دورات الخطاب السياسي والعنف

خلال الهجمات الأخيرة على غزة اتضح بشكل جلي أن الدورات التي يدور في فلكها الخطاب السياسي هى التي ترسخ دوارت العنف وتجعلها تستمر إلى ما لا نهاية.

يقوم جهاز العلاقات العامة الإسرائيلي في عمله على تغيير معايير النقاش وإعادة تحديدها. تطلق مزاعم لتنسى. وتجرى تحقيقات وتتوقف. يتم تجاهل المبادئ الأساسية ويُمحَى التاريخ على يد متحدثين تم تدريبهم بعناية، بارعين في تحميل الكلام أكثر من وجه والحديث بمنطق العنف المتعاطف الذي أثبتت التجربة أن ذائقة الجماهير تستسيغه بدرجة كبيرة.

وحسب عقيدتهم: ما تقوله ليس المهم. بل المهم هو ما يسمعه الناس.

إن كل الحقائق المجمعة التي أمامنا تدين إسرائيل بشكل لا يقبل التشكيك فيه. لكن وسائل الإعلام تؤجل تلك الإدانة وتعقدها، وتفرض مواضيع أخرى على رأس قائمة النقاش لتشتت الانتباه عنها. إن الإحصائيات والصور والمآسي المسجلة لا تكذب، إلا أن الروايات الملفقة التي سريعًا ما تلتف حولها هي التي تهيمن على جدول الأعمال.

لقد تغيرت ذرائع الحملة الإسرائيلية منذ بداية الهجوم ثلاث مرات، وفي كل مرة تعتمد على مصطلح جديد يتم تكراره بحيث لا يصبح هناك أي مجال لطرح أي مفهوم آخر. وهذه المصطلحات هي “خطف” (من 12 يونيو وحتى 2 يوليو)، و”صواريخ” (بدءًا من 7 يوليو)، وبعدها “أنفاق” (بدءًا من 17 يوليو)، وهذا المصطلح والمفهوم لم يرد في الخطاب العام إلا بعد إعلان الهجوم الأرضي، في اليوم ذاته. وفي اليوم التالي تصاعد عدد القتلى بشكل حاد، حيث قُتل 60 شخصًا على مدار 24 ساعة. وبعدها ظهر مصطلح جديد على الساحة: “الدرع البشري”. وبما أن كل الأنفاق قد دُمرت حسب ما يزعم، قد يكون “نزع السلاح” هو المصطلح الجديد إذا استدعى الأمر.

خطف: اعترفت الحكومة الإسرائيلية الآن بأن حماس لم تقم بخطف الصبية الثلاثة. ومع أنهم قد علموا بموتهم بعد ساعات قليلة، إلا انهم أعلنوا النفير للبحث عنهم لإثارة غضب الجماهير والتحريض على عملية “حارس الأخ” المحضرة مسبقًا لعزل حماس من السلطة بالضفة الغربية. لماذا؟ لأنه قبل ثمانية أيام قامت حركتى فتح وحماس بالاتفاق على تشكيل حكومة موحدة بعد ثماني سنوات من الخصومة والانقسام.

الصواريخ: تفتخر إسرائيل بنظام القبة الحديدية الدفاعي، وتزعم أنه من أفضل الأنظمة التي أنتجتها الهندسة الإسرائيلية للحفاظ على سلامة المدنيين. كما يزعمون أيضًا أنهم يعيشون في حالة من الذعر لأن الصواريخ “تنهال كالأمطار” عليهم. وهنا نجد تناقضًا في صميم التكوين النفسي للشعب الإسرائيلي، فهو شعب مقاتل ومهاب وفي نفس الوقت يعيش في حالة من الخوف الدائم.

يقول بن إيرينرايش واصفًا الصواريخ إنها “أقرب إلى الصواريخ التي كنا نتعلم بناءها في صف الأعمال الحرفية بالمدرسة الثانوية منها إلى سلاح مدفعية بالقرن الواحد والعشرين: أنابيب معدنية غليظة ذات أجنحة ملحومة، مزودة بمحرك في القاعدة، وبضع كيلوجرامات من المتفجرات عند المقدمة، غالبًا لا تكفي لإحداث تدمير يذكر. ما تحدثه من أثر ينتج من أثر ضربتها في المقام الأول”.

وحتى يومنا هذا بلغ عدد الذين قتلوا بهذه الصواريخ شخصين إسرائيليين ومواطن تايلاندي مدني، ما يجعل معدل الموتى على جانبهم 0.1 بالمئة. وماذا عن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا؟ 1,886 شخص.

الدروع البشرية: كل الإسرائيليين، من أشرس صقورهم إلى أرق حمائمهم، يرددون نفس الحديث الذي يساق لتبرير العدد الهائل من الموتى الفلسطينيين: “إن حماس تستخدم دروعًا بشرية”. حتى آموز أوز، صوت ضمير التيار الصهيوني الليبرالي، لم يتمكن من تقديم ما هو أفضل من هذا السيناريو الرديء:

“آموز أوز: أود أن أبدأ اللقاء بطريقة غير معتادة. أريد أن أطرح سؤال أو اثنين على القراء والمستمعين. هل تسمحون لي بذلك؟

دويتشه فيله: تفضل!

السؤال الأول: ماذا تفعل إذا جاء جارك في المبنى المقابل لك وجلس في شرفته حاملًا طفلًا صغيرًا وبدأ في إطلاق مدفع رشاش على دار الحضانة الخاصة بك؟”.

إذا كانت هذه هي طريقة تفكير مفكر من أكثر المفكرين وزنًا في اليسار الإسرائيلي، فلا شك أن المناخ هناك أصبح مسممًا بدرجة كبيرة، وفي مثل هذا المناخ لن يفكر الجندي العادي مرتين قبل أن يطلق الرصاص.

والحقيقة أنه قد ثبت بالوثائق أن إسرائيل هي التي تستخدم الدروع البشرية وليس حماس. فقد خلص تقرير جولدستون عن عملية الرصاص المصبوب إلى أن إسرائيل قد قامت بقتل مدنيين “أثناء محاولتهم مغادرة منازلهم للذهاب إلى مكان أكثر أمنًا، رافعين الأعلام البيضاء”، ولقد وثق التقرير عدة حالات استخدم فيها الجنود الإسرائيليون الفلسطينيين كدروع بشرية.

إلا أن تقرير جولدستون الذي خلص إلى إدانة إسرائيل لارتكابها جرائم حرب عدة وواسعة المدى أصبح طي النسيان. إن إسرائيل متخصصة في محو أحداث التاريخ، فهل يصعب عليها محو أحداث تاريخها؟

الأنفاق: أشارت شبكة بي بي سي، التي تحرص على استخدام المصطلحات التي تصدق إسرائيل عليها، إلى سلسلة من “هجمات الأنفاق”. إلى من وجهت تلك الأنفاق هجومها إذَا؟ فهي حسب قولهم مصممة لاختراق إسرائيل وخطف الإسرائيليين.

في عام 2006 تم احتجاز الجندي جلعاد شاليط كأسير حرب. وتم الإفراج عنه في مقابل 1,027 أسير فلسطيني ـ معظهم وقع في الأسر مجددًا أثناء عملية حارس الأخ. لم يتم خطف أي مدني قط من خلالها. فما هو سبب وجودها إذًا؟ ولماذا لم يتحدث عنها أحد قبل 17 يوليو؟

من الواضح أن الغرض من ورائها اقتصادي بحت، وهي نتيجة للحصار الخانق طويل الأمد الذي تفرضه إسرائيل على غزة. إن من يقوم ببناء الأنفاق على الحدود المصرية ليس حماس؛ هم فقط يحصلون الضرائب من أصحاب الأعمال الصغيرة الذين يحفرونها ويملكونها لنقل بضائعهم.

وتتحدث إسرائيل عن “جماعات إرهابية تتعمد غرس بنية تحتية إرهابية داخل الأحياء المدنية”، في حين أن النظام الذي يدير صناعة الأنفاق نظام رأسمالي تحكمه قواعد فضفاضة. إذا كنت تملك منزلًا بالقرب من الحدود فاحتمالات أن تشارك في تجارة الأنفاق كبيرة، لأنه لا يوجد شيء آخر يمكن فعله.

فضلًا عن ذلك، إذا كانت العملية الإسرائيلية بغرض تدمير تلك الأنفاق، لماذا نتج عنها موت 1,886 شخصًا؟ لقد كان عدد الأنفاق ما بين مصر وغزة يقدر بألف نفق، ولقد قام الجيش المصري ـ وليس من شيمه حقن دماء المواطنين أثناء تنفيذ العمليات كما هو معروف ـ بتدميرها دون أية خسائر في الأرواح.

الإجابة بالطبع هي أن العملية ليست بغرض تدمير الأنفاق، وذلك لم يكن الغرض قط. كما أنها لم تكن بدافع الأطفال المخطوفين الذين كانوا قد ماتوا بالفعل، ولا الصواريخ التي لا تنفجر.

ما يدفع هذه الحرب هو كسب رأس المال السياسي وسفك الدماء بما يكفي لتهدئة المجتمع الذي تمت عسكرته بشكلٍ كامل، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة الموافقين على سياسة نتنياهو تبلغ حاليًا 82 بالمئة. إن هذه الحرب تهدف إلى تقسيم الحكومة الفلسطينية التي تم توحيدها بشكل مؤقت: فقد بلغ التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ذروته في شهر يونيو (رغم تغير لهجة خطاب الرئيس محمود عباس بشكل كبير في كلمته يوم 23 يوليو، ومن المحتمل أن يتغير موقف السلطة الفلسطينية لتتخلى عن تواطؤها التام مع إسرائيل). وما يدفع هذه الحرب أيضًا هو تجارة السلاح: لقد ارتفع سعر أسهم شركات السلاح الإسرائيلية التي تمكنت من استعراض إمكانيات معداتها في تجربة حية ـ ويعد سوق الطائرات بدون طيار قطاعًا رئيسيًا ينبغي السعي لاحتكاره في المستقبل.

الدافع من وراء هذه الحرب هو تذكير غزة وفلسطين والعالم أجمع، أن السبيل الوحيدة أمامهم هي الموت في صمت.

كل هذا ليس بجديد. لا تختلف كل هذه الدوافع من وراء هذه الحرب عن أهداف عملية الرصاص المصبوب (2008-2009) أو عملية عمود الدخان (2012). فقبل 16 شهرًا تم الاتفاق على وقف إطلاق النار، بعدما شعر الرأي العام الإسرائيلي بالرضا والاكتفاء، ولقد استمرت إسرائيل في انتهاك تلك الاتفاقية 191 مرة نتج عنها 18 قتيلًا. وانتهكها الفلسطينيون 75 مرة لم تسفر عن أية خسائر في الأرواح. وبعدها شنت إسرائيل هذه الحرب. وحتى يومنا هذا لقى أكثر من 1,800 فلسطيني مصرعهم، يفترض أن 20 بالمئة منهم من المقاتلين. وقتل 64 إسرائيليًا، 95 بالمئة منهم من الجنود. وهذا يعني أن إسرائيل قد قتلت ما يزيد عن 1,500 مدني، من بينهم 378 طفلًا على الأقل. بينما قتلت حماس ثلاثة من المدنيين. أيهما إذًا الذي يرهب المدنيين دون تمييز لتحقيق أهداف سياسية؟

إن الرواية الإسرائيلية الملفقة ترتكز بالطبع على الإشارة إلى “حماس” وليس “الفلسطينيين”، وتكرار كلمة “إرهابي” بقدر الإمكان، والتأكيد على أن حماس “قد تعهدت بتدمير إسرائيل”. إلا أنها لا تذكر أبدًا أن حماس قد تخلت عن دعوتها لتدمير إسرائيل في المبادئ الأساسية المعلنة في انتخابات عام 2006، وأنها اكتفت بالتأكيد على الحق في المقاومة المسلحة. إن ما يهم حماس في المقام الأول، كلاعب سياسي مثلها مثل الآخرين، هو اكتساب القوة والنفوذ ـ وهذا بعيد كل البعد عن صورة عقيدة القتل باسم الدين التي تصورها إسرائيل لنفسها بإصرار شديد.

لقد شاركت حماس في العملية الديمقراطية في عام 2006، وأعلنت الجماعة أنها سوف تتوقف عن الهجمات الانتحارية التفجيرية. ولم يحدث أي تفجير منذ ذلك الحين. ومع ذلك زعمت إسرائيل أن الفضل في ذلك يرجع إلى الحائط العازل بالضفة الغربية (والذي لم يكتمل بعد). لقد حاولت حماس مرارًا وتكرارًا أن تلتزم بقواعد اللعبة التي وضعتها إسرائيل وأمريكا والمجتمع الدولي. لقد اعتنقت الديمقراطية وجنت معها حصارًا. ولقد تجاهل الجميع اعترافها بوجود إسرائيل. كما أوقفت المقاومة المسلحة ورغم ذلك توغل الحصار. وكل الهدنات التي عقدت خرقتها إسرائيل.

لقد أخذ الخناق على غزة يزداد ضيقًا على مدار سبع سنوات، حيث تم تدمير الأنفاق، وتقليص حدود الصيد، وتوسيع المناطق الفاصلة، ومع ذلك لا يوجد سوى مجرم وحيد. طرف واحد فقط هو الذي يحاسب على أفعاله، وشعب واحد فقط هو الذي يدفع الثمن بشكل جماعي. وهكذا باتت الخيارات واضحة.

إما المقاومة السلمية للحفاظ على الصورة الطيبة على المواقع الليبرالية الهامشية القليلة التي تهتم بنشر تلك الأخبار، لكن في تلك الحالة لا يكون لمطالبك أية أولوية، ولا يكون صوتك مسموعًا، وسوف يتضور شعبك جوعًا بينما تنتظر أنت المذبحة القادمة التي يتم التخطيط لها.

ذلك أو أن تطلق الصواريخ ويفيق العالم من سباته ليؤكد قناعته بأنك بالفعل إرهابي، وفي هذه الحالة سوف ينصت إليك (بعض) الناس إذا تحدثت، وسوف يتم وضع مطالبك عين الاعتبار على أقل تقدير، وسوف تستعيد دورك كمشارك في الأحداث. إن حماس وأعوانها يطلقون الصواريخ لأنه لا يوجد أي شيء آخر يمكنهم من التفاوض، ولأن الوضع الراهن يدفنهم أحياء.

اعلان
 
 
عمر روبرت هاميلتون