هيومان رايتس ووتش: قتل المتظاهرين في مصر يرقى لجرائم ضد الإنسانية

في تقرير يوثق عنف الدولة بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي، توصلت هيومان رايتس ووتش، منظمة حقوق الإنسان بنيويورك، إلى أن فض اعتصامات مؤيدي الرئيس السابق “لا تشكل فقط انتهاكات خطيرة لقانون حقوق الإنسان الدولي ولكنها في الأغلب ترقى لجرائم ضد الإنسانية”.

يركز التقرير على فض اعتصام رابعة العدوية الذي تم في ١٤ أغسطس من العام الماضي، كما يشير أيضاً إلى خمسة حوادث قتل جماعي للمتظاهرين منذ رحيل مرسي في ٣ يوليو من العام الماضي. وتقدر هيومان رايتس ووتش عدد القتلى في هذه الأحداث بألف و١١٥ شخصا.

كان من المفترض أن يتم تقديم التقرير فى القاهرة يوم الثلاثاء في مؤتمر صحفي، إلا أن اثنين من كبار المسؤولين بمنظمة هيومان رايتس ووتش، هما كينيث روث وسارة ليا ويتسون، تم منعهما من دخول مصر فور وصولهما إلى مطار القاهرة يوم الإثنين.

وانتقدت المنظمة السلطات المصرية بسبب منع دخول الوفد التابع لها، إلا أن وزارة الداخلية قالت في بيان أنها طلبت من المنظمة تأجيل زيارتها لشهر سبتمبر.

وأضافت الوزارة أنها طلبت من المنظمة إصدارالتأشيرات المناسبة لزيارة ممثليها قائلة أنه لا يمكن دخولهم بتأشيرة سياحية لعقد مؤتمر صحفي. كما تقول الوزارة أيضاً أن المنظمة قد سحبت أوراق تسجيلها للعمل بمصر مما يجعل نشاطها بالبلد غير قانوني.
 
ويشير تقرير المنظمة إلى مستوى غير مسبوق من العنف الممنهج واستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين.

مشيرًا إلى تعريف الجرائم ضد الإنسانية بتشريع المحكمة الجنائية الدولية الذي يضم اضطهاد مجموعة عن عمد على أساس سياسي مما يتسبب في “معاناة شديدة أو إصابة خطيرة”.

كما وجد التقرير أن “قوات الأمن قتلت عن عمد وبطريقة ممنهجة متظاهرين معظمهم غير مسلحين، بدوافع سياسية، مستهدفين أولئك الذين تم إعتبارهم متعاطفين مع الإخوان المسلمين أو معارضين للإطاحة بمرسي يوم ٣ يوليو، بطريقة موسعة، متسبيين في مقتل أكثر من ١١٥٠ متظاهر في يوليو وأغسطس ٢٠١٣ بعد الإطاحة بمرسي”.
 
في واقعة اعتصام رابعة العدوية الذي تم فضه بعد ٤٥ يوم من بدايته، وجدت هيومان رايتس ووتش أن ما بين ٨٠٠ و١٠٠٠ معتصم قتلوا في ما وصفوه بالتقرير أنه “أكبر حوادث قتل المتظاهرين في يوم واحد بالتاريخ الحديث في العالم”.

يقارن التقرير بين فض إعتصام رابعة وقتل الحكومة الصينية لـ٨٠٠ متظاهر في يوم واحد سنة ١٩٨٩ في ما عرف بمجزرة تيانانمن. كما يشير التقرير لقتل القوات الأوزبكية لعدد مماثل من المتظاهرين في يوم واحد في مجزرة أنديجان في ٢٠٠٥.

يعتبر التقرير أن التحذير الذي تم إعطاؤه للمتظاهرين قبل الفض غير كافٍ، بسبب عدم تحديد ميعاد الفض. كما يقول التقرير أن العديد من المعتصمين لم يتسنى لهم سماع التحذيرات أثناء الفض وأن القوات لم تترك للمتظاهرين وقت كاف للخروج من الإعتصام.
بينما تدعي الحكومة أن التحذيرات استمرت لمدة ساعة ونصف قبل بداية إطلاق النار، يقول الشهود العيان الذين أخذت هيومان رايتس ووتش شهاداتهم أنه تم البدء في إطلاق الرصاص الحي بعد بدء الفض بدقائق وجاء من مدرعات، جرّافات، قوات على الأرض وقناصة متمركزين على الأسطح.

وحاصرت قوات الأمن المعتصمين طوال النهار تقريبا، وبدأت الهجمات عليهم من كافة مداخل الميدان. كما استهدفت من يحاولون الهرب، وفقا لشهود عيان أطلعوا هيومان رايتس ووتش على مشاهداتهم.

في الساعات الأخيرة من العملية التي استمرت ١٢ ساعة، وقعت معظم حالات قتل المعتصمين، كما طوقت قوات الأمن الباقين منهم بالقرب من المستشفى الميداني، وأمرت الأطباء بالخروج وترك الجثث وراءهم، بعدها سيطرت قوات الأمن على المستشفى. وفي تلك اللحظة اندلع حريق في المستشفى الميداني والمسجد. وتشير الأدلة، وفقا لهيومان رايتس ووتش، أن الحرائق بدأت بشكل متعمد من قِبل الأمن.

كما أشار التقرير أيضا إلى اعتقال ٨٠٠ متظاهر خلال عملية الفض، بعضهم تعرض للتعذيب، كما تم إعدام آخرين دون محاكمة بعد القبض عليهم مباشرة.

وتضمن التقرير مقابلات مع شهود عيان قالوا أنهم شاهدوا طائرات هليكوبتر تطير على ارتفاع منخفض وتطلق قنابل الغاز المسيل للدموع وأعيرة الخرطوش والرصاص الحي على المتظاهرين. كما زعم بعض الشهود أن هناك قنّاصة تواجدوا أعلى عدد من المباني الحكومية وأطلقوا النار على مداخل ومخارج المستشفى الميداني. واتهم التقرير قوات الأمن بإطلاق النار دون تمييز على الحشود بدلا من استهداف المتظاهرين المسلحين فقط.

ورغم اعتراف التقرير بوجود حالات قليلة استخدم فيها المعتصمون أسلحة نارية، إلا أنه أدان “الهجمات القاتلة المتعمدة بشكل صارخ ضد متظاهرين أغلبيتهم الساحقة سلميين”.

في اعتصام النهضة القريب من ميدان الجيزة، نقطة التجمع الرئيسية الثانية للمتظاهرين، اتبعت قوات الأمن نفس إجراءات الفض، وفقا لهيومن رايتس ووتش، بداية من التحذيرات المتكررة ثم البدء الفوري للهجمات واستهداف من يحاولون الخروج وإطلاق النار عشوائيا على حشود المتظاهرين.

وأدانت المنظمة الحكومة المصرية لعدم اعترافها أو معاقبتها أو توقيفها أي من المسؤولين عن القتل، رغم أن المناقشات التي جرت في الاجتماعات الحكومية قبل اتخاذ قرار الفض أظهرت أن المسؤولين كانوا على علم بأن الهجمات ستتسبب في عمليات قتل واسعة النطاق. كما أكدت المنظمة أن أي من الأسباب التي ذكرتها الحكومة لتبرير فض الاعتصامات، مثل الإخلال بالأمن العام وحياة المناطق السكنية القريبة من أماكن الاعتصامات، لا تبرر الهجمات.

بجانب فض الاعتصامات، وثّقت هيومان ايتس ووتش عدد من الهجمات الأمنية على المتظاهرين في الفترة بين ٣ يوليو، عندما عُزل مرسي، و١٤ أغسطس، يوم فض الاعتصامات. حيث وثّق التقرير قتل ٢٨١ شخصا خلال هذه الفترة، متضمنة الهجمات التي حدثت أمام مقر الحرس الجمهوري يومي ٥ و٨ يوليو، عندما فضت قوات الجيش اعتصاما لمؤيدي مرسي، وكذلك هجمات “المنصّة” بطريق النصر يوم ٢٧ يوليو.

وحمّلت المنظمة قوات الأمن، خاصة الأمن المركزي والقوات الخاصة التابعتين للداخلية وكذلك الجيش، المسؤولية الرئيسية عن قتل المتظاهرين، كما حددت وزير الداخلية محمد إبراهيم، بصفته واضع الخطة الأمنية لفض الاعتصامات، كأحد المسؤولين الرئيسيين الذين يجب التحقيق معهم لمسؤوليتهم عن الهجمات. وكذلك مدحت المنشاوي، قائد قوات الأمن المركزي، الذي أطلع إبراهيم صباح يوم فض اعتصام رابعة العدوية على أن “سنفض الاعتصام مهما كان الثمن”، كما طالبت المنظمة أيضا بالتحقيق مع محمد التهامي، رئيس المخابرات العامة، و٨  من مساعدي وزير الداخلية، و٣ من قادة الجيش وعدد كبير من القادة المدنيين في الدولة.

واعتمد التقرير في توثيقه الحقائق على المعاينة الميدانية أثناء وعقب الاشتباكات، ومقابلة ٢٠٠ شاهد، من بينهم متظاهرون وأطباء وصحفيون وسكان محليون ومراجعة مقاطع فيديو وبيانات الجهات الرسمية.

اعلان