أسئلة وأجوبة حول رفع الدعم عن الوقود
 
 

في لقاء مع عمرو عادلي، الباحث في الشئون الاقتصادية في مؤسسة كارنجي الأمريكية٬ تحدثنا عن قرار الحكومة الأخير برفع أسعار المحروقات كجزء من رفع الدعم عن الوقود، في سياق حزمة من الاجراءات التقشفية التى من شأنها محاولة إخراج مصر من أزمتها المالية. وتلقينا منه عددًا من الإجابات لبعض الأسئلة، والتى ستساعد فى فهم الآثار الناجمة عن قرار الحكومة، سواء على الاقتصاد أو على المواطن المصرى.

■ مدى مصر: دعنا نبدأ بالأرقام، كم تبلغ فاتورة الدعم ونسبتها من الإنفاق العام والناتج المحلي حتي قبل حزمة القرارات الأخيرة الخاصة بخفض دعم الوقود؟ هل هناك نسبة مثالية لهذا الرقم في السياق المصري؟

– عمرو عادلي: ارتفعت حصة دعم الوقود في الموازنة المصرية منذ ٢٠٠٦/٢٠٠٧ تقريبًا، وبلغت نسبًا قياسية منذ ٢٠٠٨ مع تجاوز سعر برميل البرنت ١٠٠ دولار وتحول مصر لمستورد صاف للبترول منذ ٢٠٠٦ على أقل تقدير، وهو ما يعني أن الحكومة المصرية منذ تلك الفترة بدأت في الاعتماد على استيراد مشتقات بترول من الخارج (أو من حصص الشريك الأجنبي العامل في مصر) بأسعار عالمية أو قريبة من العالمية ما انعكس على حجم الدعم المخصص للوقود، ويمكن تقدير فاتورة الدعم ما بين ٢٠٠٨ و٢٠١٢ (كمتوسط حسابي) بـ ٢٠٪ من إجمالي الإنفاق العام وحوالي ٦ إلى ٧٪ من الناتج المحلي، ولا شك أن خُمس الإنفاق العام هي نسبة بالغة الارتفاع بأي مقياس. 

أما عما إذا كانت هناك نسبة مثالية فليست هناك نسبة مثالية في المطلق، بل يجب تقييم برامج الدعم بمنظورين: الأول هو العائد الاقتصادي لتوفير الوقود بسعر منخفض عن تكلفة توفيره، أما الثانى فهو معيار العدالة الاجتماعية. وأعتقد أن برنامج الدعم العيني غير الموجه الذي لا يزال قائمًا في حالة الوقود فى مصر لا يلبي أيًا من الأمرين، فليس له عائد اقتصادي لأنه ببساطة يشجع على التوسع في استهلاك الطاقة خاصة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة في بلد فقير في إنتاج الطاقة، ويعاني بالفعل من أزمة خانقة منعكسة في انقطاعات الكهرباء المتكررة والعجز عن توفير الطاقة للمصانع، إذن فتخفيض أسعار الوقود لم يخدم أهداف ترشيد استخدام الطاقة في مصر، ولم يخدم كذلك البحث عن بدائل للوقود الأحفوري من بترول وغاز طبيعي، وأدى إلى زيادة الاستثمارات في قطاعات كالأسمنت، الأسمدة، الحديد والصلب، والألومنيوم وكلها كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتُصَدَر للخارج معتمدة على سعر الوقود المنخفض رغم عدم توفره كما سبقت الإشارة. أما عن العدالة الاجتماعية فإن المستفيد الأساسي من برامج دعم الطاقة في العالم بأسره هي الفئات الأكثر استهلاكا للطاقة، وهي بطبيعة الحال الفئات الأعلى دخلًا، ومن هنا فإن الدولة في مصر فعليًا كانت توفر الجزء الأكبر من الدعم للشرائح الوسطى والعليا والوسطى العليا بين المستهلكين، وللصناعات كثيفة رأس المال وكثيفة الاستهلاك للطاقة، ولا شك أن هؤلاء لا ينطبق عليهم أي معيار للعدالة الاجتماعية. على أن هذه الحقيقة لا تعني أن رفع أسعار المحروقات وتخفيض الدعم لن ينعكس على الفقراء بل إن المفارقة المأساوية أنه بينما برامج دعم الوقود تفيد الشرائح الأعلى دخلًا فإن تخفيض الدعم ينعكس بالسلب على الفئات الأقل دخلًا بشكل أكبر، لأن الدخول المنخفضة يُخَصص جزء أكبر منها للاستهلاك الأساسي، ومن ثم فإن أية زيادات في الأسعار، مهما كانت صغيرة كقيمة مطلقة، سيكون أثرها السلبي على القدرة على الاستهلاك كبيرا كلما انخفض الدخل الكلي للعائلات والأفراد.

■ مدى مصر: مما وضح في حزمة قرارات رفع أسعار المحروقات مؤخرًا٬ ما هي ملامح خريطة الآثارالتضخمية المتوقعة لهذه القرارات على السلع المختلفة؟

– عمرو عادلي: ليست هناك تصورات واضحة عن الأثر التضخمي، إلا أنه سيكون هناك أثر بلا شك، إذ أن أسعار السولار (الديزل) قد ارتفعت بمقدار يقترب من الضعف، والسولار يشكل نحو ٥٠٪ من فاتورة الدعم، وأكثر من ٨٠ إلى ٨٥٪ من كميات السولار المدعوم تستخدم من قبل قطاعات إنتاجية للسلع والخدمات، ومن هنا فإن رفع سعره سينعكس بالقطع على أسعار العديد من السلع والخدمات وعلى رأسها بالطبع المواصلات الخاصة (الميكروباصات والتاكسي)، إلا أن الأثر التضخمي سيختلف من سلعة إلى أخرى تبعا لنسبة مكونات الطاقة في الإنتاج، فمثلًا المنتظر من أثر على إنتاج سلعة كالأسمنت (الطاقة تمثل أكثر من ٣٠٪ من تكلفة إنتاجها) سيختلف حتما عن السلع الغذائية أو الصناعات منخفضة الاستهلاك للطاقة وهكذا… كما أن الأثر التضخمي العام على الاقتصاد المصري سيتأثر بحالة الركود أو التباطؤ التي تضربه منذ ٢٠١١، فعلى الرغم من أن رفع الأسعار في ظل الركود قد يؤدي لركود تضخمي، إلا أن الركود من ناحية أخرى قد يساعد على امتصاص الصدمة التضخمية نظرًا لضعف الطلب من الأصل. ومن زاوية العدالة الاجتماعية فإن الأثر التضخمي على الفئات الأقل دخلا يتصل بالسلع والخدمات التي يمكن اعتبارها أساسية لهؤلاء خاصة السلع الغذائية والمواصلات، وقد سعت الحكومة لاستيعاب هذا من خلال توسيع قاعدة السلع الخاضعة للدعم الغذائي، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كانت هذه الإجراءات ستكون كافية أم لا، في ضوء غياب أية إجراءات أخرى معلنة لتعويض الفئات الأشد فقرا أو الأقل دخلا في ظل غياب أي شبكة للضمان الاجتماعي.

■ مدى مصر: من واقع ما تم رفع سعره بالفعل٬ ما تقديرك للفئات التي ستتأثر بشكل أكبر من هذه التغييرات سواء من الارتفاع المباشر في أسعار السلع البترولية أو ما يترتب عليه من ارتفاع في أسعار سلع مختلفة؟

– عمرو عادلي: ينبغي أولًا الفصل بين أمرين: الفئات التي سيقع عليها أكبر عبء من الناحية المطلقة، والفئات التي سيقع عليها العبء الأكبر من الناحية النسبية. أما الفئات الأولى فهي الفئات الأعلى دخلًا أو أصحاب الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، فمن المنتظر أن يتكبد هؤلاء الجزء الأكبر من الخسارة كقيمة مطلقة من جراء رفع أسعار الغاز الطبيعي أو البنزين (٩٢ و٩٥ خاصة) أو الكهرباء.. إلا أنه كما سبقت الإشارة فإن الفئات الأقل دخلا في مصر تخصص الجزء الأكبر من دخلها الشهري للاستهلاك المباشر للسلع الأساسية، ومن هنا فبالرغم من أن هذه الفئات قد تتحمل أقل الأعباء من الناحية المطلقة (كعدد جنيهات في كل سلعة أو خدمة) إلا أنها قد تكون الأشد تضررا من الناحية النسبية لضآلة دخولها. وعلاوة على الفئات الأشد فقرا فإن من المتضررين كذلك الشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة كمستهلكي بنزين ٨٠ و٩٠ على سبيل المثال، فهؤلاء ليسوا تحت خط الفقر ولكن من المنتظر أن تتضرر قدرتهم على الاستهلاك كثيرا مع ارتفاع الأسعار، خاصة وأن دخولهم ثابتة في هيئة أجور ورواتب ويواجهون بالفعل مشكلة ارتفاع الأسعار بمعدلات أعلى من دخولهم. 

■ مدى مصر: يتحدث الحقوقيون عن ضمانات اجتماعية لم تطرح بمصاحبة رفع أسعار المحروقات. هل يمكنك تقديم أمثلة لتلك الضمانات؟ وهل يمكن التحدث عن ضبط أسعار السلع مثلا؟ أو تطوير منظومة المواصلات؟

– عمرو عادلي: برنامج دعم الوقود في مصر برنامج دعم عيني غير موجه يقوم على توفير السلع بأثمان منخفضة بغض النظر عن المستفيد، وعليه فإن الحكومة تقول إنه برنامج غير عادل علاوة على كونه غير فعال اقتصاديا ومكلف ماليا، وبالتالى تتحدث الحكومة من منطق إعادة هيكلة الدعم لا إلغاؤه بمعنى إعادة توجهيه لمستحقيه، ومن هنا يكون الكلام عن وجود شبكة ضمان اجتماعي تعوض الخاسرين وتتدارك الآثار السلبية على الفئات الأكثر عرضة للضرر، ويكون هذا من خلال سياسات لإعادة توزيع الدخل كإعانات الفئات الأكثر تهميشا على أسس جغرافية (الريف أو الصعيد مثلا) أو جندرية (النساء المعيلات على سبيل المثال) أو المعاقين أو العاطلين بالإضافة لخدمات الرعاية الصحية للجميع. وتعاني مصر من ضعف شبكة الضمان الاجتماعي وعدم شمولها، إذ أن هناك الملايين من المصريين غير مشمولين بأي شكل من أشكال الضمان، وقد كان الحديث في بعض الآونة عن إعادة توجيه جزء من المبالغ التي سيتم توفيرها من تخفيض الدعم على هيئة دعم نقدي مباشر، إلا أن أيًا من هذا لم يحدث في هذه المرحلة على الأقل. أما الحديث عن ضبط الأسعار فإن الدولة ليس لها الحق في فرض تسعيرة على الموزعين أو المنتجين، كون مصر دولة تتبع اقتصاد السوق علاوة على هذا فإن فرض سعر جبري سيولد سوقا سوداء، وهناك أدوات أخرى لتخفيض الأسعار كطرح وزارة التموين بشكل مباشر لسلع أساسية بأسعار مخفضة تجبر التجار الآخرين على تخفيض الأسعار أو على الأقل بما يوفر بدائل للفئات الأفقر، أو فتح باب الاستيراد لتخفيض أسعار سلع كالأسمنت والحديد والأسمدة من المتوقع أن يسعى المنتجون فيها إلى تحويل العبء من جراء رفع سعر الوقود إلى المستهلك النهائي رغم تمتعهم بهوامش أرباح مرتفعة، وفي حالة المواصلات كان بوسع الحكومة صرف كوبونات مخفضة للتاكسي والميكروباصات، خاصة وأن كل هذه السيارات مرخصة ومن السهل تحديد مبالغ دعم سنوي معينة على الرخص ولكن الحكومة لم تختر فعل أي شئ. ويمكن القول عامة أنه على الرغم من خطابها الطويل العريض عن الرغبة في تعويض الفقراء وحماية محدودي الدخل فإن الحكومة لم تفعل شيئا يُذكر في هذه المرحلة، وأن الدافع الرئيسي لتخفيض الدعم كان هدفا ماليا بحتا وهو توفير مبالغ مالية لتخفيض العجز الكلي في الموازنة.

■ مدى مصر: في مقالك الأخير في «الشروق» تحدثت عن ثنائية الركود الاقتصادي وأزمة مالية الدولة، وفكرة أن التوجه الحالي لا يخدم القضيتين في آن واحد. هل تشرح لنا هذه الثنائية وكيفية علاجها؟

– عمرو عادلي: بالطبع فإن مصر تعاني من مشكلات متداخلة ولكنها ليست متطابقة.. فالمشكلة الأكبر الآن هي أن الاقتصاد المصري ينمو بمعدلات منخفضة للغاية منذ ٢٠١١ نتيجة للاضطراب السياسي وربما الأزمة المالية العالمية خاصة في أوروبا، ومن هنا فإن المشكلة الرئيسية الكلية هي إعادة رفع معدلات النمو وزيادة معدلات التشغيل لتخفيض البطالة ورفع معدل الاستثمار، ولكن الدولة لديها مشكلة أخرى متمثلة في عجز تجاوز ١٣٪ من الناتج المحلي وانعكس على دين عام اقترب من ٩٣٪ من الناتج على أقل تقدير، يمثل ضغطا شديدا على الجهاز المصرفي مع تحول الحكومة لأكبر مقترض بما يسببه هذا من رفع لسعر الفائدة وتقليل الموارد المتاحة للائتمان عند القطاع الخاص الإنتاجي ومن ثم المزيد من تخفيض الاستثمار. ومن هنا فإن المشكلة الثانية الخاصة بمالية الدولة تستوجب إجراءات تقشفية لتخفيض العجز وتخفيض الدين العام في بحر السنوات الخمس القادمة، وقد شرعت الحكومة في هذا بالفعل بزيادة الإيرادات الضريبية وتخفيض الإنفاق بخفض الدعم خاصة.. ولكن إجراءات التقشف تؤدي حتما لخفض الطلب الحكومي، والطلب الحكومي جزء رئيسي من الطلب الكلي في الاقتصاد، ومن ثم فإن إجراءات التقشف عادة ما تتماشي مع تعميق للركود والمزيد من خفض النمو والتشغيل، وهو ما يتناقض مع كل مخططات النظام السياسي الجديد في رفع معدلات النمو، ولكن الحكومة في تصوري تسعى لتدارك الآثار الانكماشية لإجراءات خفض العجز من خلال توجيه التدفقات الرأسمالية الخليجية المنتظرة إلى جوانب استثمارية بدلا من الاستمرار في دعم موازنة الدولة (تلقت الدولة ١٧ مليار دولار في السنة الماضية وحدها) وتأمل الحكومة أن تؤدي هذه التدفقات الاستثمارية إلى تعويض انخفاض الاستهلاك والاستثمار الحكومي.

■ مدى مصر: تحدثت في أحد تعليقاتك عن تصور سامر سليمان لتحول عميق في الدولة المصرية من دولة ريعية لدولة ضريبية والتفكك المصاحب للدولة الأبوية. هل تري أن هذا التفكك حتمي بارتباطه بتغيير المنظومة الاقتصادية، أم يمكننا توقع تكتيكات سياسية من شأنها الحفاظ على أساس السلطة في منطقها الأبوي، كالخطاب الشعبوي مثلا؟

– عمرو عادلي: كان طرح سامر سليمان في كتابه أن الصيرورة العامة للتحولات السياسية والاقتصادية في مصر منذ التسعينيات هي تحول مصر إلى دولة ضريبية من كونها دولة ريعية، بمعنى أن الدولة سيزداد اعتمادها على تحصيل الضرائب على الاقتصاد الذي أصبح الجزء الأكبر منه خاصًا لا يخضع لملكيتها أو إدارتها، وذلك مع انخفاض المصادر الريعية التقليدية كعائدات قناة السويس وعائد بيع البترول والغاز والمعونات الأجنبية كنسبة من الناتج المحلي، ويرى سامر أن التحول لفرض المزيد من الضرائب يعني ببساطة تفكيك أبوية الدولة وسلطويتها لأنها ستصبح معتمدة اقتصاديا على شرائح اجتماعية بذاتها وهو ما يفتح باب المساءلة السياسية والتمثيل السياسي على أساس المثال الأمريكي الشهير “لا ضرائب بلا تمثيل سياسي” وعلى أساس التفسير الاقتصادي للديمقراطية بأنها قد تماشت بالاعتماد المتزايد من الملوك على شعوبهم في صورة ضرائب وفي صورة قروض … وقد تكون هذه هي الصيرورة بالفعل فالدولة في مصر حتى بعد صعود عبدالفتاح السيسي لسدة الرئاسة لا تزال غير قادرة على إعادة بناء السلطوية مرة أخرى ولكن هذا لا يعود فحسب لأسباب اقتصادية إنما له علاقة بأسباب سياسية وثقافية أخرى، كلها مع بعضها تشكل صعوبات عدة في طريق إعادة بناء نظام سلطوي قادر على حكم وإدارة البلاد.

اعلان
 
 
لينا عطاالله