جواهر السينما المصرية: المومياء.. (يوم أن تحصى السنين)
 
 

يعد هذا الفيلم بمثابة “سيتيزن كين” (المواطن كين) السينما المصرية، تحفة فنية ذات سمعة رائجة ووتيرة متئدة. حتى أمس كنت قد شاهدت بضعة مشاهد فقط من فيلم “المومياء” لشادى عبد السلام، أول أعماله كمخرج وأول وآخر فيلم روائى طويل له. هو أيضا مصمم الملابس والديكور والسيناريست.

الفيلم عبارة عن ملحمة شكسبيرية شديدة البطء عن الخير والشر، تبرز من خلالها قصة شاب مشوش فى صراع مع عمه. تدور الأحداث عام 1881 حينما تظهر فى السوق السوداء مجموعة من الآثار المخبأة فى كهف فى الدير البحرى بطيبة القديمة، تحتوى على 40 مومياء.

تبدأ الأحداث بونيس (أحمد مرعى) وأخيه (أحمد حجازى) يقفان فى حزن وخشوع فى جنازة والدهم، مشهد طويل وكئيب يسيطر عليه اللون الأسود، وصفير رياح الصحراء القاسية وعويل نساء القبيلة المشئوم. يصبح الشقيقان أسياد القبيلة الجبلية المسماه بالحربات ويؤتمنا على أسوأ أسرارها، الشابان هما أحفاد أجيال من نباشين القبور، يعيشان على خيرات الأجداد الموجودة فى بطن الجبل. ينتابهما اشمئزاز رهيب عندما يشاهدان عمهما وهو يقطع رأس مومياء ليخلص قلادة ثمينة من رقبتها.

فى أول مونولوجاته مع نفسه يقول ونيس: “ما هذا السر؟، جعلتنى أخشى النظر إليك يا أبى.. ما مصيرى الآن؟.. ما هذا السر!، العلم به ذنب والجهل به ذنب أكبر”.

يُقتل الأخ الأكبر وتُلقى جثته فى النيل ويقع حمل السر الدفين ومستقبل القبيلة على أكتاف ونيس، الشاب الصغير، سيد قبيلته الجديد، المشوّش ما بين مستقبله ومستقبل عائلته وواجبه تجاه أجداده. يصل بعض “الأفندية” إلى شواطئ الحربات، موظفو ومنقبو المتحف المصرى الذين يأتون كل سنة للبحث عن مقابر الأجداد القديمة. يكرههم أهل القبيلة ويخشونهم أيضاً، نفس الرياح التى أتت بأفندية القاهرة تأتى بتاجر الآثار، أيوب (شفيق نورالدين)، ومراد (محمد نبيه) مساعده المراوغ الذى يجنى عيشه من تجارة الآثار وإدارة أحد بيوت المتعة. هو متسلل شرير ذو بشرة فاتحة ولكنة مختلفة، هو دور تتمثل فيه مشاعر الخوف من الأجانب.

“يا من تذهب ستعود

يا من تنام سوف تنهض

يا من تمضى سوف تبعث”.

يبدأ عبدالسلام فيلمه بهذه الكلمات من كتاب الموتى القديم، دعاء يقال ليتذكر المتوفى اسمه، فروحٌ بلا اسم ستظل هائمة للأبد.

بدأ تصوير فيلم “المومياء” بعد ثلاثة أشهر من نكسة 1967، فى مرحلة يسيطر عليها الاضطراب والندم. بجانب روبرتو روسيلينى الذى تواجد بمصر بالصدفة للعمل على مسلسل تليفزيونى عن نشأة الإنسان، قامت وزارة الثقافة بإنتاج الفيلم، ربما كجزء من حملة الدولة لرفع الروح المعنوية من خلال تذكير الشعب المصرى بأمجاد بلاده فى القدم.

قال عبدالسلام فى أحد الحوارات عن الفيلم أنه أراد أن يعبر عن نفسه وعن الشخصية المصرية التى عندما تعود لجذورها سوف تنهض مجدداً. كتب عبدالسلام السيناريو فى ثلاث سنوات، والنتيجة كانت عمل شاعرى جميل بالفصحى. بالرغم من لحظات الصمت الخانقة التى يمر بها ونيس إلا أن كلامه أشبه بالشعر السودوى. مونولوجاته تعيسة تنم عن عذاب ولكن حواراته مع مراد غاضبه تنم عن قوة كامنة.

عمل عبدالسلام فى كثير من الأعمال التاريخية الشهيرة مثل “الناصر صلاح الدين” ليوسف شاهين (1963)، “وا إسلاماه” لإنريكو بومبا وأندرو مارتون (1963)، و”رابعة العدوية” لنيازى مصطفى فى العام نفسه، بالإضافة إلى “شفيقة القبطية” فى عام 1962 للمخرج حسن الإمام.

 عبدالسلام منح كل طرف فى “المومياء” زياً موحداً، فأفراد القبيلة يتشحون بالسواد، أما الأفندية المنقبين ومساعديهم فيلبسون الأبيض الزاعق. الشخصيتان اللتان خالفا هذه الملابس الموحدة هما أيوب ومساعده مراد، فزيهم الغريب فصلهم عن الأطراف الأخرى المتناحرة. يصل أيوب إلى شواطئ الحربات مكتسياً بالحرير وغطاء رأس من الفرو يحمله اثنان من مساعديه.

يجعل مدير التصوير عبدالعزيز فهمى كل كادر تحفة فنية بحركة الكاميرا البطيئة والإضاءة المدهشة: ضوء القمر، انعكاسه على المياه، نور شعلات النار، ظلام المقابر والمدفن فى الليل. كل المشاهد حقيقية وهو الشىء النادر، حيث كانت السينما المصرية وقتها لا تزال فى مرحلة التجربة مع الأفلام الملونة.

أخذ عبدالسلام طاقمه إلى الأرض التى شهدت القصة الحقيقية، صحراء الأقصر بالقرب من قرية القرنة. التصوير أغلبه كان خارجياً وسط الرمال والجبل ومقابر أهل القبيلة ذات الشكل المخروطى. البيوت الطينية تبدو مقبضة من الداخل، مثل مساكن انجلترا فى القرون الوسطى، حيث الجدران الخشنة، والإضاءة الخافتة والأثاث البسيط.

موسيقى ماريو ناسيمبينى، مؤلف موسيقى تصويرية إيطالى اشتهر بموسيقاه لفيلم الفايكينجز الأمريكى (انتاج 1958)، أتت متسقة تماماً مع جموح وغلاظة أجواء الفيلم. فالموسيقى أشبه بأوركسترا تلعب أنغام موسيقاها فى قلب الصحراء وتتناقل النغمات عبر الرياح القاسية بصفيرها العالى وولولة النساء المخيفة.

تم ترميم الفيلم عن طريق مؤسسة المخرج العالمى مارتن سكورسيزى للأفلام. قام عبدالسلام بالإعداد لفيلم آخر عن حياة اخناتون، ولكن لم يتم انتاجه نظراً لظروف المخرج الصحية. أخرج شادى عبدالسلام أفلام تصويرية قصيرة من ضمنها فيلم “آفاق” وهو فيلم شبه صامت عن المشهد الثقافى فى مصر فى عام 1972.

اعلان
 
 
أماني علي شوقي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن