مصطفى حسين، وذكر محاسن الموتى

BJk5L8sCEAE_ou4.gif.png

صدمة رهيبة تلقيتها عندما رأيت هذا الكاريكاتير المحتفي بحسني مبارك في العام ٢٠٠٧ علي الأرشيف الإليكتروني لجريدة «الأهرام»، غول الصحافة المصرية المملوك للدولة. صلاح چاهين، رجل نهضة الستينات، الشاعر، السيناريست، الممثل، رسّام الكاريكاتير، المفكّر، المحارب من أجل الحرّيات والمدافع عن حقوق المرأة، وفارس تحديث ما بعد الحداثة، والحرية وقوة الثورة، قوة الشعب. الرجل الذي أردت أن أكون رسّاماً مثله.

كنت صغيراً جداً عندما تعرّفت علي چاهين. كاريكاتيراته الإجتماعية الخفيفة المنشورة في مجلة «علاء الدين» للأطفال (أحد مطبوعات مؤسسة الأهرام) كانت ذكية للغاية. قدرته السحرية علي التقاط تفاصيل من الثقافة المصرية – أشكال الناس، طريقة لبسهم، وحديثهم – جعلت كاريكاتيره مذهلاً.

بسبب تلك الجواهر الصغيرة المطبوعة في أُطر برتقالية دائرية برّاقة في «علاء الدين»، سألت والدي الناصري: ما هذا؟ وشرح لي أن: “هذا إسمه كاريكاتير”. شرح لي والدي أيضاً أن الكاريكاتير فن مهم جداً لأنه رسوم ذات رأي، حاد وجرئ وقليل الأدب. يسخر مما لا تجب السخرية منه، ويعلو بالحديث عما يتجاهل الجميع الحديث عنه. والدي الناصري أيضاً وضّح أهمية إستثنائية لكاريكاتير صلاح چاهين، واحد من كبار عشاق ناصر وثورة ١٩٥٢ التي مكنت والدي وإخوته وأخواته الفقراء من الذهاب للجامعة.

بعد هذه المحادثة مع والدي الناصري بسنين قليلة نما إلي علمي أنّه في الوقت الذي كان والدي وعمّاتي يستطيعون الذهاب إلي الجامعة، كان الكثيرون لا يستطيعون الخروج من منازلهم أصلاً إما لأنهم تحت الإقامة الجبرية، أو لأنهم مسجونون، أو لأنهم أضطروا لمغادرة البلاد لأن لديهم آراء تتعارض مع آراء جمال عبدالناصر، وآراء صلاح چاهين. ولكنني ظللت مؤمناً أن كاريزما ناصر وعدالة قضيته كانت كفيلة بإعماء بصيرة چاهين عن الطغيان الذي مارسه نظام ناصر.

حتي معارضي ناصر وسياساته لم يقدروا علي مقاومة سحره الشخصي. رسام الكاريكاتير الراحل، والكاتب ومصمم الجرافيك الرائد محي الدين اللباد (١٩٤٠-٢٠١٠) حكى لي عن كيف أنه إختلف مع سياسات ناصر كثيراً، كان قلقاً بسبب إختفاء الحريات في عصره، وكان مستاءً جداً عندما أجبرته الشرطة علي الوقوف علي جانب الطريق بينما يمر موكب الرئيس العائد من المطار مع ضيف من ضيوفه. كان واقفاً علي الرصيف تحت الشمس اللافحة يسب ويلعن في الشعبوية الزائفة وثقافة القطيع، حتي مرّت سيارة ناصر ولفت الرئيس رأسه وحدّق في عيني محي الدين اللباد ولوّح له بيده.

“لقيتني بأتنطط زي الأهبل وبأصرّخ زي العيل الصغير: ناصر! ناصر!”، قال اللباد.

يمكنني أن أتفهم كيف لمراهق مثل چاهين بدأ حياته، ومشواره الفني وفلسفته في الحياة في عمر السابعة عشر عام ١٩٤٧، مقتحماً السنوات الأولي من عشريناته في عام ١٩٥٢ بينما ترسي ثورة يوليو دعائمها، أن يتأثر بقوة بأفكار ضابط جيش شاب من الصعيد زعق يوماً ما علي الراديو: “إرفع رأسك يا أخي، إنتهي عصر الإستعباد”. عندما توضع قيّم مثل الديموقراطية، حرّية الإختيار والتعبير، وحقوق الإنسان في منافسة مع الوطنية، حب مصر الأم، والكرامة والفداء، يكون من الصعب جداً إقامة مناقشة مفيدة.

لكن السلسلة الأكبر من الصدمات التي حرّكها هذا الكاريكاتير كانت عندما نقّبت في أرشيف كاريكاتير صلاح چاهين علي موقع الأهرام الإليكتروني بعدما رأيت هذا الكاريكاتير – تقلّص هذا الأرشيف الآن ليعرض ما لا يزيد عن دستة من الرسوم فقط – لأري نوع الكاريكاتير الذي كان چاهين يقدّمه بعد ناصر. چاهين، الرجل الذي حكت أغانيه قصة الثورة، الذي نظّر لنسخة ناصر من الإشتراكية، وحشد لحروبه المضحكة شباب المجنّدين خالقاً في أذهانهم صورة العدو الإسرائيلي عبر كل تشبيه ممكن، فجأة، يدافع عن إتفاقية سلام السادات المنبطحة للغاية التي أغضبت مصر بأكملها، حتي هؤلاء الذين كانوا علي مقربة دوماً من النظام.

إتفاقية غيّرت وجه تأثير مصر السياسي علي المنطقة بالكامل، خانقة أي آمال لزعامة إقليمية أو تقارب فكري أو مؤدلج في العالم العربي. لم يدافع عنها چاهين فقط، بل هاجم بضراوة تكاد تصل للخسّة كل من عارضها، سواء أصحاب رأي، أو مواقف رسمية من دول متورّطة في النزاع، أو حتي القيادة الفلسطينية، ثم ورّط نفسه بعد ذلك في عملية ساداتية طويلة من تغيير المزاج العام في مصر بعيداً عن القضية الفلسطينية، بتعبير أدق غسل مصر يدها من القضية تماماً.

بينما تتصفح الأرشيف، تري كيف أن قرب چاهين من النظام حوّله ببطء من ذلك الحب النقي الطفولي والإيمان الأعمي بخطاب ناصر الشعبوي العاطفي، إلي منطقة رمادية كئيبة من إختلاق الأعذار الدائم لقرارات سياسية شديدة الإشكالية. رسم مؤيداً لتنصيب رؤساء غير ديموقراطيين، ثم رسم مدافعاً عن هؤلاء الزعماء ضد من يعارضهم، ثم إنتهي به الحال كمنطقة آمنة تفصل بين شرعية هؤلاء الزعماء وشعوبهم. الرجل الذي إشترك في تفاصيل شديدة القذارة من الحكم أمسي معذباً بين الفنان الساذج بداخله الطامح نحو مستقبل سحري لأناس بسطاء، وبين ما كان بشكل براجماتيٍ متاح أو ممكن التحقيق.

بعد مروره بأزمة إكتئابٍ حادة منذ هزيمة ١٩٦٧، أنهى چاهين حياته في ١٩٨٦ بروحٍ يثقلها الذنب، الفشل، والأحلام المهزومة والتخبط الكبير. رغم ذلك عاش الرجل حياةٍ يحسده عليها الكثيرون، نُصب في مواقع محترمة مثل رئيس تحرير المجلة الإجتماعية المؤثرة في ذلك الوقت «صباح الخير». وكتب مئات الأغاني والقصائد والنصوص السينمائية والتليفزيونية، كسب الكثير من المال وكانت لديه علاقات مع أهم الناس في البلد.

طفل صغير في شمال الدلتا، يقرأ مجلة ويستمع إلي أب ناصري في ١٩٩٥، لم يعرف شيئاً عن چاهين سوى حبه المذهل للبلد وناسها الفقراء وموهبته الخارقة وعبقريته. لم يريني التلفاز أخطاءه تماماً كما لم يريني أخطاء أي أحد لديه القوة، أو كانت لديه القوة في يوم من الأيام.

منذ أيام قلائل، سرت شائعة بوفاة رسّام «أخبار اليوم» الشهير مصطفي حسين. فنان في عامه الـ ٧٩، خدم ثانِ أكبر غول للصحافة المصرية منذ العام ١٩٧٤. إنتشر الخبر وإشتعلت شبكات التواصل الإجتماعية.

الرسام العجوز، الذي إشتهر بإستثماراته في مجال السياحة، إكتسب شهرة مؤخراً بين الشباب خارج عينة متابعيه التقليدية من قراء الصحافة الحكومية الكلاسيكيين. ليس لأن أسلوبه أصبح فجأة طازجاً للغاية وحديث، ولا لأن أفكاره عكست حكمة وإستيعاب للتغيرات الثقافية في عصر ما بعد ثورة الإتصالات.
 

ker11.jpg

كما هو واضح، حسين هو رجل لا يشتهر بحبه لحرية التعبير. السبب وراء إنتشار كاريكاتيراته علي الإنترنت هو أن الناس كانوا يسخرون من دعمه الفاضح للنظام أيّا كان رأسه، والرؤوس تغيرت كثيراً وبسرعة في السنوات القليلة الماضية.

إحتكر حسين سوق الكاريكاتير تقريباً بالكامل خلال سنوات السبعينات والثمانينات والتسعينات العجاف. حتي شقت حرية التعبير طريقها عبر نظام مبارك المتكلس مفسحة المجال لأصوات أصغر وآراء ومشاعر مختلفة.

كاريكاتيراته، التي كتب حواراتها ووضع أفكارها “الكاتب الساخر” (الذي لا أعرف كيف حصل علي تلك التسمية) أحمد رجب، وظفت قوة الكاريكاتير في خدمة رسالة شديدة الإنحراف: حرية التعبير هي السخرية من رئيس الوزراء. نقطة.

حسين، الذي لمع كرسّام، مصمم أغلفة كتب وفنان بورتريه، نادراً ما كانت لديه الحذاقة الكافية للإتيان بأفكار مثيرة للإهتمام. لذلك كان تعاونه مع أحمد رجب ضرورياً. أبدى حسين إهتماماً واضحاً برسم أجساد النساء العارية. إشتركت رسومه في ثقافة فيها أجساد النساء مجرد أشياء موجودة للإستهلاك، كانت زيجات بين نساء ذوات أجساد تجارية مبالغ فيها ورجال عاجزين جنسياً مصدر إلهام دائم له.

مؤخراً – ربما لأنه يتقدّم في العمر، أو لأنه وأحمد رجب لم يتواصلا منذ فترة طويلة – بدأ حسين يعتمد على نفسه أكثر في توصيل معتقداته وأفكاره للعالم الخارجي من خلال كاريكاتيره.
 

1020131091552.jpg

الحب غير المفسّر أو حتي المأدلج لرجال الدولة وحقهم في حكمها بالطريقة التي تحلو لهم بدأ يأخذ منحىً هيستيريًا. الكثيرون رسموا مصر علي هيئة إمرأة تربطها برئيس الدولة علاقة مريبة، بغض النظر عما في ذلك من عنصرية مريضة وضيق أفق سياسي، لكن، لم يرسم أحد مصر ويدها في هذا المكان المريب من قبل.

لماذا لا يموت أولاد الوسخة؟

المرة الأولي التي قرأت فيها هذه الجملة كانت قبل ثورة ٢٥ يناير بشهور قليلة، كانت مكتوبة على حائط في وسط المدينة في القاهرة، التقط أحدهم صورة لها وإنتشرت على الإنترنت بالطبع. لا أذكر إن كان هذا بعد عودة مبارك من مستشفى هايدلبرج بألمانيا بعد إحدى محاولاته الفاشلة للموت، ولكنها كانت مرتبطة وبقوة بموته الذي لم يحدث أبداً.

هناك احترام كبير للموت في هذا البلد المتدين للغاية. (مطلوب التأكد من صحة المعلومة السابقة)، حديث شريف شهير يأمر الناس بذكر محاسن موتاهم، فالنزاعات والعداوات إلي زوال بالموت، الناس يختفون من الحياة ويفقدون القدرة علي الدفاع عن أنفسهم وتبرئة ساحاتهم، لذا عليك أن تحمي سمعة الميت، وترقى بنفسك عن شهوة نهش الجثث المتوفاة.

ولكن، لو مات مبارك والقليل من الأشرار، ربما انصلحت الأحوال – كان هذا سقف طموحنا السياسي في تلك اللحظة! – بعد شهور قليلة قامت الثورة ومات الكثيرون، معظم الوقت من الجانب الخطأ. شابات وشباب أبرياء فقدوا حياتهم لأنهم كانوا يتظاهرون ويطالبون بما يظنون أنهم مستحقوه. وظلت قلوب السياسيين الصدئة تخفق. صار للسؤال عندها غرض أكثر عمقاً ووجودية، متحدياً المنطق، العدل وحتي الحكمة أو الدرس من وراء الصراع. إذا كان الشر دائماً يفوز، والطبيعة قادرة دائماً علي معاقبة الأخيار بالموت، لماذا لا نكون جميعاً أشراراً؟

ليس من الموضوعية طبعاً أن نسمي الأشياء خيراً مطلقاً أو شراً مطلقاً وكأنه فيلم لديزني، ولكننا نتحدث عن غريزة أساسية للبقاء، نوع البقاء الذي حصل عليه بشر مثل مصطفي حسين، صلاح چاهين وحسني مبارك، كان بقاءًا مملوئاً دائماً بمتع الحياة التي نالوها عبر رحلة من الإختيار، رحلة لم تتضمن تلقي رصاصة في العين في عمر الواحد والعشرين.

أنا متأكد من أن مصطفي حسين، الذي كان خبر موته إشاعة، والذي هو مستلق الآن على فراش في مستشفي أمريكية باهظة التكاليف، مؤكد كانت لديه اختيارات صعبة في حياته، وفعل ما كان يظنّه صواباً، مما عاد عليه بشهرة، مال، وحرية التعبير عن آراءه التي كانت معظم الوقت للأسف متعلقة بالنساء المتزوجات من رجال يكبرونهن سناً. حرية التعبير ذاتها المحروم منها معظم المصريين.

فور انتشار خبر وفاته، كثير من الآراء، غالباً مدفوعة بمشاعر الفروسية، كٌتبت علي صفحات الإنترنت عن كيف أن اختلاف المرء مع آراء مصطفي حسين السياسية المتحيزة البشعة، لا يتعارض مع الإعتراف بمساهمته الكبيرة في إثراء فن الكاريكاتير المصري والفن التشكيلي عموماً عبر سنوات إنتاجه الطويلة. رسائل تقدير للأثر الكبير الذي تركه في رسامين شباب كثر (سيئين للغاية). بُعثت هذه الرسائل الجميلة إلي روحه اللعوب المتظاهرة بالموت.

لا مشكلة لدى إطلاقاً في التفسيرات المختلفة لدي كل فرد لمعنى الشهامة والشرف. ولكن في رأيي، ذكر محاسن مصطفى حسين متوفيًا، وكم كانت جميلة البورتريهات التي رسمها للوزراء ورجال الدولة، أو عبدالله كمال واحترافيته الصحفية التي استخدمها لشيطنة والتشهير بأعداء النظام، الذي حافظ علي دفاعه عنه حتى بعد ثورة ٢٥ يناير (يا للشجاعة) أو حتي صلاح چاهين، هي مجرد إهدار لموضوعية لا محل لها ولا حاجة لها، ومساهمة في خلق أيقونات أبوية صناعية مملة لا يوجد في هذه البلد أكثر منها.

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن