الأزمات الهيكلية التي أصبحت ملحة

كشفت سنوات الاضطراب السياسي التي تلت ثورة يناير ٢٠١١؛ الكثير من العورات الهيكلية التي كان يعاني منها الاقتصاد المصري، سواء في الاختلالات المالية المتمثلة في عجز متزايد في الموازنة وارتفاع مستمر في الدين العام (المحلي بالأساس) منذ نهاية التسعينيات، أو في ضعف تنافسية الاقتصاد عالميًا واستمرار اعتماده على الريع المتحقق من بيع الطاقة الرخيصة، رغم عدم وفرتها كما اتضح بعد قليل في أزمة الطاقة العنيفة التي تمر بها البلاد، وكذا الاعتماد المفرط على قطاعات شديدة التأثر بالظروف السياسية الداخلية والإقليمية كالسياحة والاستثمارات الأجنبية في غير قطاعات الطاقة وتحويلات العاملين بالخارج.

وقد كانت نتيجة هذا؛ أنه مع الاضطراب السياسي المستمر منذ يناير ٢٠١١ وحتى اليوم، وما تمخض عنه من انخفاض في معدل النمو السنوي إلى حالة قريبة من الركود[1]؛ فإن الكثير من هذه الأزمات الهيكلية والمزمنة سرعان ما تحولت إلى أزمات ملحة وضاغطة خصوصًا في شقين رئيسيين؛ الأول منهما: هو مالية الدولة العامة وارتفاع معدلات العجز في الموازنة إلى نحو ١٢ ـ ١٣٪ من الناتج طبقًا لتقديرات وزير المالية الحالي، وهي معدلات تقترب من تلك التي كانت سائدة في نهاية الثمانينيات قبل تبني مصر برنامج التثبيت والتحول الهيكلي في ١٩٩٠/١٩٩١، وانعكاس هذا على الدين العام الذي ما فتئ يرتفع حتى تجاوز ٩٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي في أكثر التقديرات تحفظًا، على نحو يضع ضغوطًا شديدة على القطاع المصرفي لشراء سندات وأذون الخزانة.

وأما الشق الثاني للأزمة؛ فهو المتمثل في الاحتياطيات الأجنبية التي انخفضت من ٣٥ مليارًا في فبراير ٢٠١١ إلى ١٥ مليارًا في ديسمبر ٢٠١٢، ثم ارتفعت بشكلٍ طفيف إلى ١٦ ـ ١٧ مليارًا رغم تدفق عشرات المليارات من الدولارات الخليجية، سواء تلك القادمة من قطر في عهد الإخوان القصير، أو القادمة من السعودية والإمارات بعد الإطاحة بمرسي في يوليو ٢٠١٣. وقد انخفضت الاحتياطيات بشكل مستمر نتيجة انخفاض عوائد السياحة وهروب الاستثمارات الأجنبية مع الثبات النسبي لعائد قناة السويس وتراجع الصادرات بشكل طفيف.

وفي المحصلة النهائية؛ أضحت الحكومة منذ ديسمبر ٢٠١٢ عاجزة عن توفير ما تحتاجه من الموارد الدولارية لتوفير حاجة البلاد الأساسية من واردات النفط، مع تحول مصر إلى مستورد صاف للبترول في ٢٠٠٦ ومستورد صاف للطاقة في ٢٠١٢، ومع اللجوء للتمويل الأجنبي للمصروفات الجارية؛ أصبحت البلاد تحصل على قروض أو منح أو مساعدات عينية تقدر بنحو ملياري دولار شهريًا تذهب مباشرة لتمويل الإنفاق الجاري أي بلا عائد ينتظر في المستقبل، ومع استمرار تراجع القطاعات المولدة للنقد الأجنبي وغياب مؤشرات التعافي الاقتصادي واستعادة النمو؛ فلا شك أن هناك أسئلة عدة حول استدامة المساعدات الخليجية على المدى المتوسط، والبدائل المتوفرة للحكومة المصرية في حال انخفاض هذه المساعدات مع عجزها عن توفير الواردات الأساسية من الطاقة، خصوصًا أن نذر أزمة توليد الكهرباء وتوزيع المحروقات قد بدأت في الظهور.

محوران رئيسيان للنقاش الخاص بالسياسات الاقتصادية

استنادًا لما سبق إيراده من توصيف مختصر للأزمة الاقتصادية بأبعادها المالية والنقدية في أعقاب ثورة يناير؛ فإنه بالإمكان الحديث عن محورين رئيسيين يدور فيهما النقاش حول الاقتصاد والسياسات العامة والبدائل المتاحة في اللحظة الراهنة: المحور الأول ينشغل بالاقتصاد في المدى المباشر، بوضع أولوية التعافي الاقتصادي، أي رفع معدل النمو والتشغيل وكسر دورة الركود كعنوان للسياسات العامة، ويدور هذا الطرح حول استعادة ثقة المستثمرين المحليين والأجانب على المدى المتوسط مع الاعتماد على حزم تحفيزية تضخها الحكومة بأموال من الشركاء الخليجيين (الإمارات بالأخص)؛ لرفع الطلب الحكومي وتدوير عجلة الإنتاج بما يرفع معدل النمو ويخلق فرص عمل، ولا يمر هذا النقاش مرور الكرام على مالية الدولة؛ إذ يقع في مركزه النقاش حول أفضل الطرق لتخفيض عجز الموازنة العامة للدولة من خلال تخفيض دعم الطاقة البالغ نحو ٢٠٪ من الإنفاق الجاري، وعلى الرغم من وجود مساحة واسعة من الاتفاق بين الاقتصاديين عن اليمين وعن اليسار على حد سواء، حول أن دعم الطاقة بشكله الحالي غير قابل للاستمرار ماليًا، وأنه لا يحقق العدالة الاجتماعية ولا يسهم في دعم تنافسية الاقتصاد المصري؛ فإن هناك خلافًا حول تفاصيل إزالته في ضوء الآثار الاجتماعية والسياسية التي قد تترتب على تخفيضه، وليس هناك متسع للخوض في تفاصيل هذا الجدل، إلا أنه يمكن القول إن هناك تفهمًا واسعًا في ضوء أزمة الدولة المالية، وأزمة الطاقة، وتفاقم وضع الميزان التجاري، على أنه لا مناص من تحرير أسعار المحروقات كأفضل وسيلة لخفض العجز، وبالتالي السيطرة على النمو المنفلت في الدين العام وما يمثله من ضغط شديد على الجهاز المصرفي، يحول دون التوسع في الائتمان لأغراض استثمارية للقطاع الخاص تحديدًا أو حتى للقطاع الحكومي مع غلبة المصروفات الجارية على هيكل الإنفاق العام (يصل إجمالي أبواب المصروفات الجارية من أجور وخدمة دين ودعم إلى ٧٥ ـ ٨٠٪ من الإنفاق العام في مصر).

وينظر في هذا السياق إلى استعادة النمو الاقتصادي باعتباره حجر الزاوية في استراتيجية كسر الحلقة المفرغة التي يدور فيها الاقتصاد المصري منذ ٢٠١١؛ لأن ارتفاع معدلات النمو من شأنه أن يخلق فرص عمل من ناحية، وأن يوفر المناخ المطلوب لعلاج اختلالات المالية العامة من ناحية أخرى، سواء من خلال إزالة الدعم أو زيادة إيرادات الدولة الضريبية، وأن معاودة ارتفاع النمو هو الكفيل بإرسال العلامات الكفيلة بإدخال الاقتصاد لحلقة إيجابية من جذب الاستثمارات المحلية وربما الأجنبية على المدى المتوسط، وبالتالي إعادة بناء الاحتياطيات الأجنبية، وتخفيض العجز في ميزان المدفوعات والتخلي عن الاعتمادية المفرطة على معونات الخليج.

مع حدة الأزمات الاقتصادية التي يعانيها الاقتصاد المصري، ومع هشاشة الوضع السياسي؛ فإنه من الصعب ألا يتفق الجميع على أن التعافي الاقتصادي أو إدارة عجلة الإنتاج ـ كما يحلو للأطراف الحكومية تسميته ـ هو الأولوية على المدى المباشر، وإن كان الاختلاف ينسحب على احتواء الآثار الاجتماعية السلبية لقضايا كهيكلة الإنفاق العام، وعن دور الدولة في مقابل القطاع الخاص في زيادة الاستثمارات الكلية اللازمة لرفع التشغيل ومعدلات النمو الاقتصادي، على أن هذا المحور يظل مشغولًا بقضايا الاقتصاد الكلي في المقام الأول، ومنصبًا على المدى المباشر والمتوسط، ويغيب عنه تمامًا الأسئلة الخاصة بإعادة هيكلة الاقتصاد ذاته بعد ثورة يناير، وإعادة تعريف النموذج الاقتصادي في مصر؛ إذ يكون أكثر شرعية من الناحيتين السياسية والاجتماعية، وأن يعبر عن مطالب العدالة الاجتماعية التي رفعتها فئات عريضة من الجمهور المصري، خصوصًا الشرائح الشابة التي لم تر في نموذج مبارك أنه كان ناجحًا أو عادلًا رغم ما كان يسجله من معدل نمو مرتفع نسبيًا (متوسط ٦٪ سنويًا ما بين ٢٠٠٤ و٢٠١١)، ورغم نجاحه في زيادة نصيب مصر من الاستثمارات الأجنبية، وزيادة الصادرات.

ومن هنا؛ يمكن القول إن الدوائر السياسية والاقتصادية والإعلامية التي تتوقف عند التعافي الاقتصادي باعتباره غاية المراد من رب العباد تعكس أجندة محافظة للغاية، وربما معادية لثورة يناير أو على الأقل لا ترى لمطالب العدالة الاجتماعية أساسًا أو فرصة للتحقق؛ إذ إن هؤلاء يرون أن إعادة إنتاج نموذج مبارك بانحيازاته الاجتماعية والاقتصادية كفيل بإنقاذ البلاد من أزمتها المالية والاقتصادية الحالية، ويتناقض هذا تمامًا مع الموقف الآخر الذي يضم شرائح سياسية إصلاحية وأخرى ثورية لا ترى إمكانية للعودة لنظام مبارك إلا بإعادة إنتاج الأزمة ذاتها التي قضت عليه، ويرى الفريق الآخر أن إعادة تعريف النموذج الاقتصادي في السنوات المقبلة في مصر مسألة حياة أو موت ـ لا فحسب ـ لتدعيم شرعية النظام الآخذ في التشكل برعاية الجيش بعد التخلص من الإخوان المسلمين؛ وإنما لضمان استمرار شرعية الدولة المصرية بعدما اهتزت بشدة في آخر عقد من حكم مبارك على نحو انفجر في يناير ٢٠١١، ليعبر عن مطالب الملايين من المستبعدين سياسيًا واقتصاديًا على حدٍ سواء، ولا يخفى على هؤلاء أن ٣٠ يونيو تمثل فرصة أخيرة وليس شيكا على بياض للجيش وممثلي جهاز الدولة المصرية لإدخال التعديلات والإصلاحات اللازمة لترميم ما أصاب الدولة في مصر من جراء نموذج تنموي إقصائي يعاني من اختلالات عميقة وذات أثر اجتماعي وسياسي مدمر في هيكله الإنتاجي والتوزيعي. وينقلنا هذا إلى المحور الثاني من النقاش العام الدائر حول الاقتصاد والسياسات الاقتصادية.

المحور الثاني: إعادة تعريف النموذج التنموي المصري

تنقلنا الفقرة السابقة من ضيق فنيات الاقتصاد والمالية العامة، إلى رحاب السياسة على نحو ينبه بجلاء إلى أن الخيارات الاقتصادية وبدائل السياسات العامة لا تنشأ أو تطبق في فراغ، بل في سياق سياسي شديد الحضور والتأثير، ومما لا شك فيه أن السياسة خصوصًا ظرف إعادة تأسيس السلطة السياسية بعد سقوط مبارك؛ هي الحاضر الغائب في جميع خيارات الدولة الاقتصادية، سواء تلك الخاصة بالمحور الأول أو بالمحور الثاني من النقاش العام، ذلك أن بناء شرعية النظام التالي على سقوط مبارك يبدو المهيمن على أداء كل من خلفه، بدءًا من المجلس العسكري الأول مرورًا بحكم الإخوان القصير وانتهاءً بالحكم العسكري في طوره الثاني، وصعود عبد الفتاح السيسي لسدة الرئاسة، الذي أنهي المرحلة الانتقالية الطويلة، ليبدأ في أول إجراءات بناء شرعية نظام سياسي قابل للبقاء في مواجهة سيولة اجتماعية عنيفة أثبتت حضورها في ٣٠ يونيو في مواجهة الإخوان، وما من ضامن أن تغيب عن المشهد بالكامل من دون تعديلات جوهرية على النظامين السياسي والاقتصادي، بما يتيح استيعاب الحركة الاحتجاجية والفئات الميّالة للانخراط بها في مواجهة السلطة.

يقودنا المحور الثاني للنقاش إلى إعادة تعريف النموذج التنموي الاقتصادي في مصر بعد ثورة يناير، وهي مهمة شديدة الصعوبة لا على مستوى التنفيذ فحسب، وإنما على مستوى الأفكار والطرح كذلك إذ إن ثورة يناير لم تغادر قط طورها الاحتجاجي تارة ضد العسكر وتارة أخرى ضد الإخوان، ولا يمكن الحديث بأي حال من الأحوال لا عن وجود تنظيم يمثل الثورة، ولا بالقطع عن طرح أو مشروع سياسي اقتصادي للثورة، أينعم.. هناك مفردات كالعدالة الاجتماعية والحرية والعيش والكرامة وغيرها تنم عن محتوى يساري وربما حتى ديمقراطي اجتماعي لا يزال حاضرًا بشكل أو بآخر، إلا أنه مما لا ريب فيه أن السنوات الثلاث الماضية لم تؤدِ إلى صياغة أي خطاب سياسي يمثل الثورة، ناهيك عن مشروع للوصول للسلطة، وهو ما أتاح الفرصة مرارَا وتكرارَا لقوى محافظة وربما حتى رجعية كي تلبس مسوح الثورة وتتحدث باسمها سواء الإخوان أو المؤسسة العسكرية.

لم تكن تظاهرات ٣٠ يونيو ضد حكم الإخوان المسلمين فحسب، بل إنها حملت تحركًا شعبيًا واسعًا بأدوات الثورة ضد السياسة ذاتها وضد المجال السياسي الذي نشأ عن ثورة يناير، ومع استدعاء الجيش للمشهد كي يمثل “إرادة الشعب” في مواجهة الإخوان؛ بات واضحًا أن تغييرًا ثوريًا لتعديل النظامين السياسي والاقتصادي لن يحدث؛ خصوصًا أن الإخوان في صعودهم السياسي حملوا مشروعًا غير واضح المعالم انتهى إلى تأسيس تحالف ـ هش وغير مستقر كما ظهر لاحقًا ـ بين عناصر غاية في المحافظة وربما معادية للثورة، بدءًا من المؤسسة العسكرية والأزهر والشرطة وانتهاءً بالسلفيين.

بيد أن هذا لا يعني ببساطة شديدة أن احتمالات تعديل النموذج الاقتصادي الموروث من عهد مبارك غير موجودة، وأن صعود السيسي لسدة الحكم لا يعني سوى إعادة إنتاج نظام مبارك؛ إذ إن هذا الأمر علاوة على كونه غير مؤكد أو محتوم؛ فإنه يواجه صعوبات جمة يقع على رأسها الطريقة التي استعاد بها الجيش الحكم من الإخوان على ظهر احتجاج شعبي غير مسبوق. وينقلنا هذا إلى حيز واحد للنقاش حقًا، وهو عن رغبة وقدرة المؤسسة العسكرية باعتبارها العمود الفقري للنظام الآخذ في التشكل في تعديل النموذج الاقتصادي، ولا يمكن فهم هذا من دون الأخذ في الاعتبار الهم الذي يعبر عنه السيسي باستمرار، وهو همّ إعادة بناء شرعية الدولة والحفاظ على التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية، وهي أصلًا مسوغات تدخل الجيش في المقام الأول.  

ما بين ١٩٥٤ و٢٠١٤

في كتابه الكلاسيكي “مصر مجتمع عسكري” الصادر في ١٩٦٨؛ قدم أنور عبد الملك تحليلًا هيكليًا لثورة / انقلاب يوليو ١٩٥٢، وما تلاه من تأسيس للنظام الناصري، وقد كان طرح عبد الملك واضحًا وهو أن مصر كانت على شفا انهيار اجتماعي واسع بعد الحرب العالمية الثانية، وأن النظام القديم لم يكن قادرًا على استيعاب حدة الصراع الاجتماعي ولا على حل قضية الاستقلال الوطني عن بريطانيا؛ ما هدد باندلاع ثورة اجتماعية معادية للاستعمار والنظام القديم معًا، ومن هنا تدخل الجيش ـ باعتباره كيانًا محافظًا يهدف إلى الحفاظ على التماسك الاجتماعي والأمن العام ـ وقام بعزل الملك وحل الأحزاب وإجلاء الإنجليز، ثم عمد إلى تبني بعض أهم المطالب الاجتماعية الخاصة بالعمال وبالإصلاح الزراعي وإعادة توزيع الأراضي وتمصير الشركات في مقابل تأميم المجال العام وسحق اليمين واليسار على حدٍ سواء، وبذا أتم الجيش ما عجز كل من الملك والوفد عن تحقيقه؛ وهو توسيع التحالف الاجتماعي المستفيد من سياسات الدولة ومؤسساتها، وكانت نقطة عبد الملك الرئيسية هي أن كيانًا محافظًا كالجيش تبنى إصلاحات نعتها “بالثورية” في سبيل الحفاظ على علاقات السلطة كما هي والحيلولة دون انهيارها. وها نحن اليوم في وضع شبيه من حيث تفجر الأزمة الاجتماعية واجتياحها للمجال السياسي وعودة الجيش لتصدر المشهد، فكم تبعد ١٩٥٤ عن ٢٠١٤ حقًا؟

من السهل القول إن الجيش كمؤسسة ذات نزوع محافظ، بمعنى أن مشروعها حتى الآن لا يرمي سوى إلى الحفاظ على الدولة، ومن ثم على العلاقات الاقتصادية والاجتماعية القائمة، ولكن هذا لا يجعل من الجيش ببساطة ممثلًا للمصالح التي ارتبطت بالنموذج الاقتصادي في عهد مبارك، بل على العكس؛ يخلق مساحات من التناقض بين مكونات التحالف السياسي الذي تشكل في مواجهة الإخوان في يونيو ٢٠١٣، ومن المنتظر أن تظهر هذه التناقضات شيئًا فشيئًا مع انتقال السلطة رسميًا لمرشح الجيش؛ خصوصًا التناقضات بين شبكات المحسوبية من كبار عائلات ورجال الأعمال وبين الحاجة لتوسيع التحالف الاجتماعي الذي سيستند إليه النظام القادم، وكذلك التناقضات الأخرى بين الأجهزة الأمنية ذاتها في تصوراتها عن المجال العام وقدر الحريات المسموح به في نظام سياسي من الواضح أنه سيكون خاضعًا لوصاية عسكرية / أمنية / قضائية بصورة أو أخرى.

من المبكر القول بأن النخبة العسكرية المهيمنة تملك تصورًا عامًا ـ ناهيك عن مشروع أو برنامج ـ فيما يخص إعادة تصميم النموذج الاقتصادي المصري، ومن المرجح أن رؤيتهم إزاء الاقتصاد محكومة بأمرين اثنين؛ الأول هو استعادة النمو وتجنيب الدولة مخاطر الإفلاس، والثاني هو بناء أو استعادة شرعية الدولة السلطوية، وبعيدًا عن الخطط المباشرة المتصلة بضخ استثمارات عامة لرفع معدلات النمو والتشغيل في المدى المباشر؛ فإن الشيء الوحيد الذي قد ينمّ ولو بشكل غامض عن توجهات الجيش حول قضية العدالة الاجتماعية؛ هو استدعاء الميراث الناصري الوطني الذي ميز مرحلة ما بعد الاستقلال بشكل مباشر، وقام على تبادل الحقوق الاقتصادية بالحريات السياسية، وانتهى إلى إنشاء تحالف اجتماعي واسع يقوم على عمال القطاع العام وموظفي الدولة والطلبة، فيما عرف فيما بعد باتحاد قوى الشعب العامل، وهي صيغة سلطوية شعبوية لم تلبث أن تعرضت للتآكل المستمر مع اشتداد أزمة الدولة المالية في السبعينيات والاحتياج المتزايد لاتخاذ إجراءات تحريرية اقتصادية تزيد من نصيب القطاع الخاص، وتخفف من قبضة الدولة المباشرة على أنشطة الإنتاج والتوزيع.

بيد أن إحياء المشروع الاقتصادي للناصرية ليس مطروحًا بشكلٍ جدي لأسباب يطول شرحها بعضها محلي والآخر دولي، ومن ثم؛ فإن التأسيس لتحالف اجتماعي يقوم على دور توزيعي للدولة إزاء الطبقات المتوسطة والعاملة ليس ممكنًا في السياق الحالي، ولا يدعي ممثل الجيش في الساحة السياسية قدرة على تنفيذه، ولا يقدم وعودًا في هذا المجال؛ إذ إن الدولة لا تملك موارد مالية تكفي لذلك، كما أن توسيع دور الدولة الاقتصادي على حساب القطاع الخاص؛ لن يضمن بالضرورة تدفق رءوس الأموال من الخارج التي تعتمد عليها مصر، ومن هنا؛ يمكن القول إن تقويض ما تم إنجازه من تحول رأسمالي في عهد مبارك ليس على رأس أولويات الجيش، نتيجة النقص الحاد في موارد الدولة والاعتمادية على الخارج، ولا سيما المؤسسات المالية العالمية، بالإضافة لهيمنة الأيديولوجيا النيوليبرالية على فكر أغلب الجهات صانعة السياسات المالية والنقدية والتجارية داخل جهاز الدولة البيروقراطي حتى الآن.

 على أن القضية ليست إحداث تحول ضد الرأسمالية في مصر، بقدر ما هو إدخال تعديلات على النموذج الرأسمالي بما يجعله أكثر تنموية ومن ثم أكثر عدالة في توزيع عائده وأقل إقصائية مما كان قائمًا في عهد مبارك، أي بمعنى آخر؛ من الصعب إعادة إنتاج رأسمالية المحاسيب التي سادت في عهد مبارك من دون توقع تفجر ذات أزمات الشرعية التي قضت على نظامه في يناير ٢٠١١. وينقلنا هذا إلى مربط الفرس، وهو تهذيب أو تشذيب وربما تحطيم بعض شبكات المحسوبية التي نشأت في عهد مبارك، التي سيطرت على أغلب الأصول الإنتاجية من أراض وإمدادات طاقة وقروض من البنوك، بالإضافة للتمتع بمواضع احتكارية في السوق مقابل إدخال المزيد من المنتجين متوسطي وصغيري الحجم ورفع إنتاجيتهم وقدرتهم على المنافسة.

إن مثل هذه الإصلاحات تتطلب تغييرًا كاملًا في علاقة بيروقراطية الدولة بالقاعدة الأوسع من القطاع الخاص، كما تتطلب إعادة رسم علاقة الدولة بأصحاب الملكيات ورءوس الأموال الكبيرة لزيادة حصيلة الضرائب التي يمكن معها تمويل التوسع بعيد المدى في الاستثمارات الحكومية الموجهة للتعليم والرعاية الصحية التي هي قلب أي استراتيجية لرفع إنتاجية الاقتصاد المصري في مجال الصناعات كثيفة العمالة؛ حتى يمكن رفع متوسطات الأجور وخلق فرص عمل لاستيعاب الداخلين الجدد للسوق سنويًا.

تبدو مثل هذه الاستراتيجية هي الأقرب للتحقق؛ لأنها من المفترض أن تنتهي إلى توسيع التحالف الرأسمالي بالإتيان بالمزيد من القواعد المحافظة لدعم النظام الجديد، وإنشاء بالتالي تحالف يمين وسط بدلًا عن يسار الوسط يضم العمال، بيد أن سؤالين معلقين يظلان قائمين بلا إجابة واضحة في هذه المرحلة، وهما: ما هو موقف الجيش من نصيبه من شبكات المحسوبية ذاتها التي قامت في عهد مبارك؛ خصوصًا في شق النفاذ للأراضي والتمتع بأوضاع احتكارية في قطاعات بعينها تخضع لرقابة أجهزة الأمن القومي على اختلافها كقطاعات الطاقة والاتصالات والمقاولات والأشغال العامة؟ وأما السؤال الثاني فهو: ما هي قدرة الجيش ومرشحه الرئاسي على تعديل سلوك كبار العائلات الرأسمالية في مصر وفرض عليها تعديل قواعد اللعبة الخاصة بالنفاذ للأصول الإنتاجية؟ إن الجيش في حاجة لهؤلاء على المدى المتوسط لضخ استثمارات في مصر وللوصول لرءوس الأموال الأجنبية من خلالهم، ولكنه في المدى المباشر لا يعتمد عليهم في خطط الإنعاش الاقتصادي المباشر بقدر ما يعتمد على التمويل الحكومي الخليجي المدفوع برغبة سياسية محمومة ببلوغ قدر من الاستقرار في مصر، ويذهب هذا التمويل مباشرة إلى الهيئات الاقتصادية التابعة للجيش، ما يخلق للقيادة الجديدة بعض المساحة للتحرك من أجل تعديل قواعد اللعبة.

بما إن المعسكر المعبر عن الثورة لا يزال ضعيفًا وربما يكون أضعف اليوم مع تصاعد القمع الأمني وانغلاق المجال السياسي عمّا كان قبل سنة من الآن، وبما أن الإخوان قد تم إقصاؤهم بعد تردي مشروعهم السياسي في سنة أو أقل؛ فإن التحالف الدولتي الحاكم يقف اليوم وحده تقريبًا في محاولة جديدة لإعادة بناء السلطة السياسية بعد سقوط مبارك، ولعل فرص الإصلاح من عدمه مرتبطة بقدر ما تراه النخب العسكرية والأمنية من تهديد بعيد المدى لمحاولاتهم استعادة شرعية الدولة، التي يبدو أن بعضها ـ على الأقل ـ يرى أن ما حدث في ٣٠ يونيو يعكس إرادة شعبية للعودة لما كان قبل يناير ٢٠١١، وأن الإحباط من مسار تحول سياسي فاشل كفيل بالتأسيس لشرعية نظام سياسي بعد أكبر ثورة شعبية في تاريخ مصر، بينما يبدو للآخرين أن هذه ما هي سوى فرصة أخيرة لن تتكرر.



[1][1] ـ خصوصًا إذا تم النظر لمعدل النمو السنوي مقارنة بمعدل النمو السكاني على نحو يشي بأن نصيب الفرد من الدخل لم يزد في السنوات الثلاث الماضية.

 

تم نشر نسخة سابقة من هذا المقال باللغة الالمانية في موقع هنريش بول ستيفتنج.

 

اعلان
 
 
عمرو عادلي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن