محاكمة مبارك بين السياسة والقانون: ثوبان لجسد واحد
 
 

أثارت محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك، ونجليه، ووزير داخليته ومساعديه، الكثير من الجدل على مدار مراحلها المختلفة. ولكن الاتفاق الأكبر أن هذه المحاكمة لا تخلو من السياسة. يفسر البعض الأمر بطبيعة أجهزة الدولة وتشابك مهامها، ويعيد البعض الآخر المسألة إلى قوة ونفوذ رموز النظام الساقط.

الفقيه القانوني عصام الإسلامبولي يقول إنه من واجب هيئة المحكمة عزل القضايا المنظورة عن أية تأثيرات خارجية، وإنه يتعين على القضاء ضمان ذلك، وإلا فمن واجبه أن يتخذ اجراءات تحد من هذه التأثيرات، كالتأجيل أو التنحي عن نظر القضية.

المحامي محمد منيب، الذي كان عضوًا في هيئة الدفاع عن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، رأى أن تأثر مثل هذه القضايا بالوضع السياسي هو أمر طبيعي. يوضح، مستطردا: “في دول العالم الثالث، طالما أن المتهم في القضايا الجنائية هو أحد كبار موظفي الدولة، كرئيس الجمهورية، فإن السياسة تختلط بالقانون دون شك”.

وأعاد منيب أسباب ذلك لأن دور مؤسسات الدولة يشهد تشابك وتداخل عندما يفقد الوضع السياسي استقراره. وفي حالة محاكمة مبارك، يعود ذلك لعدم إنشاء محاكم لنظر القضايا السياسية أو الجنائية ذات البعد السياسي، كما يعود لعدم إعمال قانون سنة 1956 لإنشاء محكمة خاصة بمقاضاة رئيس الجمهورية والوزراء، ولأن غالبية الفاسدين في عصر مبارك استغلوا نفوذهم السياسي لتسهيل أعمالهم.

 

السياسة منذ اللحظة الأولى

عقب ساعات من سقوط مبارك في ١١ فبراير 2011، انهالت البلاغات ضد مبارك ورموز نظامه على مكاتب النائب العام ومحاميي العموم. وعلى الرغم من تأكيدات النائب العام، حينها، عبدالمجيد محمود، أن مبارك ليس فوق القانون، إلا أن المحامية هدى نصر الله، إحدى المدعيات بالحق المدني في قضية مبارك، والتي تعمل في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية٬ ترى أن السياسة كانت منذ اللحظة الأولى متداخلة مع المجريات القانونية.

ودللت نصر الله على ذلك بأن قضية قتل المتظاهرين كانت قد تحركت بالفعل، ووُجه الاتهام فيها لوزارة الداخلية، قبل أن تعود النيابة العامة بعد أيام من صدور أمر الإحالة، وتضم مبارك للمتهمين. ورأت أن ذلك كان مستحيلًا إذا لم يستطع ملايين المتظاهرين اسقاط مبارك، أو القبول بخروج آمن له.

وأضافت نصر الله أن الوضع السياسي كان مؤثرا في مرافعات المحامين المدافعين عن مبارك وأعوانه في مختلف مراحل المحاكمة، قائلة: “عام 2011، وقت اندلاع أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء، التي شهدت موجات من العنف بين المتظاهرين وقوات الامن٬ وكثرة الحديث عن وجود طرف ثالث، استغلت هيئة الدفاع عن المتهمين هذه الأجواء واتهمت الطرف الثالث بقتل المتظاهرين. وفي العام الأخير، عندما تحوّلت الأجواء لإتهام جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس بتدبير مؤامرة وقتل المتظاهرين، حوّلت هيئة الدفاع خطابها لتتهمهما بذلك”.

 

ثأثير الشارع في المسار القضائي

من جانبه، رأى منيب أن مسار المحاكمة في السنوات الثلاث الماضية كان ملازمًا لموجات الصعود والهبوط في الشارع السياسي. وقال: “في العام الأول عندما لم يكن ميدان التحرير يخلو من المتظاهرين، ظهرت علامات تشدد في محاكمة المتهمين”. وأضاف أنه بعد وصول الرئيس الأسبق محمد مرسي للسلطة، انخفضت هذه العلامات لمستويات أدنى.

وأوضح أنه كان عضوا في البرلمان عندما قدم طلب لإعمال قانون 56 لإنشاء محكمة خاصة لرئيس الجمهورية، عندما تجاهلت الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان، ورئيس البرلمان حينها، سعد الكتاتني، هذا الطلب.

وفسر منيب الأمر لمحاولات إنهاء قضايا نظام مبارك في عهد مرسي. حيث قال: “كثر الحديث حينها أن العديد من قضايا رموز مبارك حولت لمكاتب محامين مقربين من الإخوان مثل عصام سلطان وسليم العوا ومحمد محسوب، في محاولة لتسوية الأمور بين نظامي مرسي ومبارك”.

 

30 يونيو.. المتهم يخاطب الشعب

بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، تداخلت محاكمة مبارك مع الظروف السياسية العارمة، ازداد مشهد المحاكمات تعقيدا مع تحويل الآلاف من أنصار مرسي للمحاكمات، وإصدار أحكام إعدام بالجملة عليهم، واعتقال المزيد من رموز ثورة 25 يناير، الذين كانوا معارضين لحكمي مرسي ومبارك.

الجميع اتفق على أن العام الأخير شهد المزيد من تداخل العوامل السياسية في الأبعاد الجنائية في القضية التي عرفت بـ«محاكمة القرن».

رأت نصر الله أن بث كلام مبارك والعادلي ومعاونيه، بهذه الطريقة كان مستحيلا في العام 2011. بينما اتفق الاسلامبولي ومنيب أن المشهد سجل سابقة في تاريخ القضاء، ستؤثر على قضايا الجنايات بشكل عام في ما بعد.

قالت نصر الله: “بعد أحداث 30 يونيو 2013، كثر ظهور فلول نظام مبارك في وسائل الإعلام، وبات ملموسا أن هناك تقبل أكثر في الشارع المصري لتبرئة رموز مبارك من قضايا الفساد والقتل”. وهو ما تزامن مع قرار القاضي بإحالة الدعوى المدنية للمحكمة المختصة، وبالتالي حصر مجال الترافع لمحاميي المتهمين فقط.

وعبّر محمد منيب عن دهشته من المسار الذي آلت إليه المرافعات في محاكمة مبارك. وقال: “هيئة الدفاع عن المتهمين لم تقدم دفوع قانونية في مرافعاتها، بل تحدثت عن رؤى وتحليلات سياسية.. وهو ما مثّل عصب كلام مبارك والعادلي، ولعبهم على وتر الأمان الشخصي للمواطنين، ما قد يُسّهِل تقبُل الشارع لظهورهمم”. هذا غير حديث مبارك المعتاد كونه رجل مسن، خدم الوطن وجنبه حروب وصراعات.

في نفس السياق، أكد الاسلامبولي أن مشهد ترافع المتهمين عن أنفسهم، مثّل سابقة في تاريخ محاكم الجنايات. ووضح أن المحكمة تسمح للمتهمين بالتحدث حال استجوابهم أو رغبتهم في إضافة تفاصيل لم يتطرق لها الدفاع فقط، ومن واجبها ايقاف المترافع عن الحديث إذا خرج عن المسار القانوني، وهو ما يتنافى مع حديث مبارك والعادلي ومعاونيه.

وأضاف الاسلامبولي أن حديث المتهمين كان سياسيا وعاطفيا، ولم يكن موجها للمحكمة بقدر ما كان مخاطبا الرأي العام. هذا غير أن كلامهم عن “مؤامرة 25 يناير” يتنافى مع ما أقر به القضاء نفسه، في المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا والمحاكم الإدارية في مجلس الدولة، أو مع ما أقره الدستور باعتبار 25 يناير ثورة شعبية.

واستطرد الاسلامبولي مؤكدا أن بث المرافعات هذه، واعتبارها خطبًا موجهة للناس، ومن خلال قنوات فضائية خاصة مملوكة لرجال أعمال ارتبطوا بالسياسة في عصر مبارك، يؤكد أن السياسة لم تكن بعيدة أبدا عن المجريات الجنائية للقضية. يذكر أن قناة «صدى البلد» التي يمتلكها رجل الأعمال محمد أبو العينين قد حصلت علي الحق الحصري لبث مرافعات دفاع المتهمين في محاكمة القرن من هيئة المحكمة.

على الرغم من اتفاق جميع الإطراف أن الأمر لم يخلُ من السياسة منذ اليوم الأول في مجريات القضية، إلا أن الفصل في الأمر سيأتي الشهر المقبل، عندما تصدر المحكمة حكمها في اتهام الرئيس المخلوع ومعاونيه، ليتضح حينها إذا ما كان الأمر متصلًا بحالة التراجع التي يشهدها النشاط السياسي خلال الشهور الماضية.

 

التسلسل الزمنى للمحاكمة

الزمن

مسار القضية

الظرف السياسي

فبراير 2011

النائب العام عبدالمجيد محمود يتلقى بلاغات تتهم مبارك بالتحريض على قتل المتظاهرين، والكسب غير المشروع. ويخاطب الأجهزة والجهات الرقابية والأمنية لتقديم ما لديها من تقارير وأدلة. ويأمر بالتحفظ على أموال مبارك وأسرته، ويمنعهم من السفر في ضوء تحقيقات حول ارتكابهم جرائم كسب غير مشروع.

ميادين التظاهر تطالب بملاحقة مبارك ووزير الداخلية لقتل المتظاهرين، وللتحقيق في تهم الفساد المالي والسياسي.

أبريل 2011

قناة «العربية» تذيع كلمة مسجلة للرئيس المخلوع مبارك، ينفي فيها تهم الفساد والقتل، قبل أن يقرر النائب العام حبسه 15 يوما على ذمة التحقيقات، وتقرر النيابة ايداعه مستشفى شرم الشيخ الدولي، وحبس نجليه علاء وجمال في سجن مزرعة طرة.

متظاهرون يتجمعون في مليونية “9 ابريل”، التي اتهمت المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتباطؤ في محاكمة مبارك، وفي ملاحقة رموز النظام القديم. ويظهر عدد من ضباط القوات المسلحة مع المتظاهرين في ميدان التحرير، قبل أن تهاجم قوات الشرطة العسكرية الميدان، وتعتقل الضباط وعشرات المتظاهرين، ويُقتل متظاهر واحد على الأقل.

24 مايو 2011

النائب العام يحيل مبارك ونجليه لمحكمة الجنايات.

 

يوليو 2011

يوم 28 يوليو يعلن وزير العدل، حينها، عبد العزيز الجندي أن محاكمة مبارك ستبدأ في 3 أغسطس.

متظاهرون يرفعون شعارات مناهضة لحكم المجلس العسكري، ولجماعة الإخوان المسلمين، ويوجهوا لهما اتهامات بالتواطؤ في التستر على جرائم مبارك.

  3أغسطس 2011

 

أولى جلسات محاكمة مبارك الذي دخل قفص الاتهام على سرير طبي، قبل أن تقرر المحكمة في ختام الجلسة إيداعه مستشفى المركز الطبي العالمي التابع للقوات المسلحة.

 

سبتمبر 2011

تصدر المحكمة قرارا باستدعاء المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة حينها، ونائبه سامي عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وعمر سليمان النائب السابق لرئيس الجمهورية، ووزيري الداخلية السابقين منصور العيسوي ومحمود وجدي.

وتناقل أخبار عن شهادة المشير طنطاوي، والتي أنكر فيها أن مبارك أصدر أوامر بقتل المتظاهرين.

تزايد الاتهامات الموجهة للمجلس العسكري بالتهاون مع جرائم مبارك، خاصة بعد ما نُقل عن شهادة طنطاوي.

يناير 2012

في الأسبوع الأول من الشهر، تطالب النيابة العامة في ختام مرافعتها بتوقيع عقوبة الإعدام شنقا على مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي، عن وقائع قتل المتظاهرين.

قوى سياسية تدعو لإحياء الذكرى الأولى للثورة، تحت شعارات منددة بإدارة المجلس العسكري، ومطالبة بسرعة إنهاء المرحلة الانتقالية.

2 يونيو 2012                

تعاقب محكمة جنايات القاهرة مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي بالسجن المؤبد 25 عاما، وتبرىء مساعدي العادلي الستة، وتحكم بانقضاء الدعوى ضد مبارك ونجليه وحسين سالم في قضية استغلال النفوذ الرئاسي وتقاضي رشاوى وتبرىء مبارك في قضية تصدير الغاز إلى إسرائيل. وذلك قبل أن يطعن النائب العام على الحكم أمام محكمة النقض.

 

27 ديسمبر 2012

 

النائب العام، وقتئذ، طلعت عبد الله يوافق على نقل مبارك لمستشفى المعادي العسكري.

 

13 يناير 2013

تقضي محكمة النقض بإلغاء كافة الأحكام الصادرة بالبراءة والإدانة في قضية مبارك وتأمر بإعادة محاكمة جميع المتهمين من جديد.

تزايد الدعوات لإحياء الذكرى الثانية للثورة، تحت شعار “يسقط حكم المرشد”، تنديدا بنظام الرئيس محمد مرسي.

أبريل 2013

يأمر المستشار طلعت عبدالله النائب العام بحبس مبارك لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيق معه في قضية اتهامه بالاستيلاء على المال العام للقصور الرئاسية. بينما تقضي محكمة جنايات القاهرة بإخلاء سبيل مبارك بضمان محل إقامته على ذمة إعادة محاكمته في قضية قتل المتظاهرين وجرائم فساد مالي.

تزايد الدعوة من خلال حركة “تمرد”، لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، احتجاجا على نظام الرئيس محمد مرسي.

3 يوليو 2013

المجلس الأعلى للقوات المسلحة يعزل الرئيس محمد مرسي عن الرئاسة، ويتولى رئيس المحكمة الدستورية العليا عدلي منصور الرئاسة مؤقتا.

 

15 سبتمبر 2013

تسريب تسجيل لمبارك من مستشفى المعادي يثني فيه على وزير الدفاع في حينها، عبدالفتاح السيسي، ودوره في إقصاء جماعة الإخوان، ويصفه بــ “الرجل العُقر”.

 

27 مارس 2014

 

 

يعلن عبدالفتاح السيسي، عبر التلفزيون الرسمي للدولة، استقالته من منصب وزير الدفاع وترشحه للرئاسة.

3 أبريل 2014

 

تسريب تسجيل صوتي لمبارك يقول فيه أنه لا يصلح لرئاسة مصر إلا المشير السابق عبدالفتاح السيسي.

 

8 يونيو 2014

 

انتهاء الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وإعلان فوز المرشح عبد الفتاح السيسي بنسبة 96.9%.

أغسطس 2014

إذاعة مرافعات وزير داخلية مبارك ومساعديه عن اتهامهم بقتل المتظاهرين، والتي وصفت جميعها ثورة يناير بـ”المؤامرة الخارجية”.

 

 

13 أغسطس 2014 

مبارك يدافع عن نفسه أمام المحكمة في خطاب متلفز، ويقول أنه لم يأمر بقتل المتظاهرين أو نشر الفوضى.

 

 

 

اعلان