“زيادة الأسعار”.. غضب ولكن..
 
 

في الثامن من يونيو، اجتمع آلاف المصريين في شوارع وسط البلد بالقاهرة لاستقبال عهد جديد في يوم تنصيب الرئيس عبدالفتاح السيسي. كان المزاج العام سعيدًا وإحتفاليًا مع إشادة الناس بالإدارة الجديدة، وشعورهم بالتفاؤل بما ستقدمه.

بعد أقل من شهر أعلنت الحكومة – التي أطلقت عليها الصحف المملوكة للدولة اسم حكومة الفقراء ـ أنها سوف ترفع الدعم عن الوقود، مما ينذر بارتفاع الأسعار فى جميع أنحاء البلاد. نفس شوارع وسط البلد يملؤها الآن التوتر ويخيم عليها شعور بالهزيمة، مع صوت خافت للأغنية الوطنية «بشرة خير» يأتى من دراجة بخارية.

يملأ طارق الدمرداش سيارته (فيات 127 زرقاء اللون) بالبنزين. وبعد شد وجذب بسيط مع موظف محطة الوقود، اسقط كتفيه في هزيمة وهو يسلمه المال ويركب سيارته. 

يقول الدمرداش: “أقود 127 محطمة وقذرة، وملأتها الآن ببنزين قيمته 26 جنيه. أليس أطفالي أولى بهذه الـ26 جنيه؟”.

بقدر ما تؤثر الأسعار الجديدة عليه وعلى أسرته، يقول الدمرداش أن الموضوع أصبح مبتذلًا للغاية، وأنه أصبح مرهقًا من الحديث عنه لأنه يعلم أن شيئًا لن يتغير. “سيبها على الله”.. يقولها بينما يقود سيارته نحو المرور المزدحم.

في يناير 1977، أعلن الرئيس الراحل أنور السادات أنه سوف يرفع الدعم على الأرز، الدقيق، وزيت الطبخ. في اليوم التالي نظم الآلاف مظاهرات عنيفة في جميع أنحاء البلاد، أدت إلى مقتل حوالي 80 شخص وإصابة أكثر من 500 آخرين. نتيجة لذلك، ألغت الحكومة إصلاحتها الاقتصادية على الفور، بعد 48 ساعة فقط من الإعلان عنها.

ما عرفت باسم «انتفاضة الخبز» منعت الحكومات اللاحقة من الاقتراب من موضوع الدعم؛ خوفًا من اندلاع عنف آخر.

بعد حوالي 40 عام، نفذت الحكومة، تحت قيادة قائد عسكري منتخب حديثًا، إعادة هيكلة واسعة لدعم المنتجات البترولية، وكان رد الفعل ضعيفًا. وعدا بضعة احتجاجات بسيطة ضد أسعار الوقود الجديدة، قادها بشكل رئيسي سائقو التاكسى، مر القرار المثير للجدل بلا مشكلات.

يقول أستاذ علم الإجتماع السياسي سعيد صادق: «إن حقيقة إفلات السيسي بهذا الموضوع حتى الآن هامة للغاية».

ويؤمن صادق أن هناك عددًا من العناصر أدت إلى رد الفعل هذا، أو إلى عدم وجوده. فوفقًا لصادق مهد السيسي الطريق لزيادة الأسعار عبر التبرع بنصف مرتبه الرئاسي للدولة، وعلاوة على ذلك، لا يمتلك كل من السيسي ورئيس الوزراء إبراهيم محلب تاريخًا معروفًا من الفساد. كما ساعد دعم الإعلام والمثقفين الداعمين للنظام أيضًا في نشر تقارير إيجابية فيما يخص رفع الدعم.

بالإضافة إلى ذلك، يقول صادق إن توقيت رفع الأسعار له أهمية، فهو في شهر رمضان، وفي منتصف صيف حار، والجامعات في أجازة، ولم يعد لجماعة الإخوان المسلمين تأثيرًا واسعًا، مما يعني أن المظاهرات التي تحدث ليست منظمة بشكل جيد وليس لها تأثير على الصعيد الوطني.

ويرى صادق أنه “لن يكون هناك ثورة ثالثة”، موضحًا أن الشعب متهالك، وأن الفقراء غير قادرين على الدخول فى إضرابات لفترة طويلة من الوقت؛ لأنهم ببساطة لا يمكنهم تحملها في هذه المرحلة.

إذا فعلت الأسعار الجديدة أي شيء، فربما هو تغيير نظرة الناس للحكومة، التي وثقوا فيها في البداية لتحسين رفاهيتهم.

تقول أماني سيف: “لم أعتقد أن الحكومة ستقوم بذلك، وحتى إن كانوا سيقومون به فليس الآن. امنحونا شهرين ليبدأ الناس العمل مجددًا”.

تضيف سيف أن كل من زوجها وابنها عاطلين عن العمل، مما يشكل جهدًا زائدًا على أسرتهم، موضحة: “يجب علينا الآن خفض استهلاك جميع احتياجاتنا الأساسية”.

كان سيكون من الأفضل لسيف وأسرتها إذا قام مجلس الوزراء بتأجيل القرار إلى ما بعد شهر رمضان، بدلا من جعلهم غير قادرين على الاستمتاع بأجواء الشهر. تقول: “العيد قادم، لن تتمكن من شراء ملابس جديدة للعيد. يجب عليك أن تتخلى عن هذا، ماذا بإمكانك أن تفعل غير ذلك؟.

صوتت سيف لصالح السيسي في الإنتخابات الرئاسية، وتقول إنها لا تزال غير نادمة على قرارها. في معظم الأحيان، اختبأ الرئيس وراء حكومته عند الكشف عن الإصلاحات الاقتصادية الجديدة، حتى ألقى كلمة مشحونة بالعواطف في 7 يوليو، بمناسبة ذكرى العاشر من رمضان لحرب 1973.

في كلمته، تحدث السيسي مع المصريين بالعامية، وطلب منهم ابتلاع «الدواء المر» لرفع الأسعار من أجل مستقبل مصر.

أدت الكلمة دورها في استمالة الرأي العام، كما اتضح في مقالات سليمان جودة في صحيفة المصري اليوم الخاصة. كتب جودة يوم الإثنين 7 يوليو مقالًا سأل فيه عن أسباب اختفاء الرئيس السيسي عن العامة في الخمسة أيام الماضية بعد إعلان أسعار الوقود الجديدة. «لقد قامت الحكومة، في هذا السياق، بواجبها وزيادة.. ولكن حديث الرئيس شىء آخر تماماً، وكان سيؤدى، لو أنه تم، إلى تأثير لدى الغالبية مغاير ومختلف كل الاختلاف». قال جودة.

ولكن، بعد يومين احتفل جودة بكلمة السيسي، وكتب في عموده يوم 9 يوليو «جاءت كلمة مرتجلة، عفوية، وتلقائية، ولم تكن مكتوبة فى ورقة أمامه، وأظن أنها لهذا السبب كانت واصلة إلى أعماق كل مصرى استمع إليه، فللرئيس طريقة خاصة فى الكلام المرتجل مع الناس».

ولكن البعض لا يزال لديه توقعات أعلى للرئيس المنتخب شعبيًا.

إيهاب ثروت، سائق ميكروباص تأثر بزيادة الأسعار بشكل مباشر وغير مباشر، يقول إنه على الرغم من حديث الحكومة عن رفع دعم الطاقة في الأشهر القليلة الماضية، إلا أنه تصور أن الأمور ستصبح مختلفة بعد انتخاب السيسي. “سمعنا عنه منذ فترة، ولكن ظننا أن هذا سيكون مستحيلًا، وقلنا أنه عندما يتولى الرئيس السلطة سوف يعيد كل شيء لما كان عليه قبل ثورة 2011”. يقول إيهاب.

ومع رفع الدعم، ارتفع سعر السولار 64%، فبدلا من بيعه بـ 1.10 جنيه للتر الواحد أصبح الآن سعره 1.80 جنيه. ومن ثم، فبدلًا من دفع 22 جنيه لكل 25 لتر من السولار، يدفع ثروت الآن 45 جنيه.

ومع ذلك، أُجبر على زيادة أجرته 25 قرش فقط؛ نظرًا للتدابير الحكومية الصارمة للحفاظ على ارتفاع أسعار السوق تحت السيطرة، من خلال التهديد بمعاقبة أولئك الذين يتخطون زيادة الأسعار المقررة.

ومع وجود زوجة وطفلين، يقول ثروت إنه تأثر مثل الركاب بخفض الدعم. وتكافح زوجته عند شراء بقالتهم..«البطاطس الشيء الأقل تكلفة.. وجبة الفقراء.. الكيلو أصبح بـ 7 جنيه».

يشكو سائق الميكروباص من أنه على الرغم من قول الحكومة إنها ستجد حلول للفقراء في مصر، إلا انها تثبت عكس ذلك. “لن يقدموا المساعدة. قالوا إنهم سيوفروا وظائف جديدة للناس، ولكن لم يعمل أحد حتى الآن”.. يقول ثروت.

لسوء حظ ثروت و26% من المصريين، يعيشون تحت خط الفقر، يقول صادق أن الفقراء نادرًا ما يشكلون أهمية فى السياسة

وفقًا لصادق، فإن السيسي لديه شعبية في المكان الأهم (مع التحالف الحاكم لمؤيدي 30 يونيو من الطبقة العليا، والطبقة الوسطى، وطبقة الحضر، وفئة رجال الأعمال). يقول صادق: “التمتع بالشعبية عند الضعفاء والفقراء ليس ضروريًا، السياسة هي توازن القوى”.

قال السيسي للمصريين في كلمته 8 يوليو: “كان من السهل عدم زيادة الأسعار الآن للحفاظ على شعبيتي، ولكن بذلك كنت سأخون ثقتكم في إنقاذ البلاد”.

في الغالب، يتحمل الناس، سواء أملاً فى مستقبل أفضل، أو لأنهم فقدوا إرادتهم فى القتال.

وحتى بالنسبة لسائقي التاكسى، الذين كانوا في طليعة المعركة ضد الأسعار الجديدة وشنوا عددًا من الاحتجاجات المتناثرة، لكن معظم غضبهم هدأ بعد الزيادة المعتمدة في تعريفة الركوب من 2.5 جنيه لتصبح 3 جنيه، و1.40 جنيه للكيلومتر الواحد بدلاً من 1.25.

مدحت، سائق تاكسي، يقول إنه حاليًا يواجه مشكلات فقط عندما يُجبر الناس على الدفع وفقًا للنظام الجديد.

يقول: “لا يريدون الدفع، ويبدأون دائمًا فى الاشتباك معي، سيأخذ الأمر بعض الوقت ولكنه سيمر.. سيعتاد الناس عليه”.

يوافقه صادق: “يقف الناس في محطات الوقود، ويلعنون الحكومة، ولكن في نهاية اليوم سوف يدفعون الزيادة”.

اعلان
 
 
بسنت ربيع