قضايا التظاهر والإشارات المتضاربة للدولة
 
 

١٠ أيام فصلت بين آخر وقفة احتجاجية طالبت بالإفراج عن المعتقلين وإسقاط قانون التظاهر، ومسيرة أمس، السبت، التي حملت نفس المطالب وكان يفترض أن تصل إلى قصر الاتحادية، قبل أن يتم مهاجمتها من قِبل قوات الشرطة وأفراد بملابس مدنية، وفقا لشهود عيان.

كلتا الفعاليتين كانت لهما نفس المطالب، وربما شارك فيهما نفس الأشخاص، وتعرضت الفعاليتان للتضييق ولكن بدرجات متفاوتة.

الفعالية الأولى تم تنظيمها أمام نقابة الصحفيين، يوم ١٢ يونيو الماضي، عقب مؤتمر صحفي للتضامن مع معتقلي ومتهمي قضية مظاهرة مجلس الشورى، المحكوم عليهم بالسجن ١٥ عاما وغرامة ١٠٠ ألف جنيه لكل منهم، والمراقبة الشرطية ٥ أعوام. وتم الاحتكاك بها لفظيا من قِبل المشاركات في مسيرة نسائية، مرت أمام مقر نقابة الصحفيين، ووفقا لعدد من المشاركين بالوقفة، كان الموقف متوترا والمكان محاطا بأفراد المباحث، وبالفعل تم إلقاء القبض على محمد شعبان، عضو حركة ٦ أبريل، بعد تركه مكان الوقفة الاحتجاجية  قبل أن يتم إخلاء سبيله بعدها بعدة أيام.

التعامل الأمني مع مظاهرة أمس كان أكثر عنفا. ما حدث يرويه خالد السيد، القيادي بجبهة «طريق الثورة»، التي تضم حركات سياسية معارضة للسلطة الحالية، من خارج المعسكر الداعم للرئيس المعزول محمد مرسي، يقول السيد: “كان المفترض أن تتجه المسيرة إلى «الاتحادية»، إلا أننا اكتشفنا أن كل الطرق المؤدية للقصر ممتلئة بقوات الشرطة والبلطجية، فقررنا الاتجاه لميدان الاسماعيلية وإنهاء المسيرة هناك. تحركنا لمدة ٢٠ دقيقة ثم بدأ البلطجية الهجوم علينا بالحجارة والزجاجات الفارغة. تراجعت المسيرة وبدأت الشرطة الهجوم بمدرعاتها وقنابل الغاز المسيل للدموع والخرطوش، فتفرق المتظاهرون في الشوارع الجانبية إلا أن الشرطة لاحقتهم وبدأت في القبض عليهم، وعلى كل مشتبه به في محيط المظاهرة”.

عندما أجرت «مدى مصر» اتصالها التليفوني بالسيد، كان متواجدا أمام مجمع محاكم ونيابات مصر الجديدة، يتابع سير التحقيقات مع نحو ٣٠ معتقلا من مسيرة أمس، بينما تجمع العشرات من المتضامنين معهم أمام مقر النيابة.

لم يكن المشهد خلال الأيام العشر الأخيرة قمعا صافيا، ففي ١٦ يونيو الماضي، أصدر النائب العام قرارا بإخلاء سبيل ١٣ محبوسا إحتياطيا على ذمة قضية فض اعتصام رابعة العدوية، من بينهم صحفي الجزيرة عبدالله الشامي، المعتقل منذ ١٠ أشهر، والمضرب عن الطعام منذ ٥ شهور.

إخلاء سبيل الشامي، وفق نص قرار النيابة، جاء بسبب سوء حالته الصحية، وهو ما أثار حالة من التفاؤل بين جمهور المتضامنين مع المعتقلين والمعارضين لقانون التظاهر، إلا أنه في اليوم التالي مباشرة تم تأجيل جلسة قضية «غرفة عمليات رابعة»، المتهم فيها محمد سلطان إلى يوم ٢٣ من الشهر الجاري، رغم أن حالته الصحية متردية، وفقا لشهادات أسرته والتقارير الطبية.

فسلطان مضرب عن الطعام منذ ١٤٨ يوما، كما توقف عن شرب الماء منذ ١٧ يوما، ويتناول فقط محلول ملحي، وتم نقله للعناية المركزة بمستشفى قصر العيني منذ ١٣ يوما، وهو يعاني من جلطات متعددة في الرئة، بسبب تاريخه المرضي المتعلق باضطراب سيولة الدم، ومعدلاته الحيوية عموما منخفضة.

التضارب بين موقف السلطة القضائية تجاه الشامي وسلطان، رغم تشابه حالتيهما، ليس الحالة الوحيدة، فخلال الأسبوع الأخير، صدر حكمين ببراءة ٨١ معتقلا في قضيتين منفصلتين، لعدد من متظاهري الذكرى الثالثة لثورة ٢٥ يناير. لم يفصل بين الحكمين السابقين والحكم في قضية «متظاهري الشوري» سوى أيام، وفي الأخيرة صدر الحكم الأكثر قسوة ضمن قضايا التظاهر.

يرى السيد أن هناك حالة من الارتباك لدى من يتعامل مع «ملف التظاهر وقضية المعتقلين»: “نحن أمام سلطة تتأرجح بين استخدام مزيد من القمع أو التراجع خطوة للوراء”. يقول السيد، قبل أن يضيف، مفسرا لماذا يرى السلطة مرتبكة: “السلطة تتغنى بأن لها شرعية، وأن الجماهير موحدة خلفها في مواجهة الإرهاب، لكن وجود متظاهرين معارضين لها، من خارج جماعة الإخوان المسلمين يربك المعادلة تماما، فهم يضربون فكرة التأييد الشعبي الجارف للنظام، كما يؤكد وجودهم أنه ليس كل من يعارض السيسي وسلطته إرهابيون”.

بالنسبة لأكرم إسماعيل، القيادي بحزب «العيش والحرية – تحت التأسيس»، فهو يرى أن الأمر لا يتم إدارته في جميع أوجهه بشكل مركزي، فيقول: “بالطبع هناك رسائل واضحة يتم توجيهها عبر قمع مظاهرات بعينها، والإصرار على سجن نشطاء بعينهم، مثل علاء عبدالفتاح وماهينور المصري ومن قبلهم أحمد ماهر وأحمد دومة، لكن هناك أيضا قضايا ومظاهرات أخرى أقل تأثيرا، مما يسمح بتعامل مختلف معها”.

يضيف إسماعيل: “بالنسبة لمظاهرة أمس، كان من المتوقع ضربها، فالسيسي في الوضع الحالي لا يتحمل أن تتجرأ القوى الثورية على الذهاب والتظاهر أمام قصر الاتحادية”، يستدرك إسماعيل: “شباب الثورة في الوقت الحالي لا يملكون الكثير من القوة، لكنهم قادرين على رفع مستوى الجرأة في مواجهة النظام، قادرين على فتح الطريق لغضب الجماهير وزيادة الجرأة لدى الجميع، بمن فيهم خصوم السلطة الحالية من الإخوان المسلمين، وهذا درس ثورة ٢٥ يناير الذي تعلمته الدولة”، ويكمل: “لذلك كان هناك أهمية لضرب مسيرة أمس ومنعها من الوصول لقصر الرئاسة، هذه رسالة واضحة أرادت السلطة توصيلها، مثلما فعلت بالأحكام ضد ماهينور المصري وعلاء عبدالفتاح وأحمد ماهر وأحمد دومة”.

يرى إسماعيل أيضا أن هناك قرار سياسي، بأن يظل هناك معتقلين، من معارضي السلطة الحالية من خارج معسكر الإخوان المسلمين،  في السجون بشكل دائم، لاستنزاف القوى الثورية وإرهابها، على حد قوله.

“حتى لو خرج البعض في قضايا أقل تأثيرا، مثل الأزبكية والدقي والعجوزة، فهناك إصرار على استمرار حبس آخرين، أو اعتقال متظاهرين جدد، ليستمر استنزاف القوى السياسية المعارضة”، يشرح إسماعيل فكرته.

التجاذبات السياسية فيما يخص مطلبي وقف العمل بقانون التظاهر والإفراج عن المعتقلين، لم تقتصر فقط على الحركات والمجموعات الثورية، بل تجاوزتها إلى عدد من الأحزاب السياسية أيضا.

حيث نظمت ٨ أحزاب سياسية، أمس السبت، مؤتمرا صحفيا بالمقر الرئيسي للتيار الشعبي بعنوان «لا لقانون التظاهر.. الحرية للمعتقلين»، أعلنت خلاله أحزاب الدستور، التيار الشعبي المصري، المصري الديمقراطي الاجتماعي، التحالف الشعبي الاشتراكي، الكرامة، العيش والحرية، مصر الحرية، والعدل، رفضها قانون التظاهر، وطالبت بوقف العمل به وإطلاق سراح المعتقلين، وسرعة بت المحكمة الدستورية العليا في مدى صلاحية القانون.

وكان المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق خالد علي، قد نجح الأسبوع الماضي في الحصول على تصريح من محكمة القضاء الإداري، بالطعن على مادتين من قانون التظاهر أمام المحكمة الدستورية العليا.

كما طالب يونس مخيون، رئيس حزب النور، في ١٦ يونيو الماضي، بإلغاء قانون التظاهر وكل ما ترتب عليه من آثار، مشيرا إلى أنه يوجد في قانون العقوبات ما يكفي لمواجهة من يخرج عن حدود السلمية إلى ممارسة العنف.

ولم تبدر من السلطة السياسية الجديدة، أي إشارة توحي باستجابة قريبة لمطالب الأحزاب والحركات الثورية، سوى ما صرح به جون كيري، وزير الخارجية الأمريكي، ونقلته عنه قناة العربية، عقب لقاءه مع السيسي، أن الأخير وعده بإعادة تقييم قانون التظاهر. ونشر موقع جريدة الوطن بعدها خبرا، منسوب إلى مصدر قضائي باللجنة العليا للإصلاح التشريعي، مفاده أن رئاسة الجمهورية طلبت من اللجنة وضع قانون التظاهر على أجندة أولوياتها ضمن القوانين التي ستقوم بمراجعتها، ودراسة الاختيارات المتاحة لتعديل القانون وكيفية التعامل مع الأحكام التي صدرت بعد تطبيقه.

 وكان المخرج السينمائي خالد يوسف، أحد داعمي السيسي خلال حملته الانتخابية، قد صرّح مطلع الشهر الجاري في إحدى اللقاءات التليفزيونية، أنه عرض على السيسي مشاكل الشباب المقبوض عليهم بسبب القانون، وأبدى السيسي حزنه وعمله على إيجاد مخرج لهذه الأزمة، على حد قوله. وتابع يوسف: “أعتقد أن هناك احتمال أن يفرج السيسي عنهم، وأناشده بفعل ذلك”.

إلا أنه في نفس يوم لقاء السيسي وكيري، نشر موقع «البداية» الإلكتروني خبرا عن توجيه النيابة اتهاما للصحفية رشا عزب وعضو مجلس نقابة الصحفيين خالد البلشي وآخرين، بتنظيم المظاهرة أمام نقابة الصحفيين الخميس ١٢ يونيو الماضي، لرفض الأحكام الصادرة ضد المتهمين في قضية «مظاهرة الشورى»، ليستمر التراوح فيما يخص قضايا التظاهر والمعتقلين.

بالنسبة لخالد السيد فإنه من العسير توقع إتجاه السلطة الحالية فيما يخص قضايا حرية التظاهر، “لدينا سلطة تفعل الأمر وعكسه طوال الوقت، ولا يمكن توقع أبدا فيما تفكر أو ماذا ستفعل”، يقول السيد. لتظل أزمة قانون التظاهر ومعتقليه قائمة.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن