“رجع بطاقتك”: هل يستجيب المستفيدون من الدعم لمبادرة وزارة التموين؟
 
 

“نناشد المواطنين ممن يرون عدم حاجتهم للبطاقة التموينية أو للدعم للتنازل عن بطاقاتهم. إذا كنت ممن يتمتعون بأجر عالٍ فلا تُحَمل الدولة فوق طاقتها”. هكذا بدأ محمود عبدالعزيز، رئيس قطاع الرقابة و التوزيع بوزارة التموين، حديثه إلى «مدى مصر» عن مبادرة “رجع بطاقتك” التي أطلقتها الوزارة مؤخرا.

يقول عبدالعزيز أن التنازل عن البطاقة التموينية سيكون اختياريا، والأمر يعتمد على احتياجات المواطنين.

وبينما ذكر المسؤول أنه ليس هناك حصرًا رسميًا لأعداد البطاقات التي تم تسليمها للوزارة، صرح المتحدث الرسمي لوزارة التموين محمود دياب في حوار صحفي بجريدة الأهرام أن حوالي 165 ألف بطاقة تموين تم التنازل عنها.

عبدالعزيز أوضح أن الوزارة لن تجبر المواطنين من أصحاب الأجور المرتفعة علي التنازل عن البطاقة، وواصل حديثه قائلًا: “الوزارة لا تملك قواعد البيانات اللازمة لتطبيق ذلك، نحتاج للدراسة و التنسيق مع جهات مختلفة لتحقيق هذا الأمر”. لكنه أكد أن كل من لم يزد راتبه على 1500 جنيها فهو يستحق الدعم.

“في حال اشتملت البطاقة على أكثر من خدمة، يمكن للفرد أن يستغني عن الخدمة التي لا يحتاجها ليتم شطبها، بينما يستمر الفرد في الانتفاع ببقية الخدمات التي توفرها له البطاقة”، يوضح عبدالعزيز.

في القاهرة، وتحديدًا في منطقة بين السرايات، اصطف عدد من المواطنين أمام أحد أكشاك السلع التموينية، ينتظرون أخذ نصيبهم من السلع، وقد أبدى عدد منهم عدم استعدادهم للتنازل عن بطاقة التموين.

يقول أحد الواقفين أمام الكشك: “المبادرة أمر جيد. ترضيني القرارات التي اتخذتها الحكومة مؤخرًا بشأن الدعم، لكن ما يقلقني حقا هو ارتفاع أسعار الوقود الذي سيتبعه ارتفاع الأسعار بشكل عام”.

تبعا لسعيد عباس، الذي يعمل تاجرًا بمحل التموين، هناك خمسة أفراد جدد تم تسجيلهم حديثا للحصول على بطاقات تموينية لهم.

“استغرق الأمر شهرًا واحدًا فقط”، قالها عباس مشيرًا إلى دفتر قيد أسماء المستفيدين من بطاقات التموين، موضحا أن عملية التسجيل للحصول على بطاقة التموين قد أصبحت أكثر سهولة من قبل، مؤكدا: “في السابق، كان على من يرغبون في التسجيل الانتظار لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر حتى يحصلوا على بطاقة جديدة”، مبينا أن مدة انتظار المسجلين أصبحت أقصر بكثير عن ذي قبل.

وعند سؤاله عن المشكلات التي قد تواجه من يرغب في التنازل عن بطاقته، شدد عباس على أنه يجب على وزارة التموين السماح للمواطنين بالإبلاغ عن وفيات ذويهم دون الحاجة إلى تقديم شهادات الوفاة أو دفع غرامات. “الناس يتخوفون من أن يتقدموا للإبلاغ عن حالات الوفاة في عائلاتهم، حيث أنهم سيضطرون لدفع المال لتعويض ما حصلوا عليه بشكل غير قانوني لأنفسهم قبل الإبلاغ عن الوفاة”، يوضح عباس.

وقدر عباس أنه سيتم توفير سلع لأكثر من 2 مليون فرد في حال استبعدت الدولة الوفيات من قواعد البيانات الخاصة بالمستفيدين من الدعم، مستطردًا: “وهذا بالطبع سيعود بالنفع على المحتاجين والفقراء”.

يقول عبدالعزيز أنه تم السماح للمواطنين الذين لم يبلغوا عن حالات الوفاة التى وقعت لأفراد عائلاتهم منذ فترة بأن يتقدموا للإبلاغ عنها، وكان ذلك خلال فترة امتدت من أكتوبر 2013 حتى يونيو 2014، وكان ذلك بشكل مجاني دون دفع أية غرامات. وبشكل عام، يوضح المسؤول أنه يتم فرض غرامة عند الإبلاغ عن الوفيات إذا تعدت فترة عدم الإبلاغ 90 يوما من الوفاة.  

ولكن يبدو أن هناك ثمة أفراد قد تحمسوا للاستجابة للمبادرة الحكومية وتنازلوا عن بطاقاتهم بالفعل.

يحكي عباس لـ«مدى مصر» عن امرأة كانت مسجلة لديه ضمن المستفيدين من الدعم، لكنها تنازلت عن بطاقتها مؤخرا. “قالت أنها لا تحتاجها، فهي تقبض معاشا يبلغ 5000 جنيها شهريا” يقول عباس، قبل أن يضيف: “أيضا أخبرتني امرأة أخرى أنها تعتزم تسليم شهادة وفاة أحد أفراد أسرتها حتى تتنازل عن نصيبه”.

بالتوجه إلى منطقة أخرى بحي الدقي، تكشفت توجهات أخرى جديدة، حيث أبدى تاجر بأحد المحلات التجارية هناك تمسكه ببطاقته التموينية حتى إن كان ميسور الحال. “بالطبع لن أتنازل عن بطاقتي التموينية، و بالأحرى لن يجرؤ أحد على الإقدام على التنازل عن بطاقته، خصوصا هذه الأيام”، قال التاجر.

“إنهم يأتون هنا في أفخم السيارات، ثم يسألوننا في السر عن نصيبهم من التموين” يقول أحد العمال فى أحد المجمعات الاستهلاكية بالمنطقة. وبالاستفسار منه عن احتمالية أن يكون هؤلاء الزبائن يتبرعون بهذه السلع لمن يحتاجونها، أجاب مسرعا: “لا، إنهم يأخذونها لأنفسهم، أنا أعرف أغلبهم بشكل شخصي”.

ويبلغ عدد البطاقات التموينية في مصر حوالي 18 مليون بطاقة، يستفيد منها نحو 69 مليون مواطن، وذلك كما جاء على لسان المتحدث الرسمي لوزارة التموين في حديثه لجريدة الأهرام.

وفقا للميزانية العامة لعام 2014/2015، فقد خصصت الحكومة 31,56 مليار جنيه لدعم السلع الغذائية، وذلك بنسبة 19,1 بالمئة من إجمالي الميزانية المخصصة للدعم وبنسبة 4% من إجمالي المصروفات. جدير بالذكر أن الدعم المخصص للسلع الغذائية يأتي في المرتبة الثانية بعد الدعم المخصص للمواد البترولية والذي يبتلع حوالي 60,5 في المئة (100,25 مليار جنيه) من إجمالي ميزانية الدعم. وهي النسبة التى انتقدها الخبراء الاقتصاديون موضحين أن الدعم المخصص للمواد البترولية يخدم الأغنياء بشكل أكبر.

يذكر أن الدعم الحكومي يشمل عدة مجالات بخلاف الغذاء والوقود، مثل المعاشات وخدمات أخرى مثل النقل العام والتعليم والصحة.

ريم عبدالحميد، الباحثة في مجال العدالة الاجتماعية بالقسم الاقتصادي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، اعتبرت نظام البطاقات التموينية وسيلة مناسبة لخدمة الفقراء في مصر، وأضافت: “فيما عدا أن الحكومة قد قدرت الدعم على الغذاء بصورة نقدية بدلًا من المنتجات المادية”. تفسر ريم تلك الجملة بأن الحكومة خصصت ما قيمته 15 جنيها لكل فرد بالأسرة كدعم علي الغذاء، قائلة أن ذلك سيزيد من تضرر المواطنين من آثار التضخم في حال زيادة الأسعار في المستقبل، مضيفة أن ذلك القرار لم يتح المرونة للمواطن في اختيار ما يحتاجه من سلع، حيث يفرض عليه عدد معين من السلع.

مصر ليست الوحيدة التي تتبع نظام الدعم في العالم، فهناك دول أخرى تسير على  النهج ذاته، تقول عبدالحميد، قبل أن تضيف موضحة: “في دول مثل إندونيسيا، يُمنح المواطنون المستحقون للدعم ما يسمى بالـ «إيصال» أو الكوبون من الدولة، والذي يسمح لهم بشراء ما يحتاجونه من سلع وذلك من خلال المتاجر العادية، لكن يجب أن تكون السلع التي يشترونها هي منتجات حيوية، فمثلًا لا يسمح هذا الكوبون لهم بشراء السجائر أو الخمور”.

وعن فكرة التنازل عن البطاقات التموينية من وجهة نظرها قالت عبد الحميد: “من المستحيل أن يتنازل المواطنون عن بطاقاتهم هذه الأيام. فما الذي يدفع الناس لفعل ذلك في دولة تنحصر الخدمة التي يحصلون عليها منها في الدعم؟!”.

 كما أعربت عن شكها في أن تحقق المبادرة التي أطلقتها وزارة التموين أهدافها. “قرارات الحكومة متضاربة، فإطلاق المبادرة يتزامن مع قرار رفع أسعار الوقود والذي سيؤثر تباعا على تكاليف المواطن بشكل عام، والناس متخوفون بشأن احتمال حدوث تضخم. إضافة لذلك، فقد تم إضافة الخبز ضمن السلع المتوفرة على البطاقة التموينية، فمن سيفكر في التنازل عن شيء كهذا؟” تقول عبدالحميد.

وتستطرد: “يميل المواطنون دائما للارتباط بنظام الحماية الاجتماعية الذي توفره لهم الدولة. ونظام الدعم يمثل حماية للمواطن من الآثار السلبية لحدوث التضخم. ورغم ذلك، فالدولة لم تتحرك خطوة واحدة في فكرة النظام الشامل للحماية الاجتماعية، مثل الحق في أجر عادل وإعانة بطالة وهكذا”.

“بالطبع لن أتنازل عن بطاقتي التموينية”، تقول امرأة في الخمسينات من العمر، تسكن في منطقة عابدين، وتواصل متساءلة: “ما الذي يضمن لي أن ظروف البلد لن تزداد سوءً؟، أثناء حرب 67 كنا نقف طوابير من أجل الحصول على الصابون”.

بحسب ريم عبدالحميد، لم يتم طرح قرارات الحكومة بشأن الدعم للحوار المجتمعي بشكل كافٍ. وتقترح عبدالحميد عددًا من القرارات التي يجب على الحكومة أن تأخذها في الاعتبار خلال الفترة المقبلة، وتشمل تنقيح قاعدة البيانات الخاصة بالمواطنين المستفيدين من الدعم، وذلك لاستبعاد الوفيات كمطلب ضروري. وتقترح أيضا أن تُنشئ الدولة هيكلًا قويًا لدعم السلع. “نعرف أن الحكومة أعلنت حديثا عن توفير حوالي 3 مليار جنيه من خلال تخفيض الدعم على الخبز وذلك طبقا للميزانية العامة لسنة 2014/2015 التي أعلنتها الحكومة، وكنا نأمل في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين في المقابل”، قالت عبدالحميد. كما اقترحت أن يتم تقسيم المواطنين لشرائح على حسب احتياجاتهم على أن يتم عمل بطاقات موحدة لهم.

اعلان
 
 
رانيا طارق