وقت المصالحة الذي لم يأت بعد
 
 

يظل مستقبل حركات الإسلام السياسي قيد التكهنات، بينما يدفع الحديث عن مفاوضات غير مباشرة للمصالحة بين النظام الحاكم وجماعة الإخوان المسلمين قبيل الانتخابات البرلمانية ممثلو الطرفين لإنكار أي مشروع للتسوية في الأفق القريب.

منذ العام الماضي، أصرت جماعة الإخوان المسلمين على عدم القبول بخارطة الطريق التي رسمها المجلس العسكري بمساعدة قوى سياسية مدنية، مؤكدين أن أي تفاوض لحل سياسي لن يحدث قبل عودة الرئيس السابق محمد مرسي. إتخذ هذا الموقف منعطفا أكثر حدة بعد فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، الذي أسفر عن مقتل المئات من مؤيدي الجماعة حسب تقديرات رسمية، وأيضا بعد إعلان حظر أنشطة الجماعة، وإصدار أحكام بالإعدام أحيانا وبالمؤبد أحيانا أخرى للمئات من قيادات وأعضاء الجماعة.

ولكن مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، كثر الحديث عن محاولات للتفاوض غير المباشر بين الطرفين، وكانت ساحة الإعلام المصري هي الراعي الأكبر لمثل هذه التكهنات. وعلى الرغم من أن معظم تلك التقارير الصحفية منسوبة لمصادر مُجهلّة ومشكوك في مدى صحتها، إلا أن الكثير من الإشارات ربما توحي بأن فكرة المصالحة لم تعد بعيدة عن مخيلة البعض خاصة داخل الجماعة الإسلامية المغدورة.

أشار بعض المراقبين إلى الإفراج عن بعض القيادات الإخوانية وبعض المحسوبين على الجماعة كأحد أقوى العلامات على أن مياها ما قد بدأت تجري في النهر، حيث تم الإفراج عن البرلماني السابق المؤيد بشدة للجماعة محمد العمدة، والقيادي الإخواني المعتدل حلمي الجزار، بالإضافة إلى رئيس وزراء مصر الأسبق في عهد مرسي هشام قنديل.

العمدة، الذي تحدث في مؤتمر صحفي بعد الإفراج عنه مباشرة، عرض خطة للمصالحة تقضي بالاعتراف بالرئيس عبدالفتاح السيسي رئيسا انتقاليا للبلاد في مقابل الإفراج عن المعتقلين من أفراد الجماعة وإعادة إدماج الإخوان مرة أخرى في الحياة السياسية. أكد العمدة أنه حصل على موافقة العديد من قيادات الإخوان داخل السجون على خطته التي يقول عنها أنها قابلة للتعديل. رفض العمدة ذكر القيادات الإخوانية التي يدعي أنه حصل على موافقتها.

تزامن مؤتمر العمدة مع تصريحات مشابهة من القاضي السابق المؤيد للإخوان والبرلماني السابق المستشار محمود الخضيري، من داخل سجنه حيث يواجه تهم بالتحريض على العنف، والذي أكد أن قيادات الإخوان بالسجون على استعداد للصلح حيث يؤمنون أن المصالحة الآن حلا ضروريا، وأن المطالبة بعودة مرسي لم تعد الشعار الأمثل الذي يجب رفعه. الخضيري أيضا رفض ذكر أسماء هؤلاء القادة.

ربما تكون الإشارة الأهم هي انسحاب حزبي «الوطن» و«الوسط» الإسلاميين من تحالف دعم الشرعية الذي تتزعمه الجماعة منذ عزل مرسي، حيث أشارت تلك التقارير الصحفية إلى احتمال اعتزام الحزبين التوصل لمصالحة ما مع النظام تمهيدا لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة.

وأكد جمال المليسي، المساعد الشخصي للدكتور عماد عبدالغفور رئيس حزب «الوطن»، في تصريحات صحفية لجريدة «المصري اليوم» أن عبدالغفور قاد مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين بعد سفره لمقابلة بعض القيادات الإخوانية في تركيا، إلا أن محاولاته باءت بالفشل. طبقا للمليسي، فإن الحكومة عرضت على رئيس حزب «الوطن» الانسحاب من تحالف دعم الشرعية في مقابل السماح للحزب الإسلامي بخوض الانتخابات البرلمانية.

بالإضافة إلى ذلك، جاءت دعوة القيادي بالجماعة الإسلامية عبود الزمر بالمشاركة في الانتخابات كعلامة أكثر قوة عن ميل داخل التيار الإسلامي لدواعي المصالحة. قال الزمر في مقاله “الفرص الضائعة” أنه بالمشاركة في الانتخابات القادمة، ربما يمتلك الإسلاميون فرصة أخيرة  يمكن من خلالها تكوين “تحالف قوي يستطيع أن يشكل قوة في المجلس تدافع عن حقوق السجناء والشهداء وكل صاحب مظلمة وتدفع شروراً في التشريعات لا يعلم مداها إلا الله”. بدوره أكد حزب «البناء والتنمية»، الذراع السياسية للجماعة الإسلامية، أن الهيئة العليا للحزب ستناقش مقترحات الزمر.

كما جاء أيضا مقال الداعية الإسلامي المقرب من الإخوان راغب السرجاني، الذى أشار فيه إلى وجوب الاعتراف بشرعية السيسي، كمحرك قوي للمياه الراكدة. أكد السرجاني في المقال الجدلي، الذي أثار عاصفة من الغضب والانتقادات من قبل أعضاء الجماعة، أنه يجب التفريق بين الحاكم الظالم المسلم والحاكم الظالم غير المسلم. وعلى الرغم من إشارة السرجاني للسيسي أنه حاكم ظالم على حد قوله، إلا أنه أفتى بوجوب طاعته فقط لأنه مسلم. وقد انبرى العديد من شيوخ الإخوان والمقربين منهم للرد على السرجاني وتفنيد فتواه.

خالد الشريف، المتحدث الرسمي للمجلس الثوري المصري، وهو ائتلاف سياسي داعم للإخوان المسلمين من المصريين بالخارج، أكد أن النظام المصري هو من سعى كثيرا لعقد مصالحة مع الجماعة على مدار العام الماضي. وفي حديث هاتفي مع «مدى مصر» من تركيا قال الشريف: “لم تكن هناك أي مفاوضات مباشرة بين الجماعة والنظام، ولكن تم ذلك عن طريق وسطاء مثل قيادات بالجماعة الإسلامية، والدكتور حسن نافعة، والمفكر أحمد كمال أبو المجد”.

وأضاف الشريف أن السيسي هو من يملك مفاتيح اللعبة، وهو من بيده توفير الجو الملائم للمصالحة، على حد قوله.

الحديث عن المصالحة أيضا ألقى بظلاله على شباب الجماعة، خاصة في مناقشاتهم على مواقع التواصل الإجتماعي، والتى ربما تكون قد بلغت أشدها بين عضو الجماعة أحمد المغير وعائشة الشاطر، ابنة القيادي الإخواني الأكثر نفوذا خيرت الشاطر المسجون حاليا على ذمة التحقيقات في قضايا عنف.

المغير، الذي قاد حملات ممنهجة للدفاع عن الجماعة قبل وبعد عزل مرسي، انتقد خروج بعض القيادات الإخوانية من السجن، واصفا خطة العمدة للمصالحة بالـ “خديعة” التي حاكها قياديو الجماعة بالخارج. واتهم المغير قيادات الإخوان بالخارج مثل عمرو دراج، ومحمد علي بشر، ويحيى حامد، وإبراهيم منير بالتورط في مفاوضات مع نظام السيسي على الرغم من إعلانهم رفض أي من هذه المصالحات في السابق. يزعم المغير أن هذه المفاوضات تأتي برعاية غربية.

وفي المقابل انتقدت الشاطر المغير على هذه الاتهامات، متهمة إياه بعدم معرفة كيفية إدارة الأمور داخل الجماعة.

وعلى الرغم من كل هذا الجدل وهذه الإشارات، يظل قيادات الجماعة بالإضافة لقيادات إسلامية أخرى على رفضهم لأي محاولات للتقارب مع النظام الحاكم. من بين هؤلاء يسري حماد المتحدث الرسمي باسم حزب «الوطن» الذي يرفض الادعاءات الرابطة بين خروج حزبه من تحالف دعم الشرعية وبين حديث المصالحة، موضحًا: “كان بودنا المشاركة في الانتخابات، لكن على أي أسس؟ لا توجد أي علامات على أن النظام الحاكم يرغب حقا في إقامة دولة ديمقراطية، في حين تظل الدماء مسفوكة في الشوارع”.

حزب «الوطن» كان قد أكد في بيان له، عقب الانسحاب من تحالف دعم الشرعية، على تمسكه بالمبادئ الثورية الأساسية التي بُني عليها التحالف. حماد قال لـ«مدى مصر» أن التقارير الصحفية المتحدثة عن المصالحة ما هي إلا “مناورات جهات سيادية”.

كما أكد حزب «الوسط« أيضا أن انسحابه من التحالف لا علاقة له بأي تقارب مع السلطة الحاكمة، ولكنه في الواقع محاولة للعمل تحت “مظلة ثورية أوسع” من مظلة التحالف، يمكن من خلالها التواصل مع القوى الثورية المناهضة للسلطة القائمة والتي لا تسعى بالضرورة لعودة مرسي أو الإخوان للحكم. لم يشر الحزب لأىٍ من هذه القوى الثورية.

وفي بيان شديد اللهجة، أكدت جماعة الإخوان المسلمين على لسان أمينها العام محمود حسين نفيها القاطع لأي محاولات للمصالحة مع النظام، وأضاف البيان: “تشدد الجماعة على أنها لم تكن طرفا ولن تكون طرفا في أي عبث يقوض مستقبل البلاد والعباد، وأنها غير معنية بالمشاركة في جدل الحملات الإعلامية المشبوهة الساعية لإفلات المجرمين من الحساب العادل أو أي طرح لا يترتب عليه انجاز حل شامل وعادل يحقق كل أهداف الثورة وتطلعات الشعب، بما يعيد لمصر مكانتها وللمصريين حقوقهم وللمنحرفين رشدهم وللعدالة قيمتها، ولن تمنح القتلة مخرجا آمنا قط، ولن تسمح بافلات مجرم من العدالة، ولن تسامح في حقوق الشعب وضحايا سلطة الانقلاب”.

المتحدث الرسمي باسم وزارة العدالة الانتقالية، محمود فوزي، لم يأل جهدا أيضا في نفي أي محاولات لإجراء مصالحة بين النظام الحاكم والإخوان،  حيث أكد في تصريحات صحفية أن المصالحة لا يمكن أن تتم إلا من خلال قانون العدالة الانتقالية الذي سيتم إصداره من خلال البرلمان المنتخب طبقا للدستور. وأضاف: “المصالحة ستتحقق، ولكن تحققها خلال شهرين أو سنتين أو 20 عاما، يتوقف على وطنية الأطراف.. على الإخوان أن يعترفوا بأخطائهم التي دفعت الناس للخروج في 30 يونيو، صراحة لقد أصبحت وطنيتهم على المحك.. وعليهم أن يختاروا بين أن يكونوا جزءً من الصف الوطني أو يكونوا أداة لهدم الجبهة الداخلية”.

الكاتب السياسي المقيم فى لندن محمد هاني أكد لـ«مدى مصر» أن رسم طريق المصالحة ربما لن يكون بيد السيسي أو بيد الإخوان، وأضاف مفسرًا: “بنى السيسي شرعيته على إسقاط الإخوان والحرب على الإرهاب، أي مصالحة هي تضحية بهذه الشرعية. على الجانب الآخر، حشدت الجماعة قواعدها على مدار العام الماضي بكل قواها للتصعيد ضد النظام، أي مصالحة هنا هي تهديد لتماسك التنظيم، وهو ما تحرص عليه الجماعة لأقصى درجة، القواعد لن تقبل بالمصالحة”.

ويرى هاني أن السيسي لن يمكنه طرح فكرة المصالحة قبل الانتقال من شرعية القضاء على الإخوان إلى “شرعية الإنجاز”، مؤكدا أن السيسي في حاجة إلى إنجاز مشروعات قومية واقتصادية واجتماعية أولا لتعضيد شرعيته قبل الحديث عن المصالحة. وربما يكون إدماج حلفاء الإخوان في العملية السياسية، طبقا لهاني، استراتيجية جيدة من النظام لإثبات أن مصر على الطريق الديمقراطي الصحيح أمام المجتمع الدولي.

وأضاف هاني: “يرغب النظام في عزل الإخوان أكثر من رغبته في التصالح معهم، ربما كان القادة الإصلاحيون كدراج وبشر والجزار على استعداد أكبر للتفاوض. هناك ضغط دولي على الإخوان لتخفيف سقف التصعيد خاصة بعد الحملة العسكرية الدولية بقيادة الولايات المتحدة ضد داعش. يحاول النظام عزل القيادات الأكثر محافظة داخل السجون بعيدًا عن هؤلاء المعتدلين بالخارج”.

حذيفة زوبع، الذي كتب مقالا بعنوان “مش وقته” داعيا لمحاسبة المسئولين من قيادات الإخوان عما آلت إليه أحوال الجماعة، رفض أن يُفهم مقاله كجزء من ميل بعض الإخوان المزعوم للمصالحة. زوبع، وهو ابن القيادي الإخواني حمزة زوبع، أكد لـ«مدى مصر» أن أي حديث عن المصالحة هو “بالونة اختبار”، مضيفا: “أي تسوية أو هدنة بين النظام والإخوان لا يمكن قبولها إلا إذا استجابت لمطالب الشارع، بما في ذلك عودة مرسي. الإفراج عن بعض من قادة الإخوان هي محاولة من النظام للمصالحة وليس من الجماعة. الدولة تعتقل أربعين ألف معتقل، ما الفائدة حينما يخرج منهم ثلاثة فقط؟”.

القيادي الإخواني المسجون محمد السروجي توافق مع ما قاله زوبع في رسالة له أرسلها من سجنه لجريدة «الشروق»، دعا فيها إلى حل مكتب إرشاد الجماعة وتحمل قادة الإخوان المسئولية بإعلان استقالاتهم، وأضاف: “السلطة الحالية قادرة في ظل خبراتها الأمنية على تفكيك التحالف، وتهديد استمراره، في حين تملك السلطة العديد من فرص البقاء في ظل وجود قليل من المعاناة أو التهديدات، على العكس من موقف التحالف الوطني المهدد من أكثر من ناحية”.

بالنسبة لزوبع، فشلت قيادات الجماعة في إدارة الصراع مع السلطة القائمة، وتساءل: “هل الصراع بين الإسلاميين والعسكر؟ بين الشباب والشيوخ؟ أم بين الثورة والثورة المضادة؟ منذ الثالث من يوليو كل ما فعلته الجماعة هو رد الفعل”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين