
فى أوائل التسعينيات لم يكن الفيديو قد انتشر بين الأسر المصرية بعد، لكن خالتى كانت قد اشترت واحدًا. اعتدت قضاء سهرات فى بيتها للإستمتاع بمشاهدة أفلام جديدة على هذا الجهاز الترفيهى الذى لم يمتلك والدى القدرة على شرائه بعد. عندما قمنا بتأجير فيلم مرسيدس (1993) ليسرى نصرالله، قضينا الليلة كلها نضحك. كان الفيلم صعبًا بالنسبة لى ولكنه أضحكنى كثيرا. المشهد الذى يقابل فيه نوبى (زكى فطين عبدالوهاب) عفيفة (يسرا) لأول مرة ويبدأ فى ملاحقتها وهو يصرخ: “ماما.. ماما.. ماما” ما زال يضحكى حتى يومنا هذا.
يقع نوبى فى حب عفيفة الراقصة التى تشبه أمه الارستقراطية وردة، والتى تلعب يسرا دورها أيضا. كانت وردة قد ادخلت ابنها مصحة نفسية خوفا من ميولة الشيوعية. بعد سقوط الإتحاد السوفيتى يخرج نوبى من المصحة ليبدأ رحلة البحث عن أبيه الحقيقى. كلمة السر هى مرسيدس، هكذا يخبره عمه قبل موته بدقائق، فى نفس يوم زفاف العم على رئيفة تاجرة المخدرات.
يعلم المُشاهد منذ المَشاهد الأولى للفيلم أن نوبى ابن دبلوماسى كينى قضت معه وردة ليلة واحدة حملت بعدها ثم ولدت طفلًا أشقر. كان من الطبيعى أن يولد نوبى أبيض اللون بعد أن قامت والدة وردة (تحية كاريوكا) بغسلها بلبن حمير طوال شهور الحمل!
تتوالى الأحداث الغريبة والمتناقضة من بينها اجتماع عائلى غريب وزيارة إلى وكر مخدرات رئيفة، وصولًا إلى قيام البطل بزيارة إلى دار سينما رديئة حيث يقابل بالصدفة أخيه المثلى جمال (مجدى كامل)، وهو ثمر علاقة عابرة بين أمه وعمه بعد موت ابوه بقليل.
فى أوائل التسعينيات، كانت شخصية المثلى جنسيا فى السينما المصرية شديدة الانوثة، تكاد تكون شخصيات كارتونية، يمثلها عادة صبى الراقصة ذو الصوت النسائى والملابس المبهرجة مثل دور محمود الجندى فى فيلم شفيقة ومتولى (1978). بخلاف أفلام يوسف شاهين ـ أستاذ نصرالله ـ مثل اسكندرية كمان وكمان (1990) حدوتة مصرية (1982) والناس والنيل (1972)، نصرالله هو المخرج الوحيد الذى أعطى لهذه الشخصية المظلومة لمحة واقعية. جمال فنان هرب من واقعه البرجوازى المنغلق إلى العشوائيات خارج زحام المدينة وتكلفها ليعيش مع رفيقه، يحب الكرة ويعشق السينما، ببساطة هو انسان.
رئيفة، تاجرة المخدرات والأعضاء البشرية ذات الباروكة البيضاء تعتبر أيضًا شخصية استثنائية بالنسبة لشاشة سينما مطلع التسعينيات. شخصية تاجر المخدرات كانت وقتها شخصية ذات مواصفات محددة، رجل جسور بلا قلب له شارب كبير ويرتدى جلباب، مثل شخصية البهظ التى لعبها جميل راتب فى فيلم المخرج على عبدالخالق “الكيف” (1986). بينما شخصية الأنثى تاجرة المخدرات هى شخصية نادرة في السينما المصرية وربما أي السينما. باستثناء سناء جميل فى فيلم حكمتك يا رب (1976) ومشهدها الشهير وهى تقوم بتخزين الهيروين فى أمعاء جمل مدبوح، رئيفة فى “مرسيدس” تعتبر استثناء واضح لقاعدة.
برع نصرالله فى خلق فيلم جديد وغريب فى وقت لم يكن الجمهور فيه على استعداد للنظر خارج إطار الشاشة الفضية وفهم واقعه.
الفيلم يرصد عالم مصغر داخل عائلة، سقوط الشيوعية، قيام الجماعات الاسلامية، انتصار الرأسمالية، ازدهار تجارة المخدرات والأعضاء البشرية، المثلية الجنسية وكرة القدم، وأحداث جميعها مغلفة بطبقة سميكة من الكوميديا السوداء والغرابة الشديدة.
“مرسيدس” هو فيلم نصرالله الثانى بعد “سرقات صيفية” سنة 1990، والذى كان مستوحى بشكل كبير من واقع عائلته المسيحية، وهى أيضًا أحد العوامل المؤثرة فى “مرسيدس”، فعائلة نوبى عائلة مسيحية غنية. بينما يتخلص نصرالله من جذوره الارستوقراطية في 1999 فى فيلم “المدينة” حيث تعمق فى قلب إحدى ضواحى القاهرة العشوائية الفقيرة من خلال قصة فتى يهرب من واقعه بالهجرة إلى فرنسا بحثًا عن حياة أفضل ولكنه يعود مكسورًا ومهزوما.
زكى فطين عبد الوهاب، ابن الفنانة ليلى مراد والمخرج فطين عبدالوهاب، قدم أول أدواره السينمائية فى “مرسيدس” مما قد يكون ساهم فى التأثير على مستقبله الفنى، بما أن العمل لم ينجح تجاريا. لاحقا، عمل مع أسامة فوزى فى دور صغير فى فيلم “بحب السيما” عام 2004، حيث لم تتألق موهبته التمثيلية الفريدة بالقدر الكافى.
يمكن تلخيص الفيلم فى مشهد واحد قرب النهاية، عندما يقابل نوبى رئيس الحزب الاشتراكى، فيعرض عليه مبلغًا كبيرًا من النقود كتبرع للحزب وللقضية، فيرد السياسى: “هو انت حقيقى عايز تدخل الحزب فى حدوتة فيها شذوذ وقتل ومخدرات وسياسة عليا، ومش بعيد تجارة سلاح وإرهاب.. حدوتة مالهاش أول ولا آخر؟!”، فيرد نوبى قائلًا: “هو ده الواقع، هى دي الحياة”.
مثل الكثير من الجواهر السينمائية، لم يلق فيلم “مرسيدس” نجاحًا تجاريًا كبيرًا وقت عرضه فى دور العرض.
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
أعرف أكتر