ثوب النظام الجديد

في شهر يونيو الماضي انتشرت على السيارات في مصر لافتات مطبوعة على ورق طباعة من الحجم العادي تحمل عبارة: “هل صليت على النبي اليوم؟”.

لم يكن في الأمر ما يسترعي الانتباه، ففي مصر نرى الأدعية والنصائح الدينية بشكل مكثف؛ ملصقات في المصاعد وعلى نوافذ السيارات، وجرافيتي، وعبارات مكتوبة على واجهات المحال، بل وحتى عبارات مكتوبة بالطوب في المباني الجديدة. إلا أن من وراء هذا السؤال المسالم ظل مجهولًا بشكل متعمد، ولعل هذا، بالإضافة إلى الانتشار المفاجىء والسريع للسؤال، هو ما أثار حفيظة المسؤولين.

ولقد صرح وزير الأوقاف قائلًا إن هذا الظهور المفاجئ للمصلق غير طبيعي ويدعو إلى الريبة والشك، وأن وراءه “هدف خبيث”، ويرى الوزير أن ثمة “شيطانًا خلفه“. كما تعهد وزير الداخلية بالقضاء على تلك الظاهرة موضحًا أن الغرض منها قد يكون طائفي، وأن تعليق الملصقات والعلامات على السيارات مخالف للقانون. وبهذا بدأت الحملة لملاحقة ذلك السؤال المزعج. ولقد نشرت جريدة المصري اليوم خبرًا يعرب عن القلق من ظهور ملصق معلق على حائط أكاديمية الشرطة في سجن طرة، حيث عقد العديد من جلسات المحاكمات مؤخرًا.

وفي البرامج الحوارية المسائية وجهت أصابع الاتهام المعتادة إلى الجناة المتعارف عليهم ـ وهم الإخوان المسلمون، ويقال إن بعض أعضاء الجماعة من الشباب قد أعلن مسؤوليته عن الحملة بالفعل ـ ولقنوا الجماهير محاضرة عن الطائفية. لكن من الواضح أن البعض اتخذ تلك الرسالة كوسيلة لنقد السلطة من منطلق أكثر شمولًا وتمردًا.

روى لي صديق عن صديق هذا الحديث الذي دار مع سائق سيارة أجرة:

قال الراكب وقد لاحظ الملصق على نافذة سيارة الأجرة: “انت عارف إن الحكومة هتخليك تشيله، مش كده؟.

السائق: “يا أخي، أنا مسيحي”. (مشيرًا إلى الصليب الموشوم على معصمه).

الراكب: “يبقى ليه…؟”.

السائق: “الحكومة مستقلية بينا. بس هم مش عارفين إن مفيش حد في العالم أعيل مننا؟”.

الراكب: “كفك!”.

لكنّ كثيرين لا يتقبلون مثل هذه التعليقات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. روى لي صديق آخر عن رحلته مع سائق سيارة أجرة كان يعلق ملصق في مواجهة الركاب يحمل عبارة “ممنوع الكلام في السياسة”.

هل تذكرون الأحاديث المرتبكة والمرحة التي كانت تدور في سيارات الأجرة وغيرها في عامي 2011 و2012؟ قد يكون هذا هو التغيير الحقيقي الوحيد الذي حدث؛ الطريقة التي اصطف بها أناس مع كثيرين ممن يشاركونهم الرأي، وعبروا عن أنفسهم وبعضهم البعض. أقول “أناس” وليس “الناس”، لأنه حسب ما علمتنا السنوات الثلاث الأخيرة، يعد تعبير “الناس” بشكل مطلق مفهومًا خياليًا في مخيلة الثوريين والسلطويين. وعلى الأغلب لا يجدر بنا الثقة في أي شخص يستخدم مثل هذه الكلمة. وينطبق ذلك على رئيسنا المرواغ، وجوقة المتزلفين حديثي العهد بالشهرة، الذين ينعّقون كل ليلة في وجوه المشاهدين من فوق منابرهم التليفزيونية.

يحظى النظام الجديد بالكثير من المتواطئين والمؤيدين، وقد اطمئن إلى أن الدولة تعيد ترسيخ سلطته، وأن “الناس” يساندون الدولة بالقدر اللازم من السلبية والصمت. لكن حساسية السلطات الشديدة للمعارضة تكشف عن قلق بالغ. وإلا فما المبرر لتجريم الإشارات باليد وملاحقة المنشورات والتحقيق في الإعلانات المرسلة على الهواتف ومعاملة البرامج الكوميدية على أنها خطر يهدد الأمن القومي؟

إن الحكومة محقة فى قلقها البالغ، فهذا نظام مثل الإمبراطور بطل حكاية هانس كريستيان أندرسون، لا يرتدي أية ثياب. قلعة من الورق مبنية على اعترافات زائفة، ومعجزات علاجية زائفة، ومحاكمات زائفة، وقبضة أمنية زائفة، وعمليات تطهير

وهي محقة في قلقها البالغ أيضًا لأنك عندما تمنع الناس من التعبير عن أنفسهم بحرية يصبح كل ما ينطقون به يحتمل معنيين. فتختبئ الحقيقة وراء النكات والسخرية والاستعارات والتلميحات، في أحاديث هامسة ومتوجسة.

ولقد أصدرت محكمة مصرية مؤخرًا حكمًا يمنح جامعة الأزهر الحق في فصل الطالب الذي قال للمفتي علي جمعة: “حسبي الله ونعم الوكيل، زميلي مات بسببك”. ورغم أن المحكمة أقرت أن عبارة “حسبي الله ونعم الوكيل” ليست سبًا ولا قذفًا، إلا أنها زعمت أن “الطريقة التي وجهت بها” إلى المفتي، من صوت عالٍ ولهجة حادة، تتعارض مع وجوب  احترام الطالب لمعلمه، والذي يمنعه حتى “من مجرد النظر إليه بتبرم أو الإعراض عنه بما يوحى بعدم الرضا”. ويبدو أن المحكمة قد تغاضت كليًا عن القسم الثاني من الجملة الذي حمل اتهامًا مباشرًا بالتواطؤ على القتل.

ومن الآثار المذهلة للفاشية تفريغ كل الكلمات من معناها وإكسابها طابع تهديدي، فنجد الحملات الإعلامية تجردها من كل منطق. ويبقى المتمردون والمؤمنون بالديمقراطية عاجزين بينما تغرق آرائهم وتقاريرهم كالصخر في بحر من الصمت والإنكار. لكن هؤلاء من شأنهم أيضًا أن يشكلوا خطرًا أكبر. ولذا أعلنت وزارة الداخلية مؤخرًا عن مناقصة “منظومة قياس الرأي العام” التي سوف تستخدم “لمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي لرصد التهديدات الأمنية”، أي نظام للتجسس ومراقبة مواقع التواصل الاجتماعي لرصد “الأفكار الهدامة”، ومن أهمها: “ازدراء الأديان والتشكيك فيها، وإثارة النعرات الإقليمية، والدينية، والعرقية، والعقائدية، والطبقية، بالإضافة إلى نشر الشائعات المغرضة، وتحريف الحقائق بسوء نية، وتلفيق التهم، والتشهير والإساءة للسمعة، والسخرية المهينة واللاذعة، والقذف والسب”، كما شملت “استخدام الألفاظ النابية والعبارات الجارحة، والدعوة إلى الخروج على الثوابت المجتمعية، وتشجيع التطرف، والعنف والتمرد، والحشد للتظاهر والاعتصام، والإضراب غير القانوني، والإباحية والانحلال، والفسق والفجور، والتعريف بطرق تصنيع المتفجرات، وبتكتيكات الاعتداء، وإثارة القلاقل وأعمال الشغب، والدعوة للتطبيع مع الأعداء، والالتفاف على استراتيجية الدولة فى هذا الخصوص، وتصيد الزلات، وتتبع العورات، واجتزاء كلام من سياقه للإساءة لمن صرح به، ونشر الخرافات، بالإضافة إلى الادعاء بحدوث معجزات”.

وهكذا يأتي العنف متواريًا بين الكلمات. فكل ما يحدث في مصر الآن من أعمال وحشية لا تخضع للمحاسبة يتم تغليفه بطبقة خادعة من العنف الذهني، في أقصى درجات الاستخفاف بعقول الناس، فتجعلهم يرون أشياء يعلمون أنها غير حقيقية. ويتم التوقيع على تقرير وفاة دون إعطاء السبب الحقيقي للوفاة. وتخضع للمحاكمة بتهمة الاعتداء على أفراد الأمن رغم أن من تم الاعتداء عليه هو أنت. وتعترف بجرائم لم ترتكبها. وإن هؤلاء الذين يتذمرون من رداءة وسخافة الأكاذيب التي تطلقها الحكومة يغفلون عن النقطة الأساسية. فهذا الإهمال الواضح في مخططاتهم متعمد. وهو يحمل رسالة واضحة: نحن من يصنع الحقيقة. إذا لم تتفق معها تذهب إلى السجن، أو يتم وقف برنامجك، أو تموت.

والمشهد الحالي يشبه بشكل كبير رواية “العنف والسخرية” التي كتبها ألبير قصيري عام 1964، والتي يخطط فيها مجموعة من الشباب الفوضويين المترفعين عن العمل لإسقاط الحاكم من خلال الإطراء المبالغ فيه والذي يحمل معنيين (ويكادون ينجحون في ذلك). وفي المقابل هناك جماعة من الإرهابيين الذين يفتقرون إلى حس الدعابة، ويأخذون السلطات على محمل الجد. وفي عنوان الكتاب “العنف والسخرية”، وأصله بالفرنسية “La Violence et la Derision“، نرى البدائل واضحة. وهذا الشبه قريب بشكل مربك، مع استمرار الهجمات الإرهابية وتمسك الإخوان المسلمين بالحرب الدعائية المضادة الطنانة والمثيرة للاشمئزاز، حتى وهم في موقع الضحية.

ولقد بلغت عملية تأليه الرئيس عبدالفتاح السيسي مبلغًا من السخافة يصعب معه فصل الهزل عن الجد. والحقيقة أن الأمر الذي من شأنه تقويض الحكومة الجديدة هو خطابها المفرط في المبالغة، وما تطرحه من مزاعم جامحة وعهود يستحيل الوفاء بها.

ولقد اعتقل مؤخرًا ناشط وتم التحقيق معه بعد أن وقف في ميدان طلعت حرب حاملًا لافتة مكتوب عليها: “انت وعدتنا مش هترفع الدعم وطلعت كداب يا ريس”. ولقد تم التحقيق مع الناشط بتهمة إهانة الرئيس، والتجمهر، والبلطجة، وخرق قانون التظاهر، وقطع الطريق العام. ولا أحد يعلم كيف تمكن من فعل كل هذا وهو واقف بمفرده. ويبدو أن الخطأ الذي ارتكبه هو أنه قد عبر عما يريد قوله بشكل مباشر. إلا أن الطريق الأمثل لقلب النظام حاليًا ـ طبقًا لقصيري ـ هو رفع لافتة تمدح السيد الرئيس كتب عليها: “شكرًا لرفع الدعم يا ريس. من فضلك خد الباقي كمان. احنا ما نستحقهوش ولا نستحقك”.

اعلان
 
 
أرسولا ليندزي