حلول بديلة لتخفيض عجز الموازنة

أفصحت الحكومة الأولى في عهد الرئيس السيسي عن ملامح سياساتها الاقتصادية في مشروع موازنة 2014/2015 الصادر في نهاية يونيو الماضي. وقد أشار مشروع الموازنة إلى ارتفاع العجز المالي المتوقع عن 2013/2014 إلى %12 والدين العام إلى %94 مقارنة بمتوسط عجز %8 ومتوسط دين %80-85 من الدخل القومي في 2008-2011. وقد أشارت الموازنة إلى سيناريوهين، أولهما أساسي يقضي بارتفاع العجز إلى %14.5في العام المالي 2014/2015 ثم تدريجيا إلى %16في 2018في ظل السياسات الإقتصادية القائمة. أما السيناريو الثاني فإصلاحي ويقضي بتخفيض العجز إلى %10 وتثبيته عند هذا الحد لمدة ثلاث سنوات، شرط اتخاذ قرارات إقتصادية تمس أسعار الوقود والضرائب. ويلاحظ اتساع الفجوة في تقدير حجم العجز بين المسارين الأساسي والإصلاحي لـ 4.5 نقط مئوية، ما يعادل 108 مليار جنيه، وهو هامش واسع للحركة يرجح أن العجز الفعلي سيستقر بين المسارين حسب طبيعة القرارات الإقتصادية ومدى استيعاب الشارع لها.

****

وقد ساهمت ثلاثة عوامل في ارتفاع عجز الموازنة بمقدار النصف خلال 2011-2014. العامل الأول هو تباطؤ نمو الإيرادات الضريبية على دخول الموظفين والشركات – خاصة العاملة في قطاع البترول – بالإضافة إلى تباطؤ حصيلة ضريبة المبيعات بسبب انكماش الاقتصاد خلال 2011. العامل الثاني هو ارتفاع فاتورة سداد فوائد الدين العام بمقدار الربع بسبب انفلات أسعار الفائدة علي أذون الخزانة ما بعد ثورة يناير. أما العامل الثالث فهو ارتفاع فاتورة الأجور إلى أكثر من ربع الإنفاق العام مع اقرار زيادات متوالية في العلاوات والحد الأدني للأجور وبعض الكادرات الخاصة.

ويعتبر المستوي الحالي لعجز الموازنة شديد الخطورة، لإرتفاعه عن نسب العجز في البلدان المقارنة ذات الدخل المتوسط – المنخفض، مما يضعف ثقة الموردين والمقرضين في قدرة الدولة على سداد ديونها، ويؤدي إلى إحجامهم عن توريدها بالسلع والأموال اللازمة لتدوير الاقتصاد. كما يؤدي العجز إلى عواقب سلبية، مثل اهمال الإستثمارات في البشر والبنية التحتية ما يقلل مستوى خدمات التعليم والصحة والمرافق. ويؤدي العجز أيضًا إلى مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص على التمويل المصرفي مما يضعف الإستثمار. كما أن العجز المرتفع يُرّحل ديونا تساوي حجم الاقتصاد المصرى تقريبا إلى الأجيال القادمة، ما يحرم هذه الأجيال من مستوى المعيشة الذي نتمتع به اليوم.

ويعد تخفيض عجز الموازنة لمستويات معقولة حتميا بسبب استحقاقات داخلية وخارجية. فداخليا تنص المواد 18-21 من دستور 2014 على تخصيص نسب تتراوح بين %2-4 من الدخل القومي للتعليم والصحة والبحث العلمي كما تنص المادة 238 على الانتقال تدريجيا إلى هذه النسب بحلول 2016/2017.، هذا يتطلب توفير 80 مليار جنيه على الأقل سنويا من عجز الموازنة لتلبية الالتزامات الدستورية. أما خارجيا فهناك اشارات واضحة أن المساعدات الخليجية تستهدف تحفيز الحكومة على إجراء اصلاحات مالية واسعة تقلل العجز المالي، بدلا من الإعتماد على هذه المساعدات لا نهائيا. وذلك انعكس على انخفاض بند المنح بمقدار ثلاثة أضعاف كنسبة من الايرادات العامة في موازنة 2014/2015، علاوة على المتابعة الدقيقة التي يوليها الجانب الإمارتي لخطط توظيف المساعدات المالية.

****

ولكن ما هي فرص تخفيض عجز الموازنة؟ وما هي المصادر المرجحة لهذا الخفض؟

يعد المصدر الأول لعلاج عجز الموازنة هو زيادة الإيرادات الضريبية. وقد أقر مشروع موازنة 2014/2015 اصلاحات ضريبية متزامنة تستهدف أصحاب الدخول العليا والأرباح الرأسمالية وتوزيعات الأسهم والثروة العقارية. لكن الملاحظ هو المبالغة في تقدير حصيلة بعض الاصلاحات، منها ضريبة المهن الحرة التي توقعت الحكومة زيادتها بثلاثة أضعاف إلى 3 مليار جنيه دون تغيير في سعر الضريبة أو توسيع جذري في قاعدة الممولين. كما يلاحظ المبالغة في تقدير حصيلة ضرائب المباني بمقدار 10 أضعاف العام السابق، علما أن قانون الضريبة العقارية يدخل حيز التنفيذ لأول مرة في 2014. وتعد الضريبة العقارية خطوة أولى على طريق رصد وتقنين الثروات، لكن يجب أن تكتمل بإيجاد معاملة ضريبية عادلة للأراضي الفضاء غير المستغلة، تضمن حسن إدارة هذا المورد المحدود وتساهم في زيادة الإيرادات الضريبية. المفتاح الثاني لزيادة الضرائب على الممتلكات هو فهم أنماط الإدخار لدى عموم المصريين، وأهمها الاعتماد على الذهب في تأسيس الأسرة والحفاظ على قيمة الأموال. وهنا يمكن التفكير في تعديل ضريبة الدمغة على الذهب من 5 جنيه للجرام حاليا إلى رقم مناسب ينعش إيرادات الخزانة العامة من ناحية، ويرشِّد الإنفاق المبالغ فيه أحيانا على شبكات العرائس، علما أن عدد عقود الزواج بلغ 922 ألف في 2012، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، ما يقترن بإنفاق عالي على المشغولات الذهبية. وفيما يتعلق بالضرائب غير المباشرة لم توضح الحكومة الأثر المتوقع من استبدال ضريبة المبيعات بضريبة القيمة المضافة، خاصة فيما يتعلق بسعر الضريبة وقائمة السلع المعفاة والمؤثرة علي الفقراء.

وبخلاف الضرائب والمنح هناك فرصة لمحاصرة عجز الموازنة من خلال زيادة الإيرادات غير الضريبية التي تساهم بـ %25 من الإجمالي. ويوجد مصدران غير تقليديان للإيرادات غير الضريبية لم تدرسهما الحكومة بشكل كافي. المصدر الأول هو الرسوم السيادية على دخول ومغادرة البلاد، إذ تفرض الدولة رسم مغادرة قيمته 5 دولار على المسافرين جوًا، مقارنة بـ 5 – 7 أضعاف هذا الرقم في دول متوسطة الدخل مثل اندونيسيا والفلبين و10 أضعافه في أستراليا. والمطروح هو رفع هذا الرسم لـ 20 دولار مع تطبيقه على المغادرة والوصول ما قد يدر حصيلة قدرها 4.0 – 4.5 مليار جنيه أي %0.7 من الإيرادات العامة، علمًا أن عدد المسافرين عبر المطارات المصرية تخطى 30 مليون مسافر في 2013. وتساوي الحصيلة المتوقعة من هذا الرسم حصيلة ضريبة توزيعات الأسهم تقريبا. كما أن قيمة الرسم المقترح غير مؤثرة على سعر التذكرة ويمكن تحصيلها من شركات الطيران نيابة عن المسافرين بسهولة نسبية. أما المصدر الثاني لتحسين الإيرادات غير الضريبية فهو بيع بعض الأصول العامة التي يمكن أن يديرها القطاع الخاص تحت إشراف الدولة دون احتكار أو تحميل أعباء اضافية علي المواطنين. علي أن هذه الأصول يجب أن تكون مميزة وذات قيمة مرتفعة حتي يمكن توزيع الأثر المالي من بيعها على 3 – 4 سنوات ما يساهم في تقليل العجز تدريجيا. ومن الأصول المرشحة في هذا الإطار: رخص الإتصالات وقطع الأراضي الكبيرة وحصص ملكية في البنوك العامة ومعمل ميدور للتكرير الذي يعد الأكثر تطورا والأعلى ربحية في الشرق الأوسط بقيمة تقديرية 30 – 35 مليار جنيه، ما قد يجذب مستثمرين عرب ويخفف من عجز الموازنة.

****

لكن علاج عجز الموازنة لن يكتمل دون النظر إلى النصف الآخر من العملة وهو ترشيد الإنفاق العام. والأفضل أن يأتي الترشيد من مصادر متنوعة بدلًا من التركيز على رفع دعم الطاقة الذي يعد مصدرا أساسيا لكن ليس وحيدا لظبط الإنفاق. وبعكس التوجه الحالي للحكومة فضبط الانفاق كان لا بد أن يبدأ من بند فوائد الدين العام، الذي يمثل ربع الإجمالي من خلال تخفيض سعر الفائدة بـ %1-2 بالتنسيق بين البنك المركزي والحكومة. وميزة استهداف فوائد الدين قبل الدعم هو تقليل الأثر التضخمي لأن القاعدة السكانية للمتعاملين مع البنوك أصغر كثيرا من القاعدة التي ستتأثر برفع الدعم عن الوقود وما يصاحبه من ارتفاع عشوائي في أسعار السلع الأساسية خاصة النقل والغذاء.

أما بند الدعم فحسنا أن رفعت الحكومة أسعار البنزين وغاز المصانع بنسب تتراوح بين %40-80 لكن مطلوب استمرار هذا التوجه حتي تحقق هيئة البترول هوامش ربح جيدة من تسعير هذه المنتجات التي تساهم بأقل من خمس دعم الطاقة، شرط توجيه الربح المحقق إلى دعم سلع أخري ماسة بالفقراء مثل السولار. وبالتزامن مع ذلك فهناك ضرورة لمراجعة دعم السولار الذي يمثل %40-50 من دعم الطاقة لأن سعره بعد التعديل ما زال عند 0.19 يورو للتر، ما يعادل ثلث سعره في دول ذات مستوى دخل قريب من مصر مثل المغرب والأردن، ونصف سعره في تونس. هذا بالإضافة الي أن سعر السولار في مصر يقارب دول غنية بالبترول مثل قطر والكويت وتركمنستان والإكوادور، رغم محدودية مواردنا من خام البترول.

أما دعم الغذاء، الذي يساهم بأقل من سدس فاتورة الدعم، فقد سعت معظم الاجتهادات إلى ترشيده من خلال تطبيق منظومة جديدة لتوزيع الخبز. لكن هناك فرصة أخرى لترشيد هذا البند من خلال مراجعة الدعم على الزيت التمويني الذي يبلغ 6.2  مليار جنيه أي %20 من فاتورة دعم الغذاء و%4 من فاتورة الدعم السلعي. وجدير بالدراسة مراجعة تسعير الزيت التمويني بشكل يدفع ربات المنازل إلى تقليل استهلاك الدهون في الطهي وتفضيل بدائل صحية. وتخفيض دعم الزيت سيكون أقل ضررا بالفقراء من المساس بدعم الخبز والسكر الذين يعدوا سلعًا أكثر حيوية في النظام الغذائي لعموم المصريين. ولتعويض الآثر السلبي لرفع الدعم عن السلع الأساسية علي الحكومة توسيع شبكة الحماية الإجتماعية للفقراء عبر معاش الضمان الإجتماعي الذي تضاعفت مخصصاته إلى 10.7 مليار جنيه أي %1.4 من إجمالي الإنفاق العام في الموازنة الجديدة بهدف زيادة عدد المستفيدين بمقدار النصف إلى 2.3 مليون أسرة. وتقتضي العدالة الاجتماعية توسيع هذا البرنامج من حيث التغطية وقيمة المعاش بعد استيعاب آثار الزيادة في الأسعار حتى يشعر الفقراء بالعائد المادي من قرارات رفع الدعم خلال عامين على الأكثر. كما أن الحكومة معنية بتعويض الفقراء عبر مد مظلة التأمين الصحي للفئات غير المستفيدة مثل الفلاحين وعمال المعمار، علاوة على زيادة مساهمة الحكومة في اشتراكات التأمين حيث تدفع 12 جنيه سنويا فقط عن كل طفل وهو الرقم الذي تم تثبيته من 1992 دون ربط بالزيادة المستمرة في الأسعار أو تكلفة الخدمة الطبية.

ورغم أن بندي فوائد الدين والدعم أكثر قابلية للتخفيض مقارنة ببنود الإنفاق الأخرى فمن الضروري مراجعة مكونات بند الأجور الذي يستحوذ على أكثر من ربع الإنفاق العام. ورغم أن هامش الحركة محدود تحت هذا البند فعلى الحكومة التفكير في أسلوب عملي لتقنين المكافأت التي تساهم بـ %41 من فاتورة الأجور وأبرزها التعويض عن جهود غير عادية وحوافز الإثابة والعاملين بكوادر خاصة.

ويتيح بند الاستثمارات الحكومية فرصة كبيرة لتنشيط معدلات النمو والتشغيل. تستحوذ الاستثمارات على %9  من إجمالي الإنفاق لكن هذا البند يعاني من بطء تنفيذ المشروعات رغم إتاحة التمويل الخليجي في النصف الثاني من 2013. والمطروح ليس خفضا في قيمة الاستثمارات بل إيجاد صيغة تنفيذية سريعة عبر إسناد هذه المشروعات إلى الهيئات الخدمية أو الصناديق المحلية الخاصة لتخطي العقبات البيروقراطية فيما يتعلق بالتأشير والصرف والمتابعة. وهذا يستدعي مراجعة توزيع الاستثمارات في الموازنة الجديدة التي كلفت المحليات بتنفيذ %11 من الاستثمارات فقط مقابل % 47 إلى الجهاز الإداري، وهي نسبة يجب تخفيضها لصالح الهيئات ذات القدرات التنفيذية العالية مثل شركات المقاولات العامة وأجهزة القوات المسلحة. أما البندان المتبقيان فهما شراء السلع والخدمات والدفاع ويمثلان مجتمعان أقل من %10 من الإنفاق العام، ما يجعل هامش التخفيض فيهما محدودا لمجاراة الزيادة الطبيعية في متطلبات الصيانة والتموين والإعاشة.

****

لا خلاف على ضرورة تخفيض عجز الموازنة بعدما وصل إلى مستوى خطير يعوق حركة الاستيراد والاستثمار، كما يخصم من حقوق الأجيال القادمة في مستوى معيشة لائق. لكن الخلاف يدور حول كيفية تخفيض العجز وأولويات الإنفاق وسبل تعويض الفقراء عن الآثار السلبية لرفع الدعم. ورغم أن الحكومة اتّبعت منهجا متوازنا يستهدف توزيع عبء العجز على حزمة متنوعة من الضرائب والسلع المدعومة، فالمرجح أن تحقق وفورات مالية أكبر – من ناحية الإيرادات – إذا فرضت ضرائب على الأراضي الفضاء ومبيعات الذهب والرسوم السيادية، ووفورات أكبر – من ناحية الإنفاق – إذا خفضت سعر الفائدة وراجعت سعر السولار دوريا.

والتحدي أمام الصدمات المتزامنة في هيكلي الإيرادات والنفقات لن يكون في مدى قبول الناس لها، لأن ردود الفعل الأولية تشير إلى استعداد الشارع للتكيف تدريجيا. لكن التحدي يكمن في مدى قبول الناس للموجة التضخمية التي ستعقب القرارات الجديدة. ولتخفيف إنفلات الأسعار الذي أعقب رفع دعم الوقود يمكن التعلم من التجربة الإيرانية التي قامت فيها الحكومة برفع أسعار الوقود لكنها بالغت في تعويض الناس، إذ وزعت معاشا شهريا يساوي ربع متوسط إنفاق الفرد على جميع المواطنين ما أدي الي نتيجة عكسية حيث ارتفع معدل الأسعار إلى %40 أي ضعف مستواه التاريخي. لذا علي الحكومة المصرية تهدئة الأسعار واستيعاب الوفر في الموازنة نقدا في الشهور القادمة قبل طرح شبكة أمان اجتماعي واسعة تحقق للفقراء مكاسب سريعة في الربع الأخير من 2014/2015.

نعم هناك فرصة سانحة لتخفيض عجز الموازنة وفي ظل مناخ سياسي مواتي. لكن هذا التخفيض سيكون بلا معني إن لم تشعر الطبقات الأفقر بالعائد منه سريعا في التعليم والصحة وكذلك في استقرار الأسعار.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن