مصر وهو أنه لا يوجد لجسد الإنسان أي حرمة سواءاً كان حياً او ميتاً.

أغسطس ٢٠١٤، قام أمين شرطة داخل قسم شرطة إمبابة بالإعتداء على فتاة متأخرة ذهنياً واغتصابها أثناء تواجدها بحجز القسم. تقول الحكاية أن الفتاة كانت قد تعرضت لاعتداء من قبل سائق توكتوك بمنطقة إمبابة بالقاهرة وقام الأهالي بإنقاذها وتسليم الفتاة والسائق للقسم. تم حجز الفتاة داخل القسم ليتم عرضها على النيابة وبعد منتصف ليل يوم تسليمها، أخرجها أحد أمناء الشرطة من مكان احتجازها لتعود بعد قليل وهي في حالة انهيار كامل لتحكي لزميلاتها عن اعتداء فرد الأمن عليها.

لم يتم تحرير محضر بالواقعة حتى صباح اليوم التالي، تقول التحقيقات أن المجني عليها تعرضت لاعتداء كامل من قبل أمين الشرطة وعند الاستعلام عن ملابس الفتاة، تبين أنه تم التخلص منها بمعرفة القسم ولا يوجد لها أثر. تقول أيضاً النيابة، والتي يبدو أنها مارست عملها هذه المرة، أنها لا تقبل تحريات المباحث بقسم إمبابة لعدم ثقتها وخشيتها من حدوث محاباة لصالح المتهم.

                                                                          ….  

قال اللواء عبدالفتاح عثمان، مساعد وزير الداخلية لشئون الإعلام والعلاقات، أن السجون أصبحت أحد أنواع الفندقة، بحد تعبيره، رداً على اتهام وزارة الداخلية بارتكاب ممارسات ترقى لمرتبة الجرائم داخل أماكن الاحتجاز.

لا يعلم الكثير أنه من المعلوم من الفندقة بالضرورة أن يتعرض النزيل للضرب وكسر الأضلع والاغتصاب وأحياناً إلى القتل وذلك أثناء فندقته. يبدو أن الداخلية قد عادت إلى قواعدها سالمة، عودٌ أحمد.

                                                                          ….

“كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته يجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا فى أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيًا وصحياً”، من نص المادة ٥٥ من الدستور المصري المُستَفتَى عليه في يناير٢٠١٤.

                                                                          ….

أصبحت هذه الجرائم التي يرتكبها جهاز الأمن المصري من ضمن الروتين اليومي الذي نعيشه. للأسف تحول ما يفترض أنه أحد جناحي منظومة العدالة في مصر إلى عصابة تمارس التنكيل اليومي بالمواطنين والحجة الجاهزة دائماً هي محاربة الإرهاب. هم لا يعلمون، أو ربما يعلمون، أنهم يمارسون ما يُطلَق عليه إرهاب الدولة وأنهم أيضاً يصنعون الإرهاب بما قدمت أيديهم. الأكثر أسفاً أن الجناح الأهم في منظومة العدالة في مصر وهو الجهاز القضائي قد تحول بشكل أو بآخر إلى شريك في هذه الممارسات، إما بدعمها وتأصيلها أو بغض الطرف عنها وعن مرتكبيها. حالة التماهي تلك في الظلم والاعتداء على الحريات بين الشرطة والقضاء هي أكبر تهديد لما اصطُلِحَ على تسميته بهيبة الدولة. تلك الهيبة التي يفسرها البعض ـ وهم كُثُرْ ـ بالقسوة والأحكام الرادعة والضرب بيد من حديد، ويعي حقيقة كونها احترام للحريات وعدالة حقيقية – ليست بالانتقائية او الانتقامية – أقلية تدرك بحق عمق الأزمة التي تعاني منها منظومة العدالة في مصر. تلك الأزمة التي قد تكون سبباً لا قدر الله في كسر الدولة.

اعلان