جواهر السينما المصرية: “دعاء الكروان”
 
 

قال لى أبى ذات مرة وأنا صغيرة إنه إذا قمت بالدعاء بعد غناء الكروان وعاد الطير يغنى بعدها، فستكون دعوتى مستجابة، فكل مرة يغنى فيها هذا العصفور يقول: “الملك لك لك لك يا صاحب الملك”.

أنهى عميد الأدب العربى طه حسين قصة «دعاء الكروان» فى عام 1934، وكان يبلغ من العمر 45 عامًا. بطلة القصة هى آمنة، بنت ساذجة وغير متعلمة، لكنها جريئة ومقدامة، تعيش فى قرية بنى وركان فى الصعيد.

ولد طه حسين فى عام 1889 فى قرية بالصعيد اسمها عزبة الكيلو لا تبعد كثيرًا عن بنى وركان، كسر حسين قيود بيئته وأخذه طموحه وتفكيره التقدمى إلى فرنسا، حيث حصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة السوربون.

«دعاء الكروان» يعالج تعاليم وعادات المجتمع المصرى العتيقة، التى تقيّم الرجل حسب قدرته على الإنتقام والقتل، وترى أن عفة المرأة أهم من حياتها.

فى الكتاب تضطر آمنة وأختها الكبرى هنادى وأمهما إلى ترك القرية الصغيرة هربًا من تركة العار التى تركها الأب، خضر، نظرًا لكثرة مغامراته النسائية. وعندما يصلون إلى مدينة ما فى الصعيد تعمل كلا البنتين خادمات عند أعيان المدينة، فتعمل آمنة فى بيت المأمور، أما هنادى فيستقر بها الحال فى منزل مهندس الرى، شاب ارستقراطى وسيم يعبث بمشاعرها ويوهمها بالحب. وفى ذلك المجتمع المنغلق الذى يحكم على المرأة من خلال علاقاتها قبل الزواج، يصبح مسقبل هنادى مشئومًا.

بعد مقتل هنادى على يد خالها الذى قرر أن يغسل عاره، تتعهد آمنة أمام الكروان، الذى حضر مقتل أختها، أن تنتقم لها وتقتل من غرر بها. ولكنها تقع فى الشرك الذى نصبته للمهندس بالفتنة والدلال، لتكتشف أنها هى من وقعت فى حبه، وأنها أصبحت الفريسة فى الفخ الذى أعدته بنفسها.

.حوّل المخرج هنرى بركات رواية حسين إلى فيلم أبيض وأسود شهير أُنتج سنة 1959، كان حينها عمره 47 عامًا. كقصة، تكاد «دعاء الكروان» تخلو تمامًا من أى حوار باستثناء مونولوجات البطلة مع الكروان ووعودها له بالإنتقام. تُدمج هذه المونولوجات بالفيلم عبر صوت فاتن حمامة الهادىء، المغزول فى سيناريو وحوار أشبه بالشعر، يضاهى القصة فى العبقرية، صاغه بركات والسيناريست يوسف جوهر معا.

مثل الكتاب، يبدأ الفيلم من منتصف الحكاية، بلقطة تظهر فيها آمنة (فاتن حمامة) فى أول ليلة لها كخادمة فى بيت المهندس، جالسة فى ركن مظلم، تتذكر ما حل بهنادى (زهرة العلا) وما حل بها و بوالدتهما زهرة، التى تقوم بدورها الفنانة أمينة رزق، وتسترجع شريط مأساتهم وصولًا للحظتها الراهنة، ما يلى تلك المرحلة هو الحاضر وبداية قصة حب غريبة ومشئومة تنشأ بين المهندس وآمنة.

النتيجة فيلم قوى يضع مخرجه وبطلته على خط واحد سيجمعهما لـ 20 سنة أخرى معا كثنائى سينمائى يناقش ويعالج موضوعات تتعلق بالمرأة وحقوقها وحريتها، بالإضافة إلى نقد وتحليل بعض القواعد الاجتماعية العقيمة، ولكن بأسلوب رومانسى محبب قريب إلى المشاهد المصرى واشتهر به بركات.

يظهر الفيلم قساوة ريف الصعيد المصرى فى أوائل القرن العشرين، حيث انتشر الجهل وزاد جبروت الرجل واعتُبرت النساء بعير.. يسوقها الراعى. أما فى مدن الصعيد الكبيرة فكانت الأوضاع أحسن كثيرا، حيث بدأ المجتمع فى التغيير فأصبح لبعض لبنات الحق فى الدراسة داخل البيت وتعلم اللغة الفرنسية والبيانو. ووجدت موضة أوروبا فى الأثاث والديكور طريقها إلى منازل أعيان الصعيد.(وهو ما يظهر فى بيت المهندس و المأمور).

اختيار الممثلات فى فيلم «دعاء الكروان» هو أيضًا أحد أسباب نجاحه، فحمامة، العلا ورزق يلعبن أدوار ثلاث نساء فقيرات من قرية صغيرة فى قلب الجبل. فى ذلك الوقت كان مستقبل هؤلاء السيدات الفنى فى طريقه إلى الصعود بشدة، فقوتهن فى الحقيقة تضاهى قوة شخصياتهن داخل القصة.

من ضمن الخيارات الموفقة أيضًا، كان اختيار الفنانة ميمي شكيب فى دور “زنوبة المخدمة”. زنوبة هى مثال القوة، والخلاعة، والطيبة مجتمعين، فهى سيدة تدير عددَا من الأعمال، ترقص وتدخن السجائر فى مجتمع لا يحتمل امرأة تلبس فستان “مكسم”. حتى هذا الفيلم كانت شكيب محبوسة فى أدوار المرأة الأرستقراطية الشريرة، نظرًا لملامحها غير العربية وشعرها الأشقر اللذان جعلاها المرشحة الأولى لمثل تلك الأدوار. شخصية زنوبة بمثابة نسمة الهواء المنعشة فى هذه الرواية البائسة الخانقة. فالدور الذى أدته ببراعة، أبرز قدراتها المختلفة.

من أهم أسباب نجاح «دعاء الكروان» هى الموسيقى التصويرية، التى جعلت منه عملًا خالدًا منذ إنتاجه فى الخمسينيات. أندريه رايدر هو موسيقى يونانى الأصل، عمل فى الكثير من الأفلام المصرية مثل: «اللص و الكلاب» سنة 1961، «النظارة السوداء» سنة 1963، و«نهر الحب» سنة 1960. فى «دعاء الكروان» قام رايدر بخلق أنشودة من الحزن والكآبة، مستخدمًا آلة الكمان الرقيقة.

اعلان
 
 
أماني علي شوقي