الغارمات.. سجينات الدَّين
 
 

بينما تقف في مطبخها الصغير لتطهو وجبة الغداء لابنائها العائدين من المدرسة بين لحظة وأخرى، قالت منى أنها ندمت على “جدعنتها مع زوجها” الذي كان يصارع الموت يوما ما.

منى، التي أصرت على عدم ذكر اسمها الحقيقي خوفا من “العار” الذي قد يلاحقها بعد أن بدأت حياة جديدة، قضت ثلاث سنوات في السجن بعدما عجزت عن سداد دين قيمته 15000 جنيه قيمة علاج زوجها، السائق الذي كسر ساقه وعانى من نزيف داخلي بعد حادث سير. تحكي منى عن محنتها فتقول: “مالقيتش حد يقف جنبي، لا من عيلتي ولا من عيلته. كلهم غلابة وعلى قد حالهم. اضطريت استلف من القريب والغريب. كان سهل عليا أرميه في أي مستشفى حكومي ويموت زيه زي غيره، بس خوفي عليه خلاني أوديه مستشفى من اللي بيدفعوا فيها فلوس بالغالي. مضيت على نفسي شيكات واستلفت. بعد ما خف وبقى زي الفل الديانة طالبوني بالفلوس، قلت لجوزي يساعدني مارضيش.  دخلت السجن والبيه طلقني، عادي كده بكل بساطة”.

في رمضان الماضي أطلت علينا إعلانات الجمعيات الخيرية بحملات متنوعة للتبرع للغارمين، هؤلاء الفقراء الذين يعجزون عن سداد ديونهم والتي هي أحد مصارف الزكاة الشرعية. الكثير من هؤلاء يواجه عقوبة السجن لمدد قد تصل أحيانا لعشرين عاما، لعدم قدرتهم على سداد مديونيات قد لا تتعدي عشرين ألف جنيها. الكثير من العاملين المتطوعين في الأعمال الخيرية أو هؤلاء الذين يعملون في مؤسسات خيرية كبرى أكدوا لـ«مدى مصر» تزايد أعداد الغارمين، وبالأخص السيدات منهم.

منسقة برنامج سداد ديون الغارمين بمؤسسة «مصر الخير» سهير عوض، صرحت إلى «مدى مصر» أن هؤلاء النسوة الغارمات في معظم الأحيان يكن المعيلات الأساسيات لأسرهن، أو هؤلاء اللاتي يجبرهن أزواجهن على الخروج للعمل، أو أخريات تضطرهن الحاجة للإستدانة من أجل تزويج بناتهن.

وأضافت عوض أن “معظم المصريين غارمون. ولكن تتفاوت نسب الديون وقدرة الأشخاص على دفعها. في «مصر الخير» نركز على الشرائح الأكثر فقرا، هؤلاء اللذين لا يتعدى سقف ديونهم العشرة آلاف جنيه. منذ تأسيس البرنامج في عام 2010، سددت المؤسسة ديونا لأكثر من 23000 غارم وغارمة”.

تقول عوض أن القصة اصبحت مكررة. نساء يساعدن أزواجهن أو عائلاتهن فيمضين شيكات بمبالغ ضخمة، فيدخلن السجن ويتخلى عنهن الجميع ويطلقهن أزواجهن. محظوظة هي من تجد جمعية أهلية تساعدها على دفع ديونها وتوفير حياة جديدة من خلال مشروع صغير.

منى التي واجهت أحكاما بالسجن مجموعها عشر سنوات قالت أن “ناس طيبين” استطاعوا سداد ديونها بعد قضاء ثلاث سنوات في السجن، كما استطاعت أيضا بمساعدتهم شراء ماكينة خياطة وشقة صغيرة تؤويها وولديها الصغيرين، وتضيف: “كان المفروض أسيبه يموت، على الأقل ماكنتش هاضيع 3 سنين من عمري. بس الحمد لله أنا دلوقتي معتمدة على نفسي وبأربي عيالي بكرامتي ومش عايزة الرجالة في حاجة”. وسط ضحكة عالية تطلقها، تظهر بجوار عينيها وفمها تجاعيد تضيف بضعة سنوات إضافية لسنوات عمرها الثلاثة والثلاثين.

تقول عوض أن نسبة النساء بين الغارمين الذين ذهبوا إلى السجن بلغت 25 %، وهو رقم مقارب جدا لدراسة أجراها المجلس القومي لحقوق الإنسان، مؤكدة أن 35% من الأسر الفقيرة في مصر تعولها نساء. معظم هؤلاء النساء، طبقا للدراسة، يعملن في قطاع الإقتصاد غير الرسمي بدون أي تأمين اجتماعي أو حماية طبية. آخر إحصاء أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ذُكر فيه 16% من الأسر في مصر تعولها نساء.

قصة سماح حمد لا تختلف كثيرا، فبعد محاولتها مساعدة زوجها العامل البسيط على الظروف المعيشية الصعبة في عام 2010، وجدت نفسها محاصرة بديون قاربت الـ 25000 جنيه بعد عملها في بيع وشراء الملابس. في خلال شهور قليلة وجدت حمد نفسها في السجن بمجموع أحكام وصل إلى عشرين عاما. تتذكر حمد أعوامها الثلاثة في السجن وتقول: “جوزي بطل يزورني، البيه شاف إني خلاص بقيت جربة وهجيبله الفضايح. خلاص بقيت سبب في سوء سمعته العظيمة، قام مطلقني”، تضحك حمد بسخرية شديدة وهي تتحدث عن مخاوف طليقها.

بعد قضاء ثلاث سنوات، استطاعت إحدى الجمعيات الأهلية أن تدفع دين حمد وتساعدها على بناء “كشك سجاير” صغير “عشان تستلقط رزقها”. لكن ديون حمد لم تكن أبدا مشكلتها الكبرى، فبمجرد خروجها من السجن، أدركت كم المعاناة التي عاشتها بناتها الثلاث أثناء سجنها. لمدة ثلاث سنوات، تنقلت الفتيات بين بيت أبيهم حيث زوجة الأب “الكارهة” وبيوت الأقارب بنظراتهم المحتقرة الغاضبة. تحكي حمد: “الكل هجرني أنا وبناتي، أخويا الكبير قاللي مش هيقدر يتحملني أنا والعيال، ماكانش طايق يسيب في بيته واحدة ست دخلت السجن في يوم من الأيام. لولا الجمعية اللي وفرت لي مع الكشك شقة صغيرة تلمني أنا وبناتي، كان زماننا بنشحت في الشارع”.

تحكي حمد هذه النقطة وهي تخفض صوتها أثناء المكالمة الهاتفية مع «مدى مصر»: “أنا واقفة في الكشك ومش عايزة زبايني يسمعوا إني كنت في السجن”.

عادل طلعت، رئيس جمعية رعاية أبناء النساء السجينات، التي ساعدت حمد فى التغلب على محنتها، يقول لـ «مدى مصر» أن أعداد الغارمات في ازدياد في الثلاث سنوات الأخيرة بعد الأزمة الاقتصادية الحالية. طلعت اضاف أن الجمعية لم تشهد منذ بداية تأسيسها هذا العدد من الغارمات، مؤكدا أنه في العام الحالي فقط سددت الجمعية ديونا عن غارمات وصلت لمائة ألف جنيه.

كانت القوات المسلحة قد أعلنت في العام الماضي استعدادها لسداد ديون الكثير من الغارمات، ولكن طبقا لتقرير نشرته جريدة الأهرام، لم تسدد القوات المسلحة سوى ديون 320 غارمة. بخلاف ذلك، تظل جهود الدولة لمكافحة هذه الظاهرة جهودا فردية غير مستدامة. خلال شهر رمضان وعيد الفطر الماضيين، أعلن الكثير من مسئولي الدولة عن جهود لسداد ديون الغارمين، مثل محافظ الغربية اللواء محمد نعيم الذي أعلن طبقا لوكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية سداد ديون 11 غارمة. على قدر ما كانت هذه اللفتات الخيرية مرحب بها من قبل هؤلاء النسوة الغارمات، على قدر ما أوضحت سياسة الدولة المصرية تجاه هذه القضية.

رئيس مكتب شكاوى المرأة فاطمة خفاجي أكدت أنه لا توجد أي سياسات اقتصادية محددة للتمكين الإقتصادي للنساء الأكثر فقرا، وأضافت: “هذه السياسات يجب أن تكون جزءا من منظومة أشمل للعدالة الاجتماعية في مصر. بخلاف بعض المطالبات المتواضعة من قبل المجلس القومي للمرأة للعمل على إصدار مثل هذه السياسات وتطبيقها، لم يتم الحديث مطلقا عن التمكين الاقتصادي للمرأة داخل دوائر صنع القرار في الدولة المصرية على تعاقب الأنظمة الحاكمة قبل الثورة وبعدها”.

المؤسسات الخيرية الكبرى مثل «مصر الخير» وجمعية «دار الأورمان» تقول أن مهمة حصر الغارمات ودفع ديونهن تم تسهيلها عن طريق وزراة التضامن الإجتماعي. بخلاف ذلك، لم تصدر عن الوزارة أي خطط واضحة لوضع حل نهائي لمشاكل هؤلاء النسوة. لم يكن أي من مسئولي الوزارة متاحا للرد عن تساؤلات «مدى مصر» في هذا الخصوص.

ومع اعلان عبدالفتاح السيسي رئيسا للجمهورية، تصاعدت آمال الكثيرين حول وجود فرص قوية لدعم النساء وحقوقهن، بينما ظل البعض الآخر متشككا من حدوث أي تغيير، خاصة مع إعلانه في الكثير من المقابلات التليفزيونية عن رؤيته لقضايا المرأة.

على الرغم من إشادته بالدور اللذي لعبته النساء المصريات لإسقاط حكم الإخوان المسلمين في يونيو 2013، ظلت رؤية السيسي لدور المرأة محافظة جدًا ومحصورة في دعوته للأمهات بالحفاظ على دورهن في خفض استهلاك الكهرباء والمرور يوميًا على غرف ابنائهن للتأكد من أن المصابيح غير مضاءة بشكل مستمر.

بالنسبة لخفاجي، فإن الخلفية العسكرية التي ينحدر منها الرئيس الحالي لن تسمح له أن يكون واعيا الوعي الكافي بمشاكل المرأة وقضاياها، مؤكدة: “إلا أن رؤيته لقضية تمكين المرأة لا تختلف كثيرا عن سابقيه، عليّ أن اعترف أنني في غاية التشاؤم”.

وعلى الرغم من الأمل الذي تعيشه منى، إلا أنها ندمت كثيرا على عدم اتخاذها طريقا مختلفا، شارحة: “كان ممكن أشتغل في الحرام عشان عيالي ياكلوا، بس خفت على سمعتي.  دلوقتي دخلت السجن وجوزي طلقني وكل اللي حواليا رموني، وبرضه خسرت سمعتي. دماغي بتودي وتجيب والشيطان يقولي طب ليه يعني ماخدتهاش من قصيرها واشتغلت بنت ليل؟، على الأقل كنت وفرت على نفسي التعب ده كله”. تضحك منى ساخرة وهي تنظر من نافذة منزلها منتظرة أبنائها.

اعلان
 
 
مي شمس الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن