الحرب على الـ”سوشيال ميديا”
 
 

مطلع يونيو الماضى تفجرت موجة من الجدل مع الإعلان عن نية وزارة الداخلية المصرية  فرض رقابة على الانترنت، عبر طرحها كراسة شروط خاصة بمناقصة للحصول على نظام لرصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعى، رد الفعل الذى أثاره هذا الخبر لم يقف عند حدود تدشين “هاشتاج” انتشر بقوة (#احنا_متراقبين) والسخرية من محاولة الداخلية فرض سيطرتها على الواقع الإلكترونى المصرى، بل امتد لقيام عدد من المنظمات الحقوقية برفع دعوى أمام محكمة القضاء الإدارى للمطالبة بوقف وإلغاء قرار وزير الداخلية بإجراء تلك المناقصة، معتبرين أن هذا المشروع يشكل انتهاكًا جسيمًا للحقوق والحريات العامة التى يضمنها الدستور المصرى، ورغم نفى وزير الداخلية كون النظام المذكور يهدف لقمع الحريات أو تكميم الأفواه، إلا أن جهات دولية مثل منظمة العفو الدولية رأت أن إدخال مثل هذا النظام حيز التنفيذ يمثل ضربة مدمرة للحق في الخصوصية وحرية التعبير فى مصر.

لكن بنهاية شهر يونيو الماضى الحديث توقف عن نظام الرقابة على الإنترنت الذى توقعت تقارير صحفية أن يبلغ سعر شراءه 420 إلى 700 مليون جنيه، حيث لم تعد أى من وسائل الإعلام للحديث عن الأمر، فضلًا عن عدم صدور أى تصريحات رسمية من وزارة الداخلية بخصوص هذا الأمر.

الأسبوع الماضى عادت فكرة فرض رقابة على مواقع التواصل الإجتماعى للظهور مرة أخرى، ولكن هذه المرة عبر بوابة أخرى بعيدة عن وزارة الداخلية، حيث طالبت دار الإفتاء بوضع ميثاق شرف بالضوابط الدينية التى يجب أن يراعيها رواد تلك المواقع، واعتمدت دار الإفتاء فى ذلك على تقرير أعده ما يسمى بـ”مرصد الفتاوى الشاذة والتكفيرية“، والمرصد هو صفحة أنشأتها دار الإفتاء على فيسبوك فى شهر يونيو الماضى، تتركز أهدافها فى التصدى لظاهرة فتاوى التكفير والآراء المتشددة فى مختلف وسائل الإعلام المحلية والعالمية، وتقديم معالجات فكرية ودينية لتلك الظاهرة وآثارها، بخلاف عدة أهداف أخرى، وصولًا إلى تقديم الاستشارات الإعلامية المتخصصة، توفير مواد إعلامية باللغات العربية والإنجليزية، وتقديم المشورة حول الشئون الإقليمية والعالمية والأحداث التي ينبغي أن تدلي فيها المؤسسة الدينية بدلوها.

اللافت للنظر أن المرصد أو دار الإفتاء لم يقوما بنشر نص التقرير المزعوم، واكتفوا بالإشارة لأبرز ما جاء فيه، مثل وجود “مجموعة من الضوابط الأخلاقية والاجتماعية والثقافية التي يجب أن يراعيها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعية أثناء عملية التواصل الإلكتروني فيما بينهم، وتأتي في مقدمتها تحرى الصدق والموثوقية والأمانة في طلب البيانات والمعلومات وتداولها، والتأكيد على حماية حقوق الملكية الفكرية وقوانين الفضاء الإلكتروني، وضرورة كفاية أمن البيانات والمعلومات وسريتها في بعض الأحيان ومراعاة الخصوصية واحترامها، واتخاذ كافة التدابير الوقائية لحماية أفراد المجتمع من البيانات والمعلومات الضارة والملوثة”.

بخلاف عدم نشر نص التقرير، لم يتم إيضاح الجهة االمسؤولة لتى سيتم رفعه إليها كى تعمل على تنفيذ التوصيات الموجودة به، وهل ستسمح الدولة بوجود دور استشارى لمؤسسة دينية على المحتوى المتداول على مواقع التواصل الإجتماعى، أم أن مثل هذا التقرير يقدمه المرصد إلى دار الإفتاء دون وجود وسيلة لتطبيقه أو العمل بتوصياته، ولا يتعدى كونه “فرقعة إعلامية”.

الربط بين تقرير مرصد دار الإفتاء ومشروع وزارة الداخلية (القبضة الإلكترونية) يضع المتابعين أمام محاولات مختلفة من الدولة لفرض رقابة على مواقع التواصل الإجتماعى، التى تعد حاليًا منصة إعلامية بديلة للإعلام الرسمى والخاص، تؤثر فى الشارع بشكل واضح، ليس فقط فى الأحداث السياسية، مثلما حدث فى الدعوة للتظاهر فى 25 يناير 2011، ولكن حتى فى القضايا الإجتماعية، مثل قضية دار أيتام مكة المكرمة التى أثيرت مؤخرًا بفضل فيديو تم نشره على فيسبوك، واتخذت فيها الدولة اجراءات رسمية لأول مرة، رغم أن شكاوى رسمية كان قد تم تقديمها فى القائمين على الدار قبل أعوام دون أن يتم التحقيق فيها. ورغم الاهتمام الذى أبدته المؤسسات الرسمية تجاه قضية دار الأيتام، إلا أن الرئيس عبدالفتاح السيسى أبدى تحفظًا على تناول الإعلام لتلك القضية، وهو التناول الذى وصفه بالعاطفى.

غياب أى تفاصيل رسمية عن مشروع القبضة الإلكترونية بما فيه من رقابة على مواقع التواصل الإجتماعى، واستبداله مؤخرًا بالحديث ـ الذى تنقصه التفاصيل أيضًا ـ عن ميثاق شرف دار الإفتاء، بما فيه من توجيه ورقابة مسبقة على المواقع نفسها، يشير إلى محاولات حثيثة من الدولة عبر مؤسساتها المختلفة لفرض قبضة رقابية على المساحة الأكثر حرية فى مصر حاليًا، مستخدمة فى ذلك ذراعها الأمنية تارة، وذراعها الدينية تارة أخرى، حتى تضمن السيطرة على الميدان الذى لم تستطع أن تطوّعه حتى الآن، ويبدو من ردود أفعال مستخدمى مواقع التواصل الإجتماعى على “القبضة والميثاق” أن الدولة لن تستطيع فرض تلك السيطرة قريبًا، هذا إن كان من الممكن فرضها من الأساس.

اعلان