سعيد مرزوق: عندما تكون السينما صوت إنسان متفرد

رحل المخرج السينمائي المصري سعيد مرزوق عن دنيانا في صمت وهدوء، ولم يلق خبر وفاته ما يستحقه من اهتمام وسط تضخم أخبار السياسة ومولد الجدل العام في مصر. أتصور أن تجربة سعيد مرزوق السينمائية تستحق وقفة تحليلية مطولة لوضع مسيرته في سياقها الفني التاريخي وإلقاء الضوء علي أهم معالم تجربته وأعماله الفنية وعناصر تميزها وفرادتها، وهو ما يحاول هذا المقال عمله.

المرحوم سعيد مرزوق كان جزءً من حركة “السينما الجديدة” في السينما المصرية، والتي ظهرت في أواخر الستينات وأوائل السبعينات على يد مخرجين وكتاب سيناريو ومصورين ونقاد سينمائيين شبان (مثل أشرف فهمي وعلي عبدالخالق ومحمد راضي وممدوح شكري وسامي السلاموني ورأفت الميهي وآخرين، بعد الإرهاصات المبكرة لأفلام حسين كمال وسعد عرفة الأولى قبل هذا بسنوات قليلة) محاولة الخروج من معطف الجيل الكلاسيكي للآباء المؤسسين للواقعية السينمائية في مصر (صلاح أبو سيف وكمال الشيخ وهنري بركات وغيرهم). وتحت تأثير سينما “الموجة الجديدة” المتمردة في بريطانيا وفرنسا في الستينات، كان هذا الجيل مهموم بالتجريب والتجديد واختراق آفاق التعبيرية والأسلوبية السينمائية والواقعية الذاتية والواقعية الموضوعية وسينما المخرج المؤلف والانشغال بإشكاليات الفورم السينمائي والتحرر من التقاليد الفنية والإنتاجية  السائدة.

وعبر أربعة عشر فيلما سينمائيا روائيا طويلا، والعديد من الأفلام القصيرة والتسجيلية والسهرات التليفزيونية، كان سعيد مرزوق هو أكثر أبناء هذا الجيل موهبة وشغفا بالتجريب على مستوى الصورة واللغة السينمائية. لم يتلق دراسة سينمائية منتظمة بسبب ظروفه الشخصية الصعبة، وكان وافدا من خارج شبكات السينمائيين المصريين وقتها، وقام بتعليم وتدريب نفسه بنفسه في دأب وجدية وعصامية لافتة للإنتباه وتفاعل مستمر مع المتغيرات الإجتماعية والسياسية.

تبقي الناصرية هى المرحلة المرجعية والمؤسسة للحلم والأزمة عند مرزوق، والتي طاردته دائما وحاصرته بإحباطاتها لدرجة الإختناق والصراخ اليائس، وكان مرزوق هو الأكثر إخلاصا في التعبير عن أزمة جيله المتمرد على كلاسيكيات السينما المصرية، بحكم تأثره بموجات التمرد في السينما الأوروبية وقتئذ، وبحكم إنكسار مشاريع ويقينيات المرحلة الناصرية سياسيا، لكنه التمرد الذي جاء مبكرا عن موعده بعض الشيئ سينمائيا، وقبل أن تنضج ملامح الجيل التالي من المبدعين السينمائيين، وهو جيل مخرجي الواقعية الجديدة في الثمانينات والذي نقل مضامين وأشكال السينما المصرية نقلة تاريخية لا رجوع عنها.

ظهر شغف سعيد مرزوق بالتجريب منذ فيلمه التسجيلي الأبرز “طبول” والذي كان نقلة نوعية، ليس فقط على مستوى أفلامه التسجيلية ولكن أيضا على مستوى السينما التسجيلية المصرية بشكل عام، ثم قدم رائعته “زوجتي والكلب” من تأليفه وإخراجه سنة ١٩٧١، الفيلم الذي ما يزال طليعيًا حتى بمقاييس اليوم، وتضافر فيه مع مدير التصوير الأسطورة عبدالعزيز فهمي لتقديم شريط بصري أبيض وآسود برجماني الطابع مليء بالظلال وألعاب الضوء والذاكرة والوهم والحلم والخيال، عن مجموعة من العمال في فنار قديم يتبادلون الكلام والتخيلات والصور الذهنية عن الحب والنساء والخيانة والمتعة والإخلاص، شريط مذهل وخارج عن السياق في تحدٍ كبير لكافة الموروثات البصرية السينمائية المصرية، وبالطبع التقاليد السردية والإيقاعية مع آداء تمثيلي رائع من ممثلين ممتازين مثل محمود مرسي وسعاد حسني ونور الشريف وآخرين.

ثم استمر سعيد مرزوق في نفس الإطار التجريبي في مغامرة سينمائية أخرى، مخرجاً ومؤلفاً مع فيلمه “الخوف” مع نور الشريف وسعاد حسني أيضا عام ١٩٧٢. لونج شوت طويلة وممتدة عبر ساعة من الزمن عن حبيبين شابين: مصور سينمائي (لعله مرزوق نفسه) وفتاة لاجئة من التهجير من مدينة السويس، يتعرفان على بعضهما البعض ثم تنمو مشاعر الحب بينهما ويبدآن في البحث عن لحظات من الحنان والحميمية تهرب بهما من القهر الذي تثيره الأشياء المحيطة بهما، وذرات الهواء المعادية وكلمات الناس المزعجة الخاوية، ونظراتهم المتطفلة ودعاية الصحف الكاذبة الجوفاء وغفير عمارة تحت الإنشاء، يطاردهما في إلحاح وبكراهية قدرية غريبة تذكرنا بمطاردة آلهة جبل الأوليمب لأبطال التراجيديات اليونانية القديمة.. الفيلم بلا قصة تقريبا ولكنه دفقة شعورية من الخوف واللايقين واليأس غير المعلن والذعر الصامت اللامبالي والمغترب عما حوله، وهو المعادل التعبيري لحالة ما بين حربي 67 و73.

هي فترة مظلمة في تاريخ مصر، نلمح ظلالها في الأعمال الأدبية والفنية التي قُدمت في هذه الفترة، سواء كانت في عبثية وقسوة قصص نجيب محفوظ، أو في غضب مسرحيات ميخائيل رومان وراديكالية مسرحيات محمود دياب، أو في كوميديا علي سالم اللاذعة، أو في تمسك مسرحيات نعمان عاشور وألفريد فرج وسعد الدين وهبة بالأمل الواقعي الإشتراكي بعد النقد الذاتي، أو في سوداوية أفلام يوسف شاهين وانتقامه من خيانة المثقفين وبؤس الدولة، أو في أفلام حسين كمال العابثة، أو في عواصف أمل دنقل الشعرية الهوجاء، أو في أحزان صلاح عبد الصبور الفلسفية الهائلة، أو في صمت صلاح جاهين إلى الأبد، أو حتى في أفلام فؤاد المهندس (البارودي) الهزلية.. لكن سعيد مرزوق آثر أن يهرب من التنظير والتحليل إلى رسم حالة شعورية ذاتية من الخوف والرعب وصمت قبور الحياة في فيلم بلا حوار أو أحداث تقريبا.

ثم يترك مخرجنا الموهوب التجريب والذاتية جانباً ويقدم عام ١٩٧٤ على مقارعة أساتذة الواقعية في مصر (صلاح أبو سيف ورفاقه) في عمل كلاسيكي فخم ومحكم وعملاق، ليحتل مكانه بين أعظم أفلام السينما المصرية، ألا وهو فيلم “أريد حلاً” عن قصة حُسن شاه وسيناريو سعد الدين وهبة، مع آداء تمثيلي راق وممتاز من نجوم هذه السينما الواقعية الإجتماعية: فاتن حمامة ورشدي أباظة، وموضوع به قضية إجتماعية مهمة وملحة هي سحق المرأة المصرية تحت عجلات ماكينة الإستلاب والتحكم الإجتماعي، ويقدم الفيلم طرحاً بعيد عن الميلودراما والبكائيات التطهرية، ويجوب بنا بين مستويات القهر المختلفة للمرأة المصرية: القهر الإجتماعي والمادي والنفسي والعاطفي والجنسي والثقافي والقانوني المؤسسي، بإيقاع رشيق وآسر وممتع تقوده كاميرا سعيد مرزوق المميزة ودعوة للممثلين للتعبير الحر المتدفق والنهم، عكس لغة الإيجاز التي كانت سائدة في أفلامه التجريبية قبل هذا.

لقد سار سعيد مرزوق في “أريد حلاً” على خيط رفيع بين الإلتزام بالهم الإجتماعي، لتجنب أسر الشكلانية، مع التعبير عن هذا الهم بلغة سينمائية طازجة لها جمالياتها وخصوصيتها، ولقد نجح مرزوق في تحقيق هذا نجاحا كبيراً ونستطيع أن نلمح تأثر أحد أساتذة الواقعية الكلاسيكية المصرية (هنري بركات) بما قدمه مرزوق في “أريد حلاً” في الفيلم الذي قدمه بركات لاحقاً مع فاتن حمامة أيضا وتناول عذابات عالم المرأة المطلقة في مصر (“لا عزاء للسيدات” سنة 1977).

ثم يضرب سعيد مرزوق من جديد في عام ١٩٧٥ مع أحد أشهر أفلام السينما المصرية “المذنبون” عن قصة لنجيب محفوظ  وسيناريو سعد الدين وهبة، ومشهدية سينمائية ملحمية من نجوم سينما السبعينات في مصر. اكتسب فيلم “المذنبون” شهرته من مشاهده الجنسية الجريئة وتدخل الحكومة والصحافة الرجعية وقتها لمعاقبة جهاز الرقابة على المصنفات الفنية على إجازته لهذا الفيلم، لكن في حقيقة الأمر كان الفيلم رائدا في ابتكار (genre) سينمائي وفني وأدبي مصري جديد، حيث سينما النقد الإجتماعي والسياسي التي تعرض ريبورتاج سينمائي لفضاء واسع من الشخصيات والأحداث في إطار بوليسي تشويقي غير تقليدي، تتطور فيه القصة مثل الدمى الروسية حتى تصل إلى نهايتها مع العقدة التي لا تنحل إلا بالإشتباك مع قلب التكوين الإجتماعي والسياسي نفسه، كما ظهر في مشهد النهاية الشهير.

وقد تأثر لاحقاً العديد من الكتاب والفنانين بهذا الفيلم وعملوا في الإطار نفسه، سواء في الأعمال الجادة أو التجارية، وأتذكر هنا مثلاً مسلسل بلال فضل الشهير”أهل كايرو” وأعمال أخرى. كما أن “المذنبون” كان في طليعة الأفلام المصرية الراصدة للتحولات الإجتماعية المصاحبة لعصر الانفتاح الاقتصادي، وما اتصفت به من فساد صارخ وسقوط وصعود لطبقات وقوى مختلفة، وما صاحب هذا من صراعات وإنهيارات وإحباطات، فقد سبق “المذنبون” زمنياً أفلام “المحفظة معايا” و”انتبهوا أيها السادة” و”أمهات في المنفى” و”أهل القمة” و”سواق الأتوبيس” و”الغول” و”حب في الزنزانة” و”الصعاليك” وغيرها من أيقونات أفلام الإنفتاح النقدية الشهيرة.

قام سعيد مرزوق في السبعينات أيضا بتقديم بعض الأفلام القصيرة والسهرات التليفزيونية مع فاتن حمامة  وهي سهرة “أغنية الموت” و”حكاية وراء كل باب” (فيلم يضم مجموعة من الأفلام القصيرة مثل “هذا الرجل أريده” و”ضيف على العشاء” و”النائبة المحترمة”). وكانت محاولة الثنائي فاتن حمامة (أيقونة العصر الكلاسيكي الساعية بجدية  للتجديد ومواكبة روح العصر) وسعيد مرزوق (مخرج التجريب السينمائي الصاعد كمخرج وكسيناريست) لنقل بعض مسرحيات الفصل الواحد لتوفيق الحكيم ـ والتي عُرفت بإسم “مسرح المجتمع” ـ  للشاشة مع قصص أخرى لكاتيا ثابت محاولة موفقة، حيث كان مرزوق أمينا على إيقاع توفيق الحكيم المميز برشاقته وسلاسة طرحه لمواضيعه الإجتماعية مع وضع بصمته التعبيرية على مستوى الصورة وخاصة في سهرة “أغنية الموت”.

في الثمانينات اختتم سعيد مرزوق أفلامه الجيدة بفيلمين لم يحتلا الموقع الذي يستحقانه في الذاكرة السينمائية المصرية: فيلم “أيام الرعب” من بطولة محمود ياسين وميرفت أمين سنة ١٩٨٨، وقبله بقليل فيلم “إنقاذ ما يمكن إنقاذه” سنة ١٩٨٥ من بطولة حسين فهمي ومحمود ياسين وميرفت أمين ومديحة كامل.

وللمرة الثالثة بعد فيلمي “الخوف” و”المذنبون” أثار فيلم “إنقاذ ما يمكن إنقاذه”، عن قصة إبراهيم الجرواني وسيناريو سعيد مرزوق، مشاكل رقابية عديدة وقتها، بل وطالب بعض المثقفين والنقاد بمنع عرضه ومحوه من الوجود لأنه “يسيئ لسمعة مصر” ويظهرها أنها تسبح على بحر من الفساد ويدعو إلى الإرهاب والعنف كحل وحيد في مواجهة الفساد (الفيلم تم إنتاجه سنة 1983 لكن لم يتم عرضه إلا سنة 1985 بعد صراع مرير مع الرقابة والصحافة).

وعبر أبطال الفيلم: ابن الطبقة الأرستقراطية المتعطل اللامنتمي العائد مرة أخرى إلى قصر وأملاك أسرته بعد رفع الحراسة عنها، ورجل الأعمال النجم الصاعد لعصر الإنفتاح والسلب والنهب، والمناضلة المثالية المتعلقة بأهداب قيم الشرف والوطنية وذوبان الذات الفاعلة في إطار جمعي هو “مصلحة الوطن”، وباقي شخصيات الإنفتاح الطفيلية المتسلقة من جهة، وشخصيات الهامش الإجتماعي المنسحق والطبقة الوسطي التقليدية والملتزمة بمثالياتها البائدة من جهة أخري، يدور الفيلم في فلك فيلم “المذنبون” لكنه أكثر تشاؤما وغضبا وإقراراً بسقوط الآلهة الإجتماعية والقيمية للحقبة الناصرية وإنتفاخ دولتها العاجزة لدرجة التضخم والإنقراض الديناصوري وطغيان طوفان العصر الجديد، ومن ثم إنهيار عالم مرزوق بأكمله وتشوقه للخلاص الذي يعترف أنه لا يلوح في أفقه ولا أفق جيله وأنه في حقيقة الأمر ـ وبرغم ما قد يوحي به عنوان الفيلم من بعض الأمل ـ إلا إنه ليس هناك ما يمكن إنقاذه في هذا البناء المتداعي، ويعمد الفيلم إلى تقديم تصورات نبوئية الطابع من الناصري المغدور سعيد مرزوق في إدانة مختلف جوانب الحياة السياسية والإجتماعية في مصر الثمانينات.

وبرغم إضطرار سعيد مرزوق (تحت الضغوط التجارية الإنتاجية والرقابية) لإقحام العديد من توابل السينما التجارية على الفيلم، ولوضع نهاية إكليشيه تتدخل فيها الحكومة والأمن للقضاء على الفساد بقوة القانون وتتمسك بقايا الطبقة الوسطى بما تبقى من عالمها الأخلاقي والقيمي القديم كبؤرة ضوء وسط السواد، إلا أنها نهاية مصطنعة ولا تتفق مع الروح السوداوية اليائسة والعدمية والكافكاوية أحيانا الغالبة على الفيلم وجاليري الشخصيات المتنوعة والمواقف الغرائبية التي يزخر بها. الفيلم في تقديري هو أكثر محاولات نقد الناصرية وتفكيك قيمها والعبث بموروثاتها الإجتماعية سوداوية ووجعاً وإيلامًا على شاشة السينما، ربما بسبب هذا لم ينل الفيلم ما يستحقه من الشهرة والتقدير ولا ينال حظه من العرض التليفزيوني حتى الآن إلا نادرًا.

أما في فيلم “أيام الرعب” سنة 1988، عن قصة جمال الغيطاني وسيناريو يسري الجندي، يعود المخرج سعيد مرزوق مرة أخرى لإحدى تيماته المفضلة: الخوف والرعب، وهو هنا رعب المثقف المتعلم ابن الصعيد (محمود ياسين في أحد أعظم أدواره) الذي يهرب من كابوس الثأر في الصعيد ويعيش في القاهرة، وتحديدا في أحيائها المملوكية الشعبية القديمة لمدة عشرين عامًا، حيث يدرس في الجامعة ثم يعمل في المتحف المصري ويحب ويعزم على الزواج ممن أحب، وفجأة يصحو على عودة كابوس الثأر مرة أخرى وخروج غريمه من السجن وعزمه على الأخذ بثأره منه، وهنا يترك المثقف الصعيدي المرتعب عمله ويحبس نفسه تقريبا في منزله، ويترك كل ما كان له في هذا العالم وتنحصر حياته في محاولة الإختباء من هذا الخطر المرعب، ومن ثم تضمحل علاقته بحبيبته ومعارفه وجيرانه، لكن حالته تسوء مع الوقت ليدخل في دوامة من شبه الجنون، والتي تفقده إنسانيته وتتركه في حالة بدائية أشبه بالفأر المذعور، ثم ينهار ويستسلم لمصيره ولكنه ـ في لحظة وعي نادرة ـ وفي محاولة أخيرة لإنقاذ إنسانيته يدرك أن رعبه قديم المنشأ وقد بدأ معه منذ البداية منذ أن فر إلى القاهرة من عشرين عامًا وأن طمس هذا الرعب عبر عشرين عامًا كان جزء من الأزمة لا الحل، وأن الحل الوحيد هو الصدام الإنتحاري مع غريمه ليموتا سويا، وعندها فقط ينتهي الرعب ويتحرر ما تبقى من إنسانيته مع نهايته.

ينتهي الفيلم مع موت الإثنين معا، ليطرح العديد من التساؤلات حول ما الذي كان يقصده سعيد مرزوق بهذا البطل المرتعب، من هو؟ وما هو هذا الرعب المزمن والحاضر والقادم؟ وهل هي تنويعة على أزمة المثقف المصري الحديث ذي الجذور التراثية والتقليدية مع جذوره الحضارية والتاريخية المقطوعة ووقوفه في مهب الريح، بين حاضر باهت مجدب قلق وبلا ملامح وبين ماضٍ مرعب لا فكاك منه ينتقم من هذا المثقف بسبب خيانته له؟

نال آداء محمود ياسين التمثيلي الممتاز في هذا الفيلم الإستحسان عن جدارة، إلا أن كاميرا سعيد مرزوق قد خطفت الأبصار والقلوب وهي تجول بنا في مواقع التصوير المميزة لهذا الفيلم، حيث البيوت والمساجد والأسبلة والتكايا والدكاكين القديمة المميزة للقاهرة المملوكية القديمة، كلوحة فنية تشكيلية في خلفية الأحداث، لوحة مقبضة ومليئة بالخوف والتجهم وعلامات الإستفهام والأسئلة المتقطعة والإجابات ذات النهايات المفتوحة والمآلات المأساوية للأبطال.

بعد “أيام الرعب” وبعد محاولة مرتجلة وناقصة وغير معدة جيداً لدخول منطقة غير مطروقة عند مرزوق وتقديم كوميديا سياسية في فيلم “آي آي” سنة 1992، دخل سعيد مرزوق في مرحلة من الأفول مع أفلام تجارية ضعيفة القيمة الفنية والفكرية وبلا جدية منه تذكر، مثل “المغتصبون” و”الدكتورة منال ترقص” و”المرأة والساطور” و”هدى ومعالي الوزير” و”جنون الحياة” و”قصاقيص العشاق” وغيرها من الأفلام الرديئة والركيكة التي لم تحقق حتى أي نجاح تجاري (بإستثناء المغتصبون)، ثم أصابته الأمراض وابتعد عن الساحة تمامًا، حتى رحل عن دنيانا مؤخرا بعد رحلة طويلة لم يتميز خلالها على مستوى كم الإنتاج ولكنه وفي مرحلة إنتاجه المتميزة، وبرغم اضطراره أحيانا للتعايش والتكيف مع شروط وإكراهات السينما التجارية، إلا أنه قدم مجموعة مؤثرة من الأعمال القوية والمتنوعة والتي ظل عبرها مخلصًا لسؤاله الرئيسي: وهو كيف تقدم سينما ملتزمة بهموم إجتماعية وسياسية ومفجرة لإشكاليات أخلاقية وقيمية، لكنها أيضا تعكس ذاتية المبدع عبر لغة سينمائية خاصة ومتفردة ومتجددة على مستوى الصورة والشكل والأسلوب.. أو كيف تصبح ملتزمًا سياسيًا وإجتماعيًا بشكل نقدي وفعال وموضوعي من جهة، وثائرًا سينمائيًا أبدياً مؤمنًا أن الشريط السينمائي هو صوت إنسان متفرد من جهة أخري.

تحية لروح المخرج الذي جاء من بعيد ورحل في صمت مع دقات طبوله.

اعلان
 
 
أشرف الشريف