تساؤلات حول محور قناة السويس

رغم الأجواء الاحتفالية التي صاحبت تدشين الرئيس عبدالفتاح السيسي مشروع تنمية محور قناة السويس اليوم، الثلاثاء، إلا أن المشروع طرح العديد من التساؤلات خاصة مع وجود شقين مختلفين به، هو مشروع تنمية محور قناة السويس، وشق ممر ملاحي موازي للممر الحالي.

وفقا لما تم إعلانه اليوم، في احتفالية التدشين بنادي المرشدين الملاحيين بالإسماعيلية، فإن مشروع شق ممر ملاحي موازي لقناة السويس هو الأكثر جاهزية. والغرض من المشروع، وفقا للفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس، هو مضاعفة دخل قناة السويس بنسبة ٢٥٩٪ وتوفير ٢ مليون فرصة عمل، عبر إتاحة ممر ملاحي إضافي يسمح بتحرك السفن في الاتجاهين في نفس الوقت، وتقليص فترة عبور القناة.

ويبلغ طول الممر الملاحي الجديد ٧٢ كيلومترا، ٣٥ كيلومترا منها سيتم حفرها كما سيتم تعميق وتوسيع ٣٧ كيلومترا آخرين بالممر الملاحي القديم.

أما المشروع الثاني، وهو الأضخم، فهو تنمية محور قناة السويس، عبر تحويل المنطقة المحيطة بالممر الملاحي، إلى منطقة خدمات وصناعات تكميلية.

وطرح الفريق مميش في عرضه، أن المشروع يشمل تطوير الموانئ والمناطق الصناعية الموجودة بالفعل، مثل مينائى شرق بورسعيد وغربها، وميناء العريش (تحت الإنشاء) وميناء العين السخنة وميناء الأدبية، وتطوير المنطقة الصناعية شمال غرب خليج السويس، وإنشاء وادي سيليكون للصناعات التكنولوجية بالإسماعيلية.

ومن المفترض أن تقوم عدة صناعات في المنطقة المحيطة بالقناة، منها صناعات البتروكيماويات، وتجميع السيارات، والإلكترونيات، والأخشاب والأثاث، والنسيج، وصناعة وإصلاح السفن، وصناعة وصيانة الحاويات، بالإضافة لمركز خدمي لوجيستي للسفن، فضلا عن الاستزراع السمكي.

ماذا عن التمويل؟

تبلغ تكلفة شق ممر ملاحي موازي لقناة السويس، وفقا لما تم إعلانه، ٤ مليار دولار، بالإضافة إلى ٤.٢ مليار دولار لإنشاء ٦ أنفاق تحت قناة السويس لنقل السيارات والسكة الحديد.

يطرح عمرو عادلي، الباحث الاقتصادي بمعهد كارنيجي، تساؤلا حول تمويل مشروع حفر ممر ملاحي جديد والذي يتطلب ٨.٢ مليار دولار “كيف سيتم توفير هذه المليارات؟ وفقا لموازنة الدولة فلا يوجد اعتماد مالي لها في العام المالي الجديد، وهناك إصرار على مقولة أن هذه القناة سيتم حفرها بأموال وسواعد المصريين، إذن فلن نلجأ للتمويل العربي أو الأجنبي.. فهل معنى هذا أن الجيش سيستمر بشكل مباشر في المشروع؟”.

يستدرك عادلي: “لا نملك معلومات عن حجم الاحتياطات الدولارية التي يمتلكها الجيش، ولكن هناك بعض التقديرات غير المؤكدة تقول أنها ١٢ مليار دولار، فهل سيستثمر منها بشكل مباشر مع خطورة هذا الطرح؟”.

يضيف عادلي: “لن نتحدث هنا عن المشروع الأكبر وهو محور تنمية قناة السويس، لأننا لا نعلم عن تفاصيله أي شيء، وأغلب الظن أن المشروع الأقرب للإنجاز هو الخاص بالممر الملاحي لقناة السويس”.

لم يذكر الفريق مميش اليوم أي تفاصيل عن تكلفة مشروع تنمية محور قناة السويس، أو الجدول الزمني لتنفيذه أو الفترة التي يحتاجها المشروع ليبدأ في تحقيق عائدات للاقتصاد.

٣ سنوات أم سنة واحدة؟

خلال عرض الفريق مميش لتفاصيل المشروع، قاطعه الرئيس السيسي مرتين، الأولى ليطلب منه تخفيض فترة حفر الممر الملاحي الجديد وبناء الأنفاق الستة من ٣ سنوات إلى سنة، والثانية ليقرر أن تمويل المشروع سيكون بالكامل بأموال مصرية، عن طريق البنوك الوطنية والاكتتاب الشعبي بطرح أسهم للمواطنين المصريين داخل البلاد وخارجها.

ولم يوضح الفريق مميش كما لم يعلق أي من الحضور حول كيفية إعادة هيكلة خطة المشروع بشكل كامل لتتوافق مع الإطار الزمني الجديد المطروح من الرئيس السيسي، خاصة فيما يتعلق بتوفير التمويل الكافي في فترة زمنية أقصر، فضلا عن تغير قيمة تكلفة المشروع، وكل التفاصيل التي تحتاج إلى دراسة جديدة.

وشكك عادلي في إمكانية إنهاء المشروع خلال سنة واحدة، إلا أنه يرى أن المشروع يمكن تنفيذه على المدى المتوسط، خاصة أن أعمال تعميق وتوسيع القناة تحدث باستمرار وبشكل دوري.

غياب التشريع الحاكم للمشروع

أعلن اللواء مميش أن شركة قناة السويس في انتظار رأي هيئة مفوضي الدولة بمجلس الدولة في العقد المزمع توقيعه، قبل إعلان اسم الفائز.

وأضاف أن هناك لجنة من ٧ قانونيين تقوم بوضع التشريعات اللازمة لإدارة محور قناة السويس بمساعدة وزارة العدل.

ولم تنشر أي نسخة من العقد، كما لم يُشار إلى أي من تفاصيلها في الاحتفالية التي نُظّمت اليوم، مثلما حدث مع المشروع السابق لتنمية محور قناة السويس، أثناء فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، حيث نشرت الصحف مشروع قانون مقترح، تعرض لانتقادات حادة من الاقتصاديين والمعارضة السياسية وقتها، كما أثار اعتراضات خاصة بالقوات المسلحة كذلك بدعوى أن المشروع بالصيغة المطروحة وقتها يهدد الأمن القومي.

الجيش وتنفيذ المشروع

وخلال الاحتفالية اليوم، شدد الفريق مميش أن تنفيذ مشروع حفر ممر ملاحي موازي لقناة السويس سيتم بواسطة الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بمساعدة ١٧ شركة مصرية مدنية.

أما مشروع تنمية محور قناة السويس فقد تم الانتهاء من إعداد التصور الخاص به وكراسة الشروط، التي تم طرحها في مناقصة شارك فيها ٤٤ تحالف لشركات هندسية، تم تقليصهم إلى ١٤ تحالف، ومن المنتظر إعلان اسم التحالف الفائز منتصف الشهر الجاري، إلا أن مصادر قد صرحت لوكالة أنباء رويترز أن التحالف الفائز يضم الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ودار الهندسة، وهي شركة هندسية عالمية لها العديد من الأفرع في دول مختلفة من بينها السعودية ولبنان ومصر.

وأكمل مميش أن البنية التحتية الخاصة بالمشروع ستقوم بها شركات مصرية فقط، مضيفا أن التحالف الفائز في المناقصة سيضع مخططا تفصيليا للمشروع خلال ٨ أشهر، سيتم بعدها الانتقال لمرحلة التنفيذ.


الدولة والجيش والقطاع العام

“هناك غموض بخصوص السياسات الاقتصادية للدولة”، هذا ما يراه عادلي، شارحا ذلك بأن العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص هي موضع تساؤل الآن.

“لا أعتقد بطبيعة الحال أننا سنعود إلى مرحلة الستينيات حين كانت الدولة الفاعل الرئيسي في الاستثمار بملكيتها المباشرة وإدارتها لأدوات الإنتاج، لكن من الواضح أننا نشهد مرحلة من زيادة دور الدولة في الاستثمار” يقول عادلي.

يعود عادلي إلى مرحلة الثمانينيات والتسعينيات حين بدأ انسحاب الدولة من الاستثمار، “لكن القطاع الخاص لم يغطي هذا التراجع، مما أدى إلى تراجع في التكوين الاقتصادي ككل” يشرح عادلي ليضيف بعدها: “أعتقد أنه في الفريق الاقتصادي المحيط بالسيسي، وأنا هنا أتحدث عن رؤية بدأت منذ حكومة الببلاوي وليس خلال الشهرين الماضيين فحسب، هناك قناعة أن ما ذكرته هو أصل البلاء الاقتصادي في مصر”.

لكن يعود عادلي ليطرح إشكالية جديدة وهي التناقض بين طرح فكرة نصيب أكبر للدولة في الاستثمارات ومحاولة جذب استثمارات عربية وأجنبية، مشيرا أننا نتعامل الآن مع الجيش بصفته مقاولا كبيرا، وما سيخلقه ذلك من توتر مع القطاع الخاص، “يبدو أننا نتجه ناحية أحد نموذج الاقتصاد المختلط”.

يستند هنا عادلي، إلى ما بدا واضحا في حديث السيسي اليوم من إصرار على وجود القوات المسلحة كمكون رئيسي في المشروع، سواء بالتخطيط أو التنفيذ، معللا حديثه بخطورة وأهمية أن يخضع العمل في قناة السويس لمعايير الأمن القومي.

يرى عادلي أننا في هذه المرحلة بصدد مشروعات تحاول تحقيق عائدات سريعة تخفف من حدة الأزمة الاقتصادية، في محاولة لخلق شرعية للنظام الحالي.

“من الواضح أننا نمر بمرحلة طرح مشروعات تحاول إعادة المشروعية للنظام، عن طريق تحريك سريع للاقتصاد، وخلق حالة من البروباجندا لهذه المشروعات، رغم غياب كامل للتفاصيل حول منفذي هذه المشروعات ومصادر تمويلها” يقول عادلي.
 

اعلان